شاهد عيان بين نيران الإنتقالي الإماراتي والإنقلاب

سأكتب حروفي لعله حين يأتي ولدي ليجني غراس أملي يكون على دراية بما مررنا به من قبل، سأكتب لعل ذلك الأمل البعيد يشرق ولو بعد أجيال مما نعايشه، أقف الآن على مفترق طرق، يقف أمامي مباشرة انقلابيون وخلفي مباشرة جماعة باعت نفسها وشرفها للإمارات ومشروعها.

 

أعمل صحفيا وإعلاميا لدى إحدى القنوات المحترمة.. أكتب وأقدم في الجانب الإنساني والثقافي للحظتي ولم أتطرق للسياسة من قبل، ثمة مسافة بيني وبين الموت والاعتقال يذكرني بكليم الله في حفظ الرب له، ونمضي في خطوط التماس، ما إن يطّلع علينا أحدهم إلا وقد فتناه منذ وقت، نستمر في التعايش مع الخوف، وألِفناه، فلا أمل من البقاء صامتا، فعندما صمتنا كثيرا؛ أخرجتنا للمواجهة اتهاماتهم، حاولنا أن نتعايش معهم غير أن قوائمهم كانت تترصدنا بإمعان، لا أمل في العيش معهم.. أن يكون في أعماقك إنسانا فذلك ما يخيفهم ويثير شراهتهم عليك.

 

يوما ما.. سأمسك في كتفيك بإحكام يا ولدي لأقول لك: كن مهاجما فلا أمل بالبقاء أمامهم مقاوما، يوما ما سيكون لدي طفل.. أثق بذلك، فإيماني أن هذا، الوطن الفسيح لن يظل يتيما! يوما ما سيتدارك النصر هذا البلد، ليعود أمانا وسيعود البغاة ليرتجوا شفاعاتنا، غير أن المظلومين حينذاك.. سيضجون.. وسيغضبون.. وسيكونون هم مصدرا للعدل!

 

اليوم.. أتسلق جبالا شديدة الوعورة ولم أكن أتوقع أن يأتي يوما كهذا.. اليوم.. في قمة تلك الجبال العاتية تزحلقت صخرة عملاقة حاولتُ أن أتمسك بها للصعود؛ غير أنها داهمتني من فوقي؛ وبأعجوبة نجوت، تيقنت أن مشروعنا سيمضي بين شرورهم كسيل؛ ولن يوقفوه!

سيان اليوم بين الموت والحياة، فإن عشت بينهم فأنت ميت "مهانة وذُلا"، وإن استشهدت فذلك أسمى بالعزة والشموخ، يقال بأن الحيادية في مصير الأوطان خيانة، وكنت قبلما صنفتني "وسائل إعلامهم الاماراتية" أؤمن بالاستقلالية، غير أنني أدركت متأخرا أني أمام مشروع "كن أو لا تكون"!! سنقف خلف شعاع المشروع الوطني ولن نموت سنعيش كما عاش أولئك الذين فككوا العالم العربي ولم يموتوا إلا بعد تحقيق حلمهم "رغم حقدهم"، أما نحن فبحق حُبِّنا سنعيش؛ لأننا نحب الحياة قبل الموت، لأننا كرهنا الحياة حينما حادت خطانا عن الطريق، أما حينما عدنا فإن الموت حرام علينا حتى لا يمضي مشروعهم المهين.

 

لن نقف حائرين.. فالحيرة تأخير عن الانتصار، ولن يقشع الحيرة عن العيون سوى ظلمهم، فلن ننتظر! سيأتي الصباح وحتما.. ولن يتوهج ضوؤه إلا بوعي الجميع عن زيفهم وظلمهم.. ولن يهتك صلفهم لعبادة المال سوى ذل جباهنا أمام سبيل القهار ربنا.

 

كنت أتوهم من قبل أن الجميع لا يمكن أن يخونوا، ولما كان يتحدث أحدهم عن خيانة ما كنت ألقمه ردودا لاذعة مستهينا بما يقولوه، وحينما عاشرنا الكثير منهم وجدناهم يشبهوننا كثيرا، يلبسون مثلنا ويأكلون ويشربون إلا أن أرواحهم مسلوبة في حظيرة عبادة النفس، وإن حدثتهم عن الأوطان.. لا يفقهون.. وإن ناقشتهم عن دموع البسطاء.. لا يعقلون.. وإن لمحوا في جيبك عملة نادرة سرعان ما يخروا لك راكعين. عجبا لأمرهم.. ويا ويح عقولهم التي باتت مغلفة!! الزيغ والظلال والظلم ذلك جل ما يمضوا فيه، وشعار سبيلهم الحقد والارتزاق.

 

يا عزيزي.. هؤلاء يريدونك مكبلا بالأصفاد في غياباتهم، يريدونك أن تستجدي أطراف أثوابهم وهم ينظرون نحوك من علٍّ.. يريدونك دائما مغيبا عن تاريخك وهويتك، ويستمتعون أن يجدونك بينهم كدمية للتهزير، وإن يوما أفقت صاحوا بالحراس: أخمدوا صحوتهم، اطفئوا نقاشهم، وإن لم فاسكتوهم بكواتم، سأبقي حديثي مفتوحا فكل ملفاتهم مدعاة للاستكشاف، وكل أسرارهم تتداعى، فيجب عليك كيمني أصيل أن تكمل ما لم تستحضره الذاكرة، أو أنني لازلت أجهله، فكل واحد منا يملك أسرارا عنهم لا يعلمها الآخر.. وحيا على الكفاح، حيا على النهوض والصحوة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة