اقتصاد ما بعد كورونا

العولمة والاقتصاد عنوان رئيس للبشرية التي تقودها أمريكا لتحقق غزواً ثقافياً قبل أن يكون عسكرياً ولعل كورونا تصنع مرحلة ما بعد العولمة المتآكلة بشكل متسارع لصالح الدولة الوطنية ليصبح عالماً أقل انفتاحاً خارجياً وأكثر انتماءً للقومية الضيقة بل ربما تذهب باتجاه صراعات الاستقطاب الحاد والدفاع الذاتي عن المكون الضيق على حساب فكر العولمة وثقافتها، بل أكبر من ذلك بتعمق الفجوة بين المدارس الفكرية والثقافية العالمية سواء في بعدها السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، والعولمة الاقتصادية الأشد تضرراً.

 

وسيناريو عولمة اقتصادية تعيد هيكلة الاقتصاد العالمي لصالح الصين يتزايد في عالم ما بعد كورونا سواء كان ذلك بصراع قوى عالمية أو بتسليم أمريكي بهيمنة الصين الاقتصادية على العالم بديلاً عن اقتصاد تبادل المنفعة، وعودة طريق الحرير ليدشن مرحلة عالم ما بعد أمريكا اقتصادياً في مرحلته الأولى ثم ثقافياً واجتماعياً وعسكرياً في مراحل لاحقة والرهان الاقتصادي للصين في تحولات عميقة في العالم الرأسمالي مما يمنحها المزيد من النفوذ الذي جعلت من الاقتصاد بوابتها له؛ وتداعيات كورونا الاقتصادية تسرع ذلك بازدياد معدلات البطالة بشكل غير مسبوق وتأثيرات ذلك على الأمن المجتمعي وتراجع معدلات الإنتاجية في العالم سيساهم بتعجيل الدور الصيني الاقتصادي في عالم ما بعد كورونا.

الإحلال الاقتصادي للصين ليس بالضرورة سيحمل مشهد الاحلال الثقافي والسياسي والعسكري والإعلامي

فالصناعة التي تعتمد سلسة التوريد الطويلة تبدو ثقيلة على حركة الإنقاذ العالمي من كورونا والتي ستشكل مدخلاً لتحولات سريعة، ويبدو نظام التخلص من أنظمة التخزين في هذه الحقبة الاقتصادية أضعفت قدرة الدول على الجاهزية للوباء مما سيدفع الدول للتدخل المباشر في أنظمة التخزين والإنتاج مما سيضاعف التكلفة ويؤثر ذلك على الأسعار وأنظمة التوريد، وهذا سيفتح الباب أمام مرحلة رأسمالية جديدة عالمية بتقريب سلاسل التوريد وتدخلات حماية للسوق أكبر وهذا ربما يمنح قدرة صمود أعلى للدول والمجتمعات.

 

تأثير المشهد الاقتصادي عميق على مستقبل الصراع على قيادة العالم نحو ثنائية قطبية ترضى بها أمريكا مستسلمة لعالم ما بعد كورونا أو يتدحرج صراع القوة من الاقتصاد نحو السياسة والقوة الخشنة وربما بتشكيل محور جديد عالمي مناهض لأمريكا عنوانه الصين كرأس قطب في مواجهة أمريكا وقطبها الذي كان إلى وقت ما قبل كورونا وحيد القرن وأزمة النفط المصاحبة لـكورونا سيكون لها قول فصل في مستقبل الاقتصاد العالمي والذي ينبئ بانهيار الإمبراطورية النفطية وأن دولاً ستدخل في سوق الرقيق بمزيد من التبعية لأسياد العالم الاقتصادي الجديد.

 

يعيق ذلك الإرادة الصينية والتي لم تمثل تاريخياً عنواناً لذلك فضلاً عن ثقافتها واعتمادها على النفس الطويل في التغيير ومن هنا فإن الإحلال الاقتصادي للصين ليس بالضرورة سيحمل مشهد الاحلال الثقافي والسياسي والعسكري والإعلامي حيث أن الصين عسكرياً لا تقارن بأمريكا وكذلك في مكونات وعناصر القوة الأخرى كالفضاء والتكنولوجيا ولا من حيث الانتشار الإعلامي والثقافي حيث اللغة الإنجليزية التي عدت لغة العلم والعالم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة