عن ثورة الشام.. إن الكرام بحفظ العهد تمتحنُ

لم تنته الحكاية، غداً تطير العصافير..

برد اليقين وثبات الجبال، زادُ الرحال، في معركة التسع أعوام، جمرُ الإيمان، ونارُ الإقدام، ودرب شائك وأقدام عارية إلا من شظايا الواقع الأليم، والقوافل تمضي، مضي الحجاج المشتاقين، تهفو أنفسهم للقيا نصر عظيم، وفي سبيل ذلك الشوق، هانت النفوس وطارت العصافير وحلقت الأرواح فوق كل مرتحل، ونادت لبيك اللهم لبيك، كل الدماء إليك.

 

كل الدماء تنادي بالثبات، كل الآهات تعانق البسمات كل الشهداء يرصون الصفوف ويعلنون البقاء، كل الحكايات تنتهي، إلا حكاية ثورة الشام، ثورة الأحلام والآمال، ثورة الحق والحقيقة، ثورة العدل والإنصاف، مازالت جذوة الأمل متقدة، حباً وكرامة، نمضي، بإيمان العجائز أن نصر الله آت، وأن الثأر لا يسقط بالتقادم وأن الثورة حق وأن الدم عهد وأن المبدأ وعد لا يجوز نقضه، الغرس لم يذبل، والشجرة تنمو، والفيء بلغ ذواتنا، والصهيل لم يخفت بل بقي يهتف بنا أن المعركة مستمرة وأن عزف البنادق لن يهدأ، فالثورة لن تنطفئ.

 لن تموت كلماتنا في مقصلة الذكريات ولن يسقط الثأر بالتقادم ولن نرتضي أنصافَ الحلول ولن نتصالح مع الرماديّين أبدًا

كما أبدعت الشاعرة صفية الدغيم حين قالت:

لا تطفئوها لها من ثأرِنا حَطبُ

لن تَعدمَ النارُ ما يُذكى بهِ الّلهبُ

هذي قيامَتهم واليومَ موعدنا

والحربُ محكمةٌ والحاكمُ الغضبُ

لاتطفئوها فعينُ الله تحرسُها

ومن يخاتِلُ عيناً مالها حُجُبُ؟؟

 

الثورة لم تعد مرحلة غضب شعبي، ولافتات عابرة، الثورة نضجت وكبرت حتى أصبحت جزء من حياة كل فرد يعيش في المناطق المحررة، هذا إن لم تكن الحياة بأسرها، عشرة أعوام جعلت منها مستودع الذكريات، عبق الشهيد، وشوق الأسير، ودعاء الأم وحنين الزوجة وفقد الأخ، كل المشاعر تتماهى أمام أمنا، التي جمعت كل الأطياف والمتناقضات والأحداث والايديولوجيات وعَبدت دربها بالأشواك وقالت لنا سيروا عرجا ومكاسير،  الوعي الثوري بأهمية الخيارات التي نمتلكها والنضج المعرفي من لوازم معركتنا الفاصلة، كما أنه من ضروريات المرحلة ضبط غمار العمل الثوري فلا بد أن يُسلَّم لقيادات خبيرة في الفضاء السياسي والدولي والعسكري وكافة المجالات المدركة لحقيقة أن الثورة ليست غاية فنذلل لها المبادئ، إنما مرحلة انتقالية (لما بعدها) هادفة ملتزمة للوصول للهدف المراد، فالثورة وسيلة وإن طالت والنصر غاية وإن بعد.

 

لم تنته الحكاية، غدا تطير العصافير..

من قال أن " فصاحة الغايات ؟، لا تعني ارتباكاً في الخطى، نحن المسافات نهب التردد والتعثر والخطأ" سائرون عاثري الأقدام، دامعي الأعين، مغبّري الكفّ، نخطو في الأرض، وقلوبنا تحلق في السّماء، نعبر فنعثر، ونكبُو فنقُوم حتّى نبلغ أو نهلك دون ذلك، شعث مغبرون بلغنا من الثورة عتيا، لم تلد الأعوام إلا أملاً ولم تنجب الأيام إلا احرارا، إدمان المحاولة فما العيشُ إلّا أن نحاوِل. والتشبُّث بما يمكن التشبّث بهِ وملاحقةِ ظلالِ الأملِ وحبال اليقين ونْشِيدنا حتى نفنى: "نحاول مجدًا أو نموت فنُعْذَرَا"، لن تموت كلماتنا في مقصلة الذكريات ولن يسقط الثأر بالتقادم ولن نرتضي أنصافَ الحلول ولن نتصالح مع الرماديّين أبدًا.، الصدر أو القبر.. "فإمّا حياة تسر الصديق، وإما ممات يغيظ العدا "" ابداً سنختار ذلك الممات ونفاخر به، برباطة جأش وفروسية بالغة نعلن عن خساراتنا الفادحة لأن الجرح الذي نغطيه شداً بالضماد يوجع أكثر، مؤمنون أن المسير آية الوصول وأن لأواء الطريق أمارة السمو وأن السقوط روح التجاوز، وأن اليقين سبيل المعجزات، وأن لا ثورة بلا هزائم، وأن لا معركة بلا أخطاء وأن لا نصر بلا شهداء.

 

لم تنته الحكاية، غداً تطير العصافير، ‎ إن الكرام بحفظ العهد تمتحن…



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة