ما هي أسرار فلاح الأعمال وقبولها؟

ما الذي يجعلُ لقولٍ أو كتابٍ أو عملٍ قبولاً عند الناس أكثر من غيره؟ لماذا تكون بعض المؤلفات أو الاجتهادات في زمانٍ مهجورة ثم بعد زمان تُشتَهر فينتفع بها الناس؟ اختط كثير من العلماء والدعاة والمصلحين والمربين مشروعات علمية ودعوية وخيرية وفارقوا الحياة ولمَّا تكتمل بعْد أو تستوي على سوقها فقيض الله تعالى لها من حررها وهذبها وأكملها ومضى بها إلى غايتها.. فما السبب؟ هذا موضوع مقالنا.

 

إن لصلاح النية وتنقيتها وترقيتها أثر عجيب في ذيوع علم صاحبه والانتفاع به على مدى الأيام، لقد تأثر الإمام ابن القيم كثيرا بحال إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رضى الله حينما كتب عن منهجه في الفتوى في كتابه إعلام الموقعين فقال مُبينا سِرَّ انتشار علمه: " وكان رضى الله عنه شديد الكراهية لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يُكتب كلامه، ويشتد عليه جدا، فعلم الله حسن نيته وقصده فكُتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سِفرا، ورويت فتاويه ومسائله وحُدث بها قرنا بعد قرن.. إلخ " باختصار.

 

قد يبدأ المرء مشروعاً علمياً أو دعوياً أو خيرياً أو إصلاحياً ثم يداهمه الأجل قبل أن يحقق منه ما صبا إليه، ثم يبعث الله له من يُكمله إلى غايته، ولا ريب أن جودة الفكرة والابداع في التصنيف ومعالجة قضايا الواقع من أهم أسباب الرواج والانتشار لمؤلفات العلماء فضلا عن دور التلاميذ في تدوين وتحرير ونشر علم مشايخهم، ولعلَّ كل عامل مما سبق يستحق أن يفرد بدراسة مستقلة، غير أن عامل الإخلاص وحسن الصلة بالله تعالى أهم ما نفتقر إليه وتشتد الحاجة إليه في عصرنا وفي بيئتنا الغربية خاصة.

 

لقد حظي علماؤنا رضى الله عنهم بنصيب وافر من صدق الوجهة وحسن الصلة بالله رب العالمين، واقرا في كتب التراجم والسير يحيا قلبك وتُشرق روحك بصحبة الأعلام الجبال الراسيات علما وخلقا وحالا، وعامل الإخلاص كان مفتاح ذيوع صيتهم وعموم الانتفاع بهم، فقد بذلوا أعمارهم في سبيل نشر العلم النافع في الأمة، ومن يقرأ كتابي العلامة عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، "قيمة الزمان عند العلماء "، وكتاب " صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل " يقف على الشيء الكثير الذي يفصح لنا عن الجهود والتضحيات العظيمة التي قدموها للأمة، ولم يكن في بالهم غير الله تعالى ونيْل رضاه .

عجيبٌ حينما يقول الإمام الشافعي رحمه الله: وددت لو يُنشَر هذا العلم ولا يُعرَف صاحبه. ما هذا التجرد؟!! لقد ألَّف الإمام كتاب الرسالة تلبية لطلب من المحدث المشهور عبد الرحمن بن مهدي، ولم يدر بخلده يوما أنها ستكون أول مصنف في يجمع مباحث علم أصول الفقه، ولعل الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل سيندهشون يوم القيامة حينما يعرفون أن علمهم انتشر في الآفاق وغدت لهم مذاهب يتبعها المسلمون حول الأرض – على حد تعبير أستاذنا د. عبد الكريم بكار، لقد رفض الإمام مالك عرض الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور أن يجعل كتاب الموطأ هو المرجع للأمة ويحملهم عليه، وقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم .. " باختصار، ولعمري هذا من كمال صدقه وفقهه وحرصه على وحدة الأمة. لذلك كتب الله القبول لكتابه " الموطأ ".

 هؤلاء فارقوا الحياة ولم يكملوا مؤلفاتهم فأتمها غيرهم

هناك كثير من العلماء بدأوا التصنيف غير أن المَنية عاجلتهم وبعضهم عزم على تأليف كتاب بعينه ولم يُكتب له أن يفعل، ولما علم الله منهم الصدق قيض من يكمل مشروعهم، فليهنؤوا بجوار ربهم مع الأجر بالنية وتحقق الغاية، سأكتفي ببعض النماذج خشية الإطالة.

بين الإمام النووي والإمام السبكي والشيخ المطيعي

وقفت يوما مع الإمام النووي رحمه أتتبع مسيرته العلمية الحافلة المدهشة، إنه لم يعش من العمر إلا 45 عاما 631 م  676 ت ولكنَّ الأمرَ كما قال ابن عطاء الله السكندري. "رُب عُمْرٍ اتسعت آماده وقَلَّتْ أمداده، ورب عُمْرٍ قليلةٌ أمداده كثيرةٌ أمداده، فمن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن مِنْ مِنَنِ الله ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة "  فقد وفقه الله تعالى وألقى القبول والرضا على كتبه جميعا مع تفننٍ وإبداع متفرد في التصنيف .وترجمة الإمام مشهورة معروفة، فلا نطيل، ومن بركة إخلاصه وصدقه مع الله تعالى قصة كتابه "المجموع شرح المهذب " وهو من المراجع الفقهية الرئيسة في المذهب الشافعي وهو بحق من نفائس التراث الإسلامي ومن ذخائره القيمة.

 

لقد اختار الإمام النووي متن المهذب للإمام الشيرازي وشرح منه 140 صفحة سودت تسعة مجلدات، ثم عاجلته المَنية قبل أن يتمه، ولما علم الله صدق نيته سخر له من بعده من يكمله وهو الإمام تقي الدين السبكي شيخ الإسلام في عصره 683 م 756ت فأكمل شرح المهذب من أول باب المعاملات إلى باب المرابحة وأتم ثلاثة أجزاء ثم توفاه الله وبقى الكتاب ينتظر من يكمل أجزاءه الأخرى، وبقى الكتاب ستة قرون مخطوطا حتى طُبع أول مرة عام 1925 . لكنه لم يكتمل بعد، فجاء الشيخ المحدث الهمام محمد نجيب المطيعي وشمَّر عن ساعد الجد واشتغل في الكتاب وفق المنهج العلمي الذي اختطه الإمام النووي .

 

يقول الإمام النووي في مقدمة كتابه " المجموع " مبينا بعض معالم منهجه في الكتاب: "وقد كنتُ جمعتُ هذا الشرح مبسوطاً جدا بحيث بلغ إلى آخر باب الحيض ثلاث مجلدات ضخمات، ثم رأيت أن الاستمرار على هذا المنهاج يؤدي إلى سآمة مُطالِعه، ويكون سببا لقلة الانتفاع به لكثرته، والعجز عن تحصيل نسخة منه، فتركت ذلك المنهاج. فأسلك الآن طريقة متوسطة إن شاء الله تعالى لا من المطولات، ولا من المختصرات المخلات، وأسلك فيه أيضا مقصودا صحيحا، وهو أن ما كان من الأبواب التي لا يعم الانتفاع بها لا أبسط الكلام فيها لقلة الانتفاع بها، وذلك ككتاب اللعان وعويص الفرائض، وشبه ذلك، لكن لا بد من ذكر مقاصدها".

 

وهنا لا بد من ذكر حادثة وقعت للشيخ محمد نجيب المطيعي أثناء عمله في إتمام الكتاب يقول: "شاءت إرادة الله أن يتولى الضعيف شرح الفرائض " أي المواريث " على النهج الذي أراده الإمام النووي، وقد رأيته في المنام مرارا مغتبطا…" أي راضيا مسرورا، وقد أكمل الشيخ محمد نجيب الكتاب حتى أكمله في ثمانية عشر جزءا. إنها بركة الإخلاص . وهنا رسالة لنا جميعا مؤداها: أخي لا تشغل بالك بالنتائج إنما يجب أن يملأ قلب سلامة القصد وصفاء النية وبذل غاية الوسع، وسترى الكرم والتوفيق الإلهي، وهاكم قصة تفسير الجلالين وهما: الإمام الفقيه الأصولى جلال الدين المحلي م791 864 ت الذي شرع في تفسير مُيَسر للقرآن العظيم فابتدأ من سورة الكهف إلى سورة الناس ولم يُقَدر الله له أن يكمله فاختاره إلى جواره الكريم، ولما كان صادق الوجهة هيأ الله من يكمل مشروعه فأكمله الإمام الموسوعي جلال الدين السيوطي 849 م 911ت، وتلك والله رسالة لكل عالم وداعية ومربي ومصلح أن يبذر الخير ويغرس فسائلَ الدعوة والعمل والعلم وستأتي سحائب الرحمة فتصيبها بأمر الله لتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .

 بين الوالد الإمام وولده

طرح التثريب في شرح التقريب، ألفه الإمام زين الدين العراقي 725 م، 806 ت ثم أكمله ابنه ولي الدين أبو زرعة العراقي 762 م  826ت، إنه العالم الإمام العابد الزاهد المتقن المتفنن والمكثر في التصانيف الذي أثنى عليه مشايخه ونقلوا عنه، ومنهم الإمام جمال الدين الإسنوى نقل عنه قائلا: "حافظ العصر" وتعليقا على هذه العبارة قال الإمام السخاوي: وهذا وأمثاله مما يُعد من مفاخر كل من الناقل والمنقول عنه، وكتابه طرح التثريب هو شرح متن " تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد " كتاب جليل الشأن عظيم المقام في أحاديث الأحكام. ولما وفاه الأجل أكمله من بعده ولده العلامة ولي الدين أبو زرعه العراقي، وقد نشرتْ دار إحياء التراث بيروت الكتاب وفي مقدمته ترجمة وافية عن الإمامين الجليلين .

 

الطريف في الكتاب أن الوالد العلامة حينما شرع في كتابة المتن كتبه من أجل ولده فقال في المقدمة (فقد أردت أن أجمع لابني أبي زُرعة مختصرا في أحاديث الأحكام يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام …إلخ) وقام بترجمة لولده ضمن تراجم الرجال، وهذا بديع. ثم جاء ولده ولى الدين فكتب كتابا عن والده الإمام، قلتُ: ما أجمل تلك العلاقة بين الوالد وولده، والجزاء من جنس العمل، وما لفت نظري أن الإمام زين الدين أكمل شرح الترمذي للإمام ابن سيد الناس، فقيض الله له من يكمل مشروعه لينعم في دار الخلود بالأجر الكامل ويُسعد الناس بمصنفاته وعلمه، وفضل الإمام علينا كبير حيث قدم خدمة جليلة للأمة حينما خرج أحاديث كتاب حجة الإسلام الغزالي إحياء علوم الدين، الكتاب العظيم الذي انتفع به ولا زال المسلمون غير أنه محشود بالأحاديث بالأحاديث الضعيفة والموضوعة فعمد الإمام زين الدين على تخريجها في كتاب سماه : (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار).

إمامنا الكبير ابن القيم الجوزية يعزم على تفسير سورة يوسف

عقد الإمام في آخر كتابه الشهير {الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي} فص لاحول عشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، ثم ذكر ثلاثة عشر وجها كانت من أقوى دواعي استجابة يوسف عليه السلام لامرأة العزيز ومع ذلك صبر وتعفف، ثم ختم الفصل بقوله: وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة، لعلنا إنْ وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل " ألف فائدة!! قلت إنه ابن القيم لو فعلها لأتى بما يذهل العقول، وبحثت عن مصنف له يحمل الفوائد الألف كما أعلن غير أنني لم أظفر بذلك، ثم أخبرني أحد الأحباب أن هناك مجموعة باحثين لمَّا وقفوا على أمنيته تلك عكفوا على تأليف كتاب جمعوا فيه أكثر من ألف فائدة وسموه ب " إتحاف الإلف بذكر الفوائد والنيف من سورة يوسف " بذلوا جهدا مشكورا غير أنهم لم يقتربوا من نَفَس ابن القيم ودقته العلمية وتحقيقه وروحه فيمن ينقل عنهم وإنصافه.

بناء المساجد وأثر الإخلاص فيها

ولكل مسجد بُني في الأرض قصة في بنائه تُجلي لنا معية الله وتوفيقه لمن قام صادقا لتأسيس بيت من بيوت الله وقد مرت بنا مواقف كثيرة في بناء المساجد وعمارتها وكيف تأثرت تلك المساجد بروح وصدق مؤسسيها، وقد أشرتُ إلى ذلك سابقا في مقالة بعنوان: "كيف تتأثر الأماكن بالمشاعر" ولكنني أذكر هنا نموذجا لم أذكره من قبل: وهو أثر الداعية الكبير الجليل الرباني المهندس الدكتور علي المحجري – رحمه الله تعالى- أحد كبار مؤسسي العمل الإسلامي لمسلمي أوروبا، ومؤسس المركز الإسلامي بمدينة نورنبرج، من يزور المركز يجد مشاعر الحب تتدفق من جدران المكان، والسبب في ذلك هو هذا الرجل العظيم الذي كان محل إجلال وحب وتقدير وهيبة المسلمين وغير المسلمين، إذا وُجد الإخلاص جاءت معه البركة والمحبة وائتلاف القلوب، تلكم هي القاعدة .

قصة مسجد الشيخ مبروك

كنت شاهدا عليها، إنها قصة مسجد الشيخ مبروك  – رحمه الله تعالى، في عام 2005 تقريبا كنت في عطلة بمصر، وزرت الشيخ مبروك رحمه الله وكان محفظا للقرآن الكريم، لم يكن يملك من الدنيا غير بيته وقطعة أرض أمامه، قال لي أثناء زيارتي له: يا بني لقد رأيت في المنام أن أمام بيتي مسجدا، وقد عزمت على أن أتبرع بقطعة الأرض تلك لله ليبنى عليها مسجدا، فكيف السبيل؟ وظل الرجل الصالح يبحث على من يساعده، ورواده بعضهم على بيع الأرض على أن يربح فيها أموالا كثيرة هو بحاجة إليها بطبيعة الحال غير أنه كان يكرر: لقد بعتها لله . هنيئا له، لقد جدد أخلاق الصحابة الكرام، ولما عدت لألمانيا وبعد صلاة العشاء بالمركز الإسلامي اصطحبني أحد الأحباب الكرام إلى بيتي وبينما نحن في الطريق نتحدث فاجأني قائلا: لقد كنت أبنى مسجدا في مصر ولكن توقف البناء لظروف، فهل تعرف مكانا يحتاج لمسجد وأنا أساعد، قلت ساعتها: يا ألطاف الله، لقد عدتُ للتو من مصر وها هو رجل تبرع بما عنده ويريد من يعينه فقال لي: إذاً يكون لي نصيب، وبالفعل قام بعدها مدير أعماله بالتواصل مع القائمين على المشروع وكان له مساهمة كبيرة في بنائه، لقد كنتُ أرى الأطفال الصغار في مرحلة بناء المسجد يتبرعون لبنائه من مصروفهم القليل وهم في طريقهم إلى مدارسهم، إنها بركة الصدق والإخلاص لله رب العالمين، وفي الشرق والغرب يحتفظ كثير من القراء الكرام في ذاكرتهم بقصص مشابهة تؤكد على آثار الإخلاص في تيسير الأمور وفتح مغاليق القلوب والبركة في الأعمال والمشروعات.

قصائد عرفتْ طريقها إلى قلوب الناس

قصائد عديدة جابت الآفاق وكتب الله لها القبول، وغدت أنشودة الكبار والصغار، أذكر منها: قصيدة أبي الفتح البستي المشهورة " بعيون الحكم: أو " نونية البستي" وقد عني بها كثير من الأدباء والعلماء قديما وحديثا، ومن التحقيقات والشروح الماتعة لها تحقيق العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، وكذلك قصيدة " لامية ابن الوردي " وهي قصيدة زاخرة بالحكم والمواعظ في الأخلاق وتهذيب النفس والتعامل مع الناس على مختلف مستوياتهم. وقصيدة " البردة " للإمام البوصيري، وفي عصرنا انتشرت قصائد وأناشيد وكتب الله له القبول الواسع رغم ضعف التقنيات، لكن القلب الذي نقش فيه معانيها ألقى بنورها على حروفها فاستوطنت قلوب الناس.

 

وربنا الفتاح العليم، ما إنْ ينظر إلى قلوب عباده فيجد فيها همة وعزما ورغبة صادقة في خدمه دينه وعباده إلا فتح لها من خزائن رحمته وكرمه وفضله، فإلى كل عالم وداعية، لكل معلمة ومعلمة، لكل أم وأب، لكل من ينشد الإصلاح، علينا أن نصدق الله في قصدنا، نفتش في زوايا قلوبنا، نجرد أعمالنا لله للواحد، ونجدد نيتنا دوما. ابذل جهدك وكن مباركا أينما كنت، ولا تحقر من العمل شيئا فلا تدري لعل الله يبارك فيه، ويكون مما ينفع الناس ويمكث في الأرض .

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة