العلامة السيد أحمد صقر أعظم مثال للقدرة التي فاقت التقدير

يجمع الاساتذة المعاصرون الذين يتصل عملهم بالتراث على أن الأستاذ السيد أحمد صقر (1915 ـ 1989) كان أعظم مثال صادفوه للعلماء المحققين الذين اهتموا بالقدرة ولم يهتموا بالتقدير، ومع هذا فان هذا العلم الشامخ مع مضي الزمن لم يعدم التقدير والتبجيل والتتويج أيضا.

 

كان الأستاذ السيد أحمد صقر صاحب شخصية قوية جعلته يحتفظ لنفسه بمكانة سامقة، من دون أن يضطر نفسه إلى قبول المناصب والعضويات والتحزبات، وقد نجح في هذا الخلق نجاحًا منقطع النظير، كنت قد عرفت هذا العالم الجليل مبكرا من أعماله، وحين كنت أعد دراستي وكتابي عن مجلة الثقافة اتصلت به لأستكمل كتابة نبذة عنه في تلك الدراسة فبهرني بثقته بنفسه وقدرته على التعريف بها في أنفة وكبرياء، ومع هذا فإني لم أسلم له وسألته بما هو معهود من الاستفزاز في مثل حالته فأجابني بثقة أكبر، اسمه بالكامل السيد أحمد أحمد محمد صقر، واسمه مركب: السيد أحمد، وهو تركيب غير شائع، كما أنه اسم مُلبس مع ما شاع في عهد ١٩٥٢من ذكر كلمة السيد بطريقة روتينية مع الأسماء، وهو أيضا مُلبس مع ما هو معروف من وجود لقب السيد في أسماء من ينتسبون إلى الدوحة الشريفة للنبي محمدﷺ .

نشأته وتكوينه

ولد الأستاذ السيد أحمد صقر في 4 يناير 1915 في قرية صفط تراب من مركز المحلة الكبرى محافظة الغربية، وكان من أسرة كريمة وبيت علم، وقد كان والده الشيخ أحمد محمد صقر من علماء الأزهر الكبار، وكان أستاذا بكلية أصول الدين، وقد حرص على أن يوجه ابنه إلى العلم الذي أحبه منذ الصغر، وقد أشرف على تعليمه وتهذيبه وإعداده للدراسة الأزهرية، وتأهيله ليكون عالمًا كبيرًا وقد استجاب الفتى لرغبة والده، وكان منذ مرحلة مبكرة في حياته وطيلة هذه الحياة عند حسن الظن به.

 

أتم الأستاذ السيد أحمد صقر حفظ القرآن في سن مبكرة، ودرس في معاهد الأزهر الابتدائية والثانوية، والتحق بكلية اللغة العربية وتخرج فيها (1944)، وعين مدرسًا بمعهد القاهرة الديني، وقد ظل يعمل في هذا المعهد حتى الستينيات، وفي فصوله وقاعاته أخذ عنه العلمَ كثيرٌ من أساتذة الأزهر ودار العلوم المبرزين في الجيل الثاني، وقد كان هذا المعهد في ذلك العهد بمثابة مؤسسة تعليمية بارزة جدًّا فهو أهم وأكبر منبع لمن سيستكملون كادرهم العلمي في كليات الجامعة الازهرية وفي دار العلوم على حد سواء.

 

وظائفه

ظل الأستاذ السيد أحمد صقر يمارس نشاطه العلمي في التحقيق طيلة عمله بالتدريس، وعمل في الكويت في نهاية الخمسينيات، ثم آثر أن ينتقل إلى العمل في قسم التراث بالمؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطبع والنشر (التي تحولت فيما بعد إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب). ثم عاد إلى الأزهر؛ حيث عين أمينًا عامًا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. ثم آثر العمل خارج مصر مرة أخرى حيث اختير أستاذًا بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة حتى وفاته.

قدراته على الاختيار والتحقيق

عرف الأستاذ السيد أحمد صقر بتفوقه في تحقيق المخطوطات الإسلامية العربية، وكان دؤوبا على تقديم كنوز التراث الإسلامي الذي أسدل على ه من الإهمال ما أضاع معالمه وما عرضه للعبث بأيدي الجاهلين، وأيدي النابهين من الأجانب المغامرين، وقد شهد له العلماء والمحققون بعلو قدره في تحقيق النصوص وإخراجها، وقد كان من القلائل الذين يحسنون قراءة المخطوطة العسيرة، وكان يبذل في ذلك جهدًا كبيرًا، ويتحمل الكثير من المشاق في سبيل أداء رسالته السامية التي أخلص لها ووهبها عمره.

تميزه في التحليل والتأوي

كان الأستاذ السيد صقر من طراز العلماء القادرين على الفهم والتحليل والتأويل، وقد مكنته هذه القدرات من أن يتميز منهجه في تحقيق النصوص وأن ترتفع قيمة جهوده في هذا المجال، وقد ظهر تفوقه فيما كان يعلق به من هوامش وحواش وشروح، كما أنه كان يقدم لكل كتاب يحققه ببحث مستقل يصلح أن يكون كتابا بذاته، ومن هذه المقدمات مقدمته الشهيرة لكتاب «إعجاز القرآن» للباقلاني، وتعتبر هذه المقدمة بمثابة صورة معبرة عن منهج الأستاذ السيد أحمد صقر في تحقيق الكتب والمخطوطات ووسائله العديدة في إتقان التحقيق والوصول إلى نتائج علمية من خلاله.

 

وقد وصف الدكتور عادل سليمان جمال منهجه في التحقيق فقال: «.. وعلم الأستاذ صقر لا تقتصر مظاهره على ضبط النص، وحسن قراءته، وصواب مأتاه، بل هو أرحب من ذلك آفاقا، وأبعد غورا، وأشمل نفاذا، فلا يدع الكتاب الذي يحققه ولا مؤلفه إلا وقد استوفى القول فيه وفي صاحبه. كما يعطي الكتاب حقه من إقامة النص، وتخريج الشعر، وحواش ضافية، يوفي المؤلف حقه إما له وإما على ه، يوازن بين ما قيل عن ذلك وما قاله المؤلف نفسه في كتابه موازنة دقيقة، قوامها العدل الخالص من شوائب الهوى، والإنصاف الباسل الذي لا يبالي على من وجبت الحجة، وحقت كلمة الخطأ الصراح، أو الحق المبين».

أشهر الاعمال التي حققها

بدأ الأستاذ السيد أحمد صقر اشتغاله بتحقيق التراث منذ صدر شبابه حين أخرج ديوان علقمة الفحل (1935)، وكان لا يزال طالبًا في المرحلة الثانوية، ثم كانت له إسهاماته الصحفية التي تعبر عن العلم الغزير والإحاطة الشاملة.

 

ومن أهم الأعمال التي حققها:

– «مَقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني (1949).

– «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة (1953).

– «إعجاز القرآن» للباقلاني (1954).

– «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (1961).

– «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (1969).

– «دلائل النبوة» للبيهقي (1969).

– «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» للقاضي عياض (1969).

– «أسباب نزول القرآن» للواحدي (1969).

– «مناقب الشافعي» للبيهقي (1970).

– «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني.

– «دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة» للبيهقي (1970).

– «الصاحبي في اللغة» لابن فارس (1977).

– «هدي الساري وفتح الباري بشرح صحيح البخاري» (1973).

– «تفسير غريب القرآن» لابن قتيبة.

الأعمال التي حققها مع غيره

وقد اشترك الأستاذ السيد أحمد صقر مع العميد الأستاذ أحمد أمين في تحقيق «الهوامل والشوامل» (لأبي حيان التوحيدي (1953)، و«البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (1954)، وقد ذكر الدكتور محمود الطناحي رأيه القائل بأن اسم أحمد أمين وضع على غلاف هذين الكتابين ولم يكن له شأن كبير بتحقيق نصوصهما.

كما اشترك الأستاذ السيد أحمد صقر مع الدكتور محمد الأحمدي أبو النور في تحقيق «شرح السنّة» للبغوي (1976).

مقالاته ومشروعاته

وبالإضافة إلى الكتب التي حققها، فقد كانت للأستاذ السيد أحمد صقر كثير من المقالات والدراسات المنشورة في كثير من المجلات الثقافية: «الرسالة» و«الثقافة» و«المجلة»، ويروي الدكتور محمود الطناحي وغيره أنه كان قد أعد نصوصا كثيرة للنشر تعب في تحصيل نسخها وتحقيقها، لكنه أراد أن يتمهل في إخراجها للناس ويعطيها حظها من الإتقان، لكن القدر لم يمهله منها:

– «المصنف» لابن أبي شيبة.

– «أمثال الحديث» لأبي محمد الرامهرمزي،.

– «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» لأبي محمد الرامهرمزي.

– «الضعفاء» للعقيلي.

– «أعلام السنن» للخطابي.

– «المصطفى المختار في الأدعية والأذكار» لابن الأثير.

– «المجروحين من المحدثين» للخطيب البغدادي.

– «الجليس والأنيس» للمعاني النهرواني.

تكريمه

كان الأستاذ السيد أحمد صقر قد أثبت قدرته ومكانته العلمية مبكرًا؛ حيث حصل في شبابه على جائزة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، عن تحقيقه لكتاب «إعجاز القرآن» للباقلاني. لكنه على وجه العموم لم يلق التقدير الرسمي الذي يستحقه في حياته، وإن كانت أستاذيته قد فرضت نفسها على الجميع، وقد أقامت دار الكتب المصرية في إطار احتفالها بشوامخ المجمعيين ندوة لتكريمه في 13 أبريل 2003. وفيها قدم الأستاذان الدكتوران عبد الحميد مدكور، وعادل سليمان جمال بحثين رائدين في تكريم ذكرى ذلك الأستاذ العظيم . كذلك فقد اختصه الدكتور محمود الطناحي بحديث منصف في كتابه «مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي».

وفاته

توفي الأستاذ السيد أحمد صقر في 2 ديسمبر سنة 1989.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة