لا تدرسي ستعيشين أميرة في بيتك!

قبل شهرينِ، تقدّمَ لخطبتي رجلٌ مُحترمٌ، وجيّد بما يكفي لأن يكونَ حلماً لأغلبِ الفتياتِ، فقلّما تجتمِعُ بعضُ الصّفاتِ المُتوازية، وعندما نالَ استحسانَ الأغلبيةِ من أسرتي، لم أمانِع بأن يزورَنا رسميّاً في البيتِ كي نتحدّث في بعض الأمورِ، وبعد أن عرّفَ بنفسهِ وعرّفتهُ بي، تركتُهُ للصّمتِ كي أعرفَ فيما يفكّر فأكيدٌ أنّه لن يظلّ صامتاً طوال الوقتِ، وتماماً كما توقّعتُ، نَطَقَ قائلاً: صحيح لم أخبركِ، ستعيشينَ معي حياةً هنيّةً، أملكُ وظيفةً جيّدة، وبيتاً بملكيّةٍ خاصة، وسيّارةً. وأستطيع أن أشتري لك سيّارةً -أيضاً- وكلّ ما ترغبينَ به. وعندما سألتُهُ عن دراستي التي لم أنهيها بعدُ، قالَ: هذا ما لا أستطيعُ دعمهُ، ستجلسينَ أميرةً في بيتكِ، ولن ينقُصك شيء، فلماذا سترغبينَ في اتمام دراستك مقابلَ العمل على مبلغٍ أتقاضى أضعافه؟

 

ظلّ صدى عبارة: "أميرة في بيتكِ" يتكرّر في ذهني، ويتضخّمُ، حتى كدتُ أتخيّل نفسي أميرةً وسطَ قصرٍ وتتأفّف من شدّة الملل، لولا أن تذكّرتُ وصيّة امرأةٍ أثق في حكمتها عندما قالت: الزواجُ ليسَ عالماً زهريّاً، لا أريد أن يصدمك الواقع يوماً، لكن؛ لا شيء كامل، والواقع مُرٌّ؛ فالزّمن يتقلّبُ بينَ يومٍ وليلةٍ، فكم من نائمٍ لم يصحو، وكم من مُستيقظٍ يمشي مُخدّراً كالنّيامِ من هول الصدمةِ والتّعبِ.

 

إنّ الغريب والمُخيف في خاصية الزمان، أنّه سريع الإفلاتِ، ولا حالةَ ثابتة فيهِ، فالوجهُ الذي يضحكُ الآن، قد يبكي بعدَ بضع دقائق، والقلبُ النّابضُ الآن، قد يتوقّفُ بعد ثوانٍ، هكذا، يتغيّر الحالُ، ولا ضمانةَ لاستقرارِ حالٍ. وما أن يتمّ استيعاب هذا الأمر، حتّى يُصبح من واجب الإنسان الفطن ألّا يتساهلَ مع لعبة الحياة.. إذ لا ضمانات في النّهاية.

أعرفُ امرأةً أنجَبَت خمسَ بناتٍ، وتقرّ في بيتها منذ زمنٍ طويلٍ، وقبل ثمانيةِ أشهرٍ تُوفيَ زوجُها بحادثةٍ وتركَها حاملاً في شهرها السّادس، فكيفَ يُمكن لهذه المرأة مثلاً أن تهتمّ بمصاريفِ بيتٍ أكبر منها؟ وأعرفُ أخرى تمّ تداوُلُ مشكلتها على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، توفيَ زوجُها لأنّه شربَ دواءً لا يُناسب حالَتَهُ المرضية، فترَكَ خلفهُ زوجةً وبنتينِ، وبينَ يومٍ وليلةٍ وجدت المرأة نفسها في الشارع، إذ لا عاصِبَ يمنعُ جشعَ أقارب الزّوجِ عنها، فكيفَ يمكن لأمثالِ هذه المرأةِ أن يسلموا ممّا حدثَ؟

 

بعيداً على أنّني لا أتفق مع الأشخاص الذين ينجبون أطفالاً كُثر ولا طاقة لهم على تحمّل تكاليف معيشتهم جميعاً، فإنّني أخافُ أن يأتِيَ يومٌ قد يلومُني طفلي لأنّي أتيتُ بهِ لحياةٍ لا أستطيع توفيرَ ما يحتاجُهُ فيها، لهذا تساءَلتُ: ماذا لو وافَقتُ، أكُنتُ لأسعَدَ ببيتٍ دافئ، وأستحلي دورَ الأمّ العاجزة التي لن تستطيعَ توفير أبسط حاجيات طفلها واحتواءَهُ إن رَكَلَت الأقدارُ بيتناَ وألقَتنا إلى الشارع؟

 

يظلّ المُكوثُ في البيتِ اختياراً، وتظلّ الظروف المختلفة لكلّ أسرةٍ تُجبر احداهنّ على العمل، أو تجعلها تجلسُ في البيتِ دون الحاجة إلى العمل. في الماضي البعيد جدّاً، كانت هُناكَ أسرةٌ غنيّة تملكُ بنتاً واحدةً فقط، في الصّباحِ يغيبُ أبوها ولا يعودُ إلّا ليلاً، فتحرصُ الأمّ على أن تعلّمها الغزل والحياكة وكلّ أعمال البيتِ الأخرى دونَ علم والدِها، فقد كانَ سيغضبُ لو عَلم أنّ ابنتهُ تتعبُ نفسها في أعمالٍ يوجَد ممّن سيقومُ بها الكثير، فلمّا كبُرت البنتُ تزوّجت برَجُلٍ ذي مرتبةٍ رفيعة، فدارت عليهم دوائرُ الزّمنِ، فوجدت الفتاة نفسها محصّنةً ضدّ كلّ تقلّباتِ الدّهرِ، ولمّا زارَهم والِدُها يوماً، وَجَدَ من حالِها ما يسرُّهُ رغم كلّ شيء، فقد استطاعت أن تعينَ زوجها على تجاوُز المحنةِ، فكانت تحيكُ وهو يبيعُ وتتكلّف بشؤون البيتِ، ولمّا عادَ أبوها عند الأمِّ وساعدَ ابنتهُ بما استطاعَ، قالَ لها: إنّها تجيدُ كلّ شيء، لا أدري من علّمها؟ فضحكت الزّوجة قائلةً: في الصباحِ الذي تخرجُ فيه كنت أعلّمها، حمداً للهِ أنّني لم أكُن مجنونةً بتدليعها مثلما فعلتَ. فمتى ما تعلّمت البنتُ شيئاً، كانَ فيهِ نفعٌ لها. وكي أحميَ ابنتي من المجهولِ، علّمتُها، فتركتُ لها صنعةً في يَدها لا تبورُ.

 

إنّنا في عصرٍ جديد، ثقل الحِمل صعبٌ على واحِدٍ، ولا بأسَ في أن يتقاسَمَهُ اثنانِ، والمرأة التي تذهبُ إلى العملِ شريفةٌ لا يحقّ لأحد أن يطعَنَ في شَرَفها أيّاً كانَ، وإن تَطاوَلَ عليها أحدهمٌ فقد حَلَّ في مرتبةِ من لا مرتبةَ له، وما أن يبدأ في مشاحنةِ النّسوةِ، حتّى يلزَمَ اعتبارُهُ واحداً منهنّ. فالكلامُ سهلٌ، والظروفُ أصعب.. والحياةُ أكبر.. والواقِعُ مُرٌّ. فلا يحقّ لشخصٍ أن يحكم على حياة شخص آخر، وزاوية النّظر تختلف من مكانٍ لآخر، وعندما ستوضعُ في زاوية نظر صاحب الفعل آنذاكَ لنختبِر فعلَكَ.. أمّا وأنتَ خارجَ ظروف التجربة، فسيكونُ خيراً لو تصمت بدلَ أن تقذف الأعراضَ، وتحلّل ما تشاء، وتحرّمَ ما تشاء.

وللآنِ، ما زلتُ أؤكد على أنّ كلّ أنثى حرّةٌ فيما تَفعلُ، وحرّة في جميع اختياراتها، لكن على كلّ واحدة أن تأخذ بالحيطةِ، الرّجلُ لا يتقدّمُ لخطبتكِ إلّا حينَ يكونُ جاهزاً، فلم أسمع قطّ عن رجلٍ تخلّى عن أحلامه مقابل امرأةٍ، لكنّنا –نحن النساء- نفعل. نقتربُ مما نرغبُ، وفي آخر خطوةٍ يظهرُ رجلٌ حقّق أحلامهُ ليحرمك من الخطوات المتبقّية في السّعيِ بموافقةٍ منكِ ودونَ اجبارٍ.

 

من يحبّكِ، لن يحرمك من شيءٍ ترغبينَ فيهِ، من يحبّكِ، سيفكّر دائماً في حمايتِكِ بجعلك قويّةً بوجودِهِ أو دونه، دون الاتّكالِ المستمرّ عليهِ، من يحبّكِ، لن يبخل عليكِ يوماً ولو بكتِفِهِ الذي لن يدفعَ درهماً إن أمالَهُ لتتكئي عليهِ، من يحبّكِ، لن يخيفه نجاحك، وسيكونُ في الكواليسِ مُصفّقاً لكِ وأنتِ تكبرينَ وهو بجانبكِ الدّافِعُ. الحياة لا يجبُ أن تتوقَّفَ بزواجٍ، ونحنُ هنا، نعيشُ لمرّةٍ واحدة فقط، وأتمنّى من صميم قلبي ألّا نندمَ حينما نستلقي يوماً على فراش الموتِ ونحنُ نادمون على ما لم نَفعل، أو نادمون على ما فَعَلنا. وإن كانَ الرّباطَ المُقدّس سيجمعُكِ مع شخصٍ يَطمرُكِ، ولا يثق فيكِ، ولا يحرص عليكِ، ويراكِ ناقصةً، ومريضٌ بالشّكِ.. فلكِ أن تتخيّلي جحيماً مُقبِلاً.

 

وآخِرُ القولِ: لا تستعجلوا القطافَ، فالثمرة النّيئة أو التي لم تنضج بعد، سيكونُ قطفُها خسارةً، في المسائل المتعلّقة بالزواج، يلزَمُ التريُّثُ. والتفكيرُ فيما سيأتي بعدَها.. تحرّوا الشروطَ جيّداً، وضعي تقلّبات الحياة نصبَ عينيكِ، وإيّاكِ أن تنعَمي بعاطفةٍ سَيبرُدُ لهيبُها.

 

وأقولُ لكلّ رجلٍ: لن ترغبَ قطُّ برؤية ابنتك تحتَ رحمةِ رجلٍ لا يَرحَمها، بقاء البنتِ دونَ حصونٍ فيهِ هلاكٌ كبيرٌ لها، فكم من امرأةٍ تتحمّل وحشاً فقط لأنّها عاجزةٌ عن مُواجَهة الحياةِ وحدها برفقة أطفالها، فربّوا بناتَكم على القوّة، والشجاعة، وساعدوهنّ على تعلّم صنعةٍ أو نيل شهادةٍ وإن كانت ستظلّ مُعلَّقَةً فوقَ الرّفِ، فليس الزّوجُ –دائماً- هو المُخيفَ، بل إنّ أمواجُ الحياةِ أكثر فتكاً منه، ولا يُمكن للذي لم يتعلّم السباحةَ أن ينجوا، سنغرقُ دائماً ما لم نحتَمِ بأيدٍ وأرجل تدرّبت على النجاةِ، وما لم نضع سترة الطفوِ.

وكونوا لزوجاتكم العونَ، بأن تساعدوهنّ على تعلم شيء جديد، وتشجعوهنّ على تحمّل بعض المسؤولية، فكما يُقال: قد يُصيبك سوءٌ، وستجدها جيشكَ الوحيد، فدرّب جيشكَ ليستعدّ، والتدريبُ ليس أكثر من تمنحه بعض الثقة في نفسه، وتجعله قويّاً فحسبُ، فشتّانَ بينَ من ستلطم الخدّ وهي قليلة الحيلة، وبينَ من ستبحثُ هنا وهناك عن مخرجٍ، لأنّها تعلمُ أنّ البكاءَ مُخبّأ لما بعدُ، وهذا ليس وقتَهُ.

 

عندما فكّرتُ في كلّ هذا مليّاً، وقلّبتُ موضوع المكوث في البيتِ من كلّ جوانِبِهِ، أتى الخاطبُ مرّةً أخرى، وظلّ كلانا ثابتاً على رأيِهِ، هو يقول: المرأة خُلقت لتجلسَ في البيتِ، إن أردتِ الخروج فلا يمكنكِ إلّا حينَ تذهبينَ معي أو مع أمي أو احدى أخواتي ودونَها لا أحد، ولا حتّى صديقاتُكِ، والدراسة ستوقفينَها منذ اللحظة، فستعيشينَ معي حياةً رغيدة، لن تحتاجي فيها شهادةً لا تُسمن ولا تغني من جوعٍ، أعدكِ، ستكونينَ أميرةً في بيتكِ.

 

وكانَ شرطي للموافقةِ بسيطاً جدّاً: وقّع على ورقة تضمنُ لي فيها بأنّ كلّ هذا لن يُدبِرَ، وبأنّك لن تمرض يوماً أو تموت، وبأنّي لن أجدَ نفسي في الشارع برفقة أطفالي وحدَنا، ولن يتذمّر أحد صغاري لأنّ حاجةً في نفسه لم تُلبّى، وأكيد، عدني أنّه لن يحدث شيء يجعلني أندم لأنّني توقّفتُ عن شهادةٍ كانت لتكسبني قوتَ يومٍ يقيني ويحفظني. أثبت لي أنّنا لن نُشرّدَ في مستقبلٍ تضمن سلامتنا فيه. وأعدُكَ بأنّني سأتوقّفُ مباشرةً عن السّعي وراءَ أيّ شهادةٍ أو صنعة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة