البعد الأخلاقي في تاريخ الرواية التوراتية

هل يصح أن يكون عذاب أي قوم -وفي محاولة لتخفيف هذا العذاب أو محوه- سببا كافيا لإنزال عذاب جديد مماثل بشعب بريء؟ وهل ادعاء المظلومية التاريخية يكون سندا لظلم جديد ينال من الأرض والبشر؟

(1)

إجابة هذا السؤال تستدعي العودة إلى التاريخ الطويل لمنطقة فلسطين، المليء بالأحداث الكبيرة بحجم هذا التساؤل، نسبر أعماقه، ونقرأ تفاصيله بما تقدمه طرائق البحث العلمي الحديث، الذي غربل رمال المنطقة حبة حبة، للبحث عن ماهية تاريخ تتوزعه دوائر الشك واليقين والتزوير، والذي يمارس سلطاته على الأقصى وساكنيه، منذ القبائل الرحل، وصولا إلى جيلنا الحاضر، الذي يجاهد للتمييز بين من يؤمن بالقضية الفلسطينية، ويحاول انتشالها من بقايا صفقات على موائد مستديرة وكؤوس دوارة، وبين من يعبّد طريق الدم للتطبيع.

 

وعندما نعود إلى تاريخ المنْطقة، سنجد أن هناك ثلاث دوائر أساسية شكلت روافد هذا التاريخ: هي الدراسات القرآنية، وكتب التاريخ، وقبل ذلك الرواية التوراتية، وظلت التوراة المصدر الأساسيّ لتاريخ المنطقة منذ بدء تحريرها في القرن الخامس قبل الميلاد، ولم يستطع كثير من المؤرخين شرقا وغربا خلع عباءة هذه الرواية عن تاريخ المنطقة، ولم يكن –أيضا- مسموحا أبدا بأن يطرح تساؤل عن أصلها أو حقيقة ما جاء فيها، لأنك ببساطة تعرض نفسك لعداء السامية وغضب أبناء الرب، وتوارث الجميع ارتداء هذه العباءة، لأن الخياط الذي حاكها كان ماهرا في تسويقها وفرضها –عبر الزمن- ولو بالقوة.

 

(2)

وإذا كان هذا التاريخ مدفوعا بمعتقدات دينية، تغذيها الادعاءات التوراتية، ويقوم على تنفيذها على أرض الواقع مخطط سياسي ذو أطماع استعمارية توسعية، وشديد العدوانية؛ يصبح لدينا مثلث معقد يستعصي على الحل وتفكيك زواياه، لقد تحولت الرواية التوراتية مع مرور الوقت إلى أداة قمع تفرض رؤيتها وروايتها على الحدث التاريخي، منذ "التاريخ السحيق وحتى الحاضر المسحوق"، وأصبحت هذه الأداة حربة في يد سلطات تتحرك لتحقيق أهداف سياسية انتهازية، وتساندها قوى عالمية، رسمت –وما زالت- حدودا للأرض العربية والإنسان عليها، في ظرف تاريخي استثنائي انكسر فيه عمود خيمة منطقتنا وأمتنا، ولا يعترف هذا المخطط بأي اعتبارات إنسانية؛ ولا يرى غير الذات اليهودية في عنصرية لم يشهدها التاريخ الإنساني كله.

 

وما تخبرنا به الرواية التوراتية من أحداث تاريخية، وإنجازات ملحمية، وتطهير للمدن والقرى من ساكنيها ونهب خيراتهم، هي من وجهة نظر القانون الدولي وحقوق الإنسان -التي يتشدق بها الغرب ليل نهار- جرائم حرب وفظائع ضد الإنسانية، ففي سفر الخروج –مثلا- هناك رابطة عضوية عند الحديث عن قصة الخروج على أن يهوه (الإله) يقود شعبه إلى أرض تفيض لبنا وعسلا. ولا يتوقف الحديث هنا؛ بل تستمر المأساة.. "فإن ملاكي يسير أمامك ويجيء بك إلى الأموريين والحثيين والفرزيين والكنعانيين والحويين واليبوسيين فأبيدهم". (سفر الخروج، الإصحاح 23، الآية 23) فالأرض التي دخلها بنو إسرائيل لم تكن فارغة من السكان المحليين، الذين أبيدوا وقتّلوا باسم الرب، بل كان يسكنها شعوب عديدة، وأبيدت عن آخرها كما قال النص التوراتي. وعندما رفض ملك حشبون مرور بني إسرائيل في أراضيه، دفعه الرب إلى يد الإسرائيليين، الذين استولوا على مدنه ودمروها كاملة، وقتلوا الرجال والنساء والأطفال، ولم يتركوا أحدا فيها، ونهبوا الدور وغنموا ممتلكاتهم؛ لأن الرب سمح لإسرائيل بإبادة هذه الشعوب. (سفر التثنية، الإصحاح 2، الآيات 25- 34).

 

إن ما يصدم في هذه المقاطع –وغيرها- هو أن النص لا يقدم لنا مفهوم التطهير العرقي كأمر مشروع ومبرر فحسب، بل كمطلب من مطالب الإله، الذي لا تستقيم عبوديته إلا بقتل سكان الأرض، ونهب أموالهم، وتدمير مدنهم، وهي الفكرة المركزية نفسها التي تستند إليها دولة الاحتلال الآن في إقامة المستوطنات بعد طرد السكان الفلسطينيين وتدمير قراهم بالكامل. وربما يتغافل البعض عن كل ذلك ويقول: كيف نحاكم حدثا تاريخيا بمعايير العصر الحالي وقوانينه؟ في الواقع هذا كلام يهدف فقط إلى غض الطرف عن هذه الجرائم، وعدم المطالبة بحقوقنا في الأرض والمقدسات والتاريخ، وإلا كيف نفسر أن مظلومية "مزعومة" وقعت قديما لليهود وما زال العالم كله يدفع ثمنها حتى اليوم، ويدفعها الشعب الفلسطيني –خاصة- من أرضه ودمه وتاريخه وإرثه الحضاري.

 

(3)

لكن، مع بداية القرن العشرين، ظهرت مناهج بحث مغايرة، تزامنت مع حملات للتنقيب في المنْطقة، واستقراء النقوش واللقى الأثرية التي جادت بها الحضارات القديمة، ومن ثم ظهرت أصوات على استحياء تنظر للتاريخ الموجود في التوراة بعيون وعقول مختلفة، وتشكلت قناعة جديدة بدأت تأخذ مكانا في الدرس العلمي الحديث، وتُقصي الرواية التوراتية شيئا فشيئا عن سيطرتها، ومن هؤلاء مثلا مايكل برير، وهو أستاذ متخصص في دراسة اللاهوت، ومن السباقين إلى دراسة التفسير الأخلاقي في الكتاب المقدس، وأثر العوامل السياسية التي مر بها اليهود في تفسير التوراة، وكذلك المؤرخ العربي جمال حمدان الذي يقول إن الظاهرة اليهودية يجب أن تخرج من سجن الدراسات التوراتية إلى فضاء العلم العام؛ لأن اليهود جزء من التشكيلات الحضارية والجغرافية التي نشأوا فيها.

 

وهناك بحث جريء لعالم اسمه توماس تومبسون، طرح فيه سؤالا قويا عن فرضية كتابة تاريخ جديد لأورشليم وفلسطين، بعيدا وبمعزل عن الرؤية التوراتية واعتبارها تاريخا لهذه المنطقة، وهناك دراسات أخرى كثيرة ترى ضرورة كتابة تاريخ المنطقة بمعزل عن الروايات التوراتية، التي صيغت لأهداف دينية عقدية، لا علاقة لها بالوصف التاريخي الواقعي، الذي يمكن أن نكشف منه الأحداث الحقيقية في هذه الحقبة المهمة من عمر الزمن، كما أن تأثير هذه الروايات يجعلنا مكبلي الفكر والبحث، مع الاستسلام إليها بوصفها جزءا من النص المقدس الذي لا يمكن الخروج عليه، وهي في الحقيقة تقدم نصا أدبيا حافلا بالمواعظ والأمثال والعبر.