logo

جولة ممتدة مع خطابات دينية وكنسية

تبدأ جولتنا من مدينة منزوية في الجنوب الفرنسي إلى أن تنتهي محطّاتُها في دار بيضاء تقع في شارع بنسلفانيا الكائن في واشنطن العاصمة. تتعاقب محطّات الجولة على خطابات وتعبيرات ومواقف شتّى تتذرّع بالسماء أو توحي بالتأليه السياسي أو احتكار الحديث باسم الربّ، دون أن يقضي هذا بإنكار خطابات الرشد أو نفي أصوات الحكمة في عالمنا على تعدّد مشاربه الدينية والثقافية.

 

قد تكشف هذه الجولة عن بعض طقوس التحريض ومواعظ الكراهية والتوظيف السياسي، وقد تفتح القلوب والعقول على ما يُناقضها أيضاً في عالم واسع وممتدّ، فليس من شأن هذا المقال أن يستدرج قارئيه إلى فخّ التعميم الشامل، وإنْ أعان على إمعان النظر في حالات مخصوصة لا ينبغي التهوين منها أو استلهام العبر منها. من المهمّ التذكير بأنّ بعض التحريض والكراهية إذ يتذرّعان بالسماء؛ فإنّ بعضهما الآخر متّصل بالأرض حتماً وبمذاهبها ومشاربها، بخلاف الانطباع الزائف الذي يحاول بعضهم تشكيله بربط التطرّف والمروق والعدوان بالأديان دون سواها.

محطة أولى: تحريض في ثياب الرهبنة

يقف في كنيسته لإلقاء خطبة أو أداء موعظة، فتنضح كلماتُه بالأحقاد وتتشبّع بالكراهية وتفيض بالتحريض. يحدث هذا في عالمنا من منابر شتى دينية وعلمانية متعددة الألوان والمشارب، دون أن يغيب دعاة الحكمة وملتزمو المبادئ على أي حال وإن جاءت أصواتهم خافتة نسبياً، برز أحدهم يوماً في كنيسة فرنسية، تقع في مدينة تولون المطلّة على البحر المتوسط، الذي تشابكت بين شواطئه الحضارات وتلاقحت الثقافات وتصارعت الأمم. وقف واعظٌ مُسِنّ في تلك الكنيسة ليتجرّد من معاطف الوقار بموعظة مزعومة تأجّجت فيها كراهية لا تليق بصفة الرهبنة أو المنصب الديني، تداول الجمهور تسريباً مرئياً لخطبة البغضاء تلك، وتوهّم بعضهم أنه بابا الفاتيكان عيْنه، لكنه في الحقيقة راهب يسوعي بارز يسمّى الأب هنري بولاد.

 

 

تعود "موعظة" الراهب الطاعن في السنّ إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وبعض هذه الخطبة التحريضية موثّق في تسجيل مرئي تسرّب مقتطف منها من بعد إلى الشبكات مع ترجمة نصِّية عربية. تضمّنت الفحوى المشهودة تحريضاً سافراً ضد المسلمين وتحذيراً من "اجتياح إسلامي" لأوروبا، في سياق لا يبتعد عن الجدل الساخن في أوروبا بشأن تدفّقات الهجرة واللجوء نحو قارّة تتحصّن بأسوارها العالية مِن الذين يغرقون كلّ يوم قرب سواحلها.

 

لهذه الخطبة التحريضية التي ربّما ظنّ صاحبها أنها لن تتسرّب خارج الكنيسة؛ خلفيات جديرة بالانتباه، فالراهب ليس فرنسياً تماماً كما قد يُحسَب. فهنري بولاد، وقد يسمى بالفرنسية أوري بولا Henri Boulad ، مولود سنة 1931 في الإسكندرية تحديداً لأب من أصول سورية. عاش هنري شبابه متنقلاً للتحصيل الدراسي والكنسي بين لبنان وفرنسا ثم الولايات المتحدة، وكانت له محطات عدّة في مصر خلال مسيرته المديدة. عاد هنري بولاد إلى مصر في مراحل لاحقاً وتقلّد مواقع متقدِّمة في المؤسسات اليسوعية فيها، ومنها عمادة "مدرسة العائلة المقدسة" Collège de la Sainte Famille في القاهرة التي أقيمت في الأساس لتكون كلية لتأهيل الرهبان اليسوعيين في القرن التاسع عشر. تقلّد بولاد مواقع متقدِّمة؛ منها مدير مركز اليسوعيين الثقافي بالإسكندرية، ومدير هيئة كاريتاس- مصر (كاريتاس كبرى المنظمات الخيرية الكاثوليكية في العالم)، وحاز وفرة من الأوسمة والنياشين منها "وسام رجل العام للعمل فى الخدمة الاجتماعية" بمصر سنة 2001، و"وسام القائد" من فرنسا، و"وسام الأرز" من لبنان، و"صليب أورشليم"، وكرّمه بابا الأقباط تواضروس الثاني.

 

جدير بالملاحظة أنّ "الأب بولاد" من الطائفة الملكانية، التي تتبع الطقس البيزنطي، وأتباعها من الكاثوليك والروم الأرذوكس، وتُسمّى بالفرنسية Melchite أو Melkite. ويُعرَف رجل الدِّين هذا في منصّات عربية باسم "الأب هنري بولاد اليسوعي"، ويُقدّم أحياناً كفيلسوف ومفكِّر رغم أنه يحاول إعادة تقديم أراء فلاسفة معروفين، مثل سارتر، في قالب ديني مُلفّق ومثير للجدل في الأوساط الكنسية ذاتها.

 

ألّف هنري بولاد عشرات الكتب والكتيِّبات صدر بعضها بالعربية، ونادى بما يسمِّيه "التجديد" في الكنيسة الكاثوليكية، ووجّه خطاباً بهذا الخصوص لبابا الفاتيكان السابق بيندكتوس السادس عشر، لكنّ سيرته حملت تناقضات جسيمة. اشتغل بولاد في القطاع الخيري ونادى بالإنعاش الروحي، بينما تبنّى خطاباً – مستتراً بعض الشيء – شديد التحامل ضد الإسلام والمسلمين كما اتّضح في التسريب المصوّر من الكنيسة في تولون سنة 2017. وإنّ المرء ليعجب من صدور خطابات متشنِّجة عن رجل تسعينيّ طاف العالم وتقلّب في مواقع العمل الإنساني والرهبنة والتأهيل الديني وحظي بالأوسمة التقديرية من دول عدّة.

 

لكنّ الحبكة تكتسب قيمة مخصوصة من خلال ادِّعاء المعرفة الوثيقة والاطلاع المباشر، على منوال تقاليد بعض الرحّالة والمستشرقين الذي غذّوا سوء الفهم بين الثقافات بدعوى أنهم بَصُروا لم تَبْصُر به أقوامُهم. فبولاد بدا في ذلك المقطع المرئيّ الذي قد لا يكون أطلالته التحريضية الوحيدة؛ من أولئك الذين يباشِرون إذكاء سوء الفهم وتأجيج الأحقاد وإشاعة الضغائن من خلال تقديم أنفسهم بصفة العارفين الموثوقين بالإسلام والمسلمين، وهذه توطئة تقليدية يتبعها بعض المحرِّضين ومشعلي الحرائق الثقافية عندما يزعم أحدهم: أعرفهم جيداً، عشت بينهم .. إلخ.

 

 

لكنّ هنري بولاد اعتاد التعبير في الفضاء العام – بخلاف ذلك التسريب المرئي – عن مواقفه بخطاب التفافيّ غير مباشر، ولهذا يبدو مقطع الكنيسة الفرنسية صادماً في تعبيراته الفجّة ومفاجئاً في غلوِّه السافر قياساً بإطلالات أخرى متذاكية في هذه المسألة. نادى بولاد في ما سبق باستمرار "الحوار المسيحي – الإسلامي" لكن ليس بالطريقة التي كان يجري بها، وهي كناية عن موقف ناقد من هذا الحوار أساساً يراهن على تبديل وجهته واستعماله بصفة ترتدّ على المسلمين بشكل ما. كما أبدى اهتمامه بالانتفاضات الشعبية العربية التي اندلعت عام 2011 لكنه دعا أوروبا إلى الحذر من تعزيز القوى المحسوبة على التيّار الإسلامي، وهذا نهج دأب عليه مناهضو ثورات الحرية والكرامة في منصّات غربية.

 

مما يلفت الانتباه أنّ بولاد يعرض في هذا الشأن ما تبدو مقاربات تغييرية محسوبة على أساليب "حرب الأفكار" وحَرف الوجهة الثقافية في العالم الإسلامي، فهو يعوِّل مثلاً على دور الليبرالية والصوفية في إحداث تغيير في واقع المسلمين على الطريقة التي يأملها. ينسجم هذا مع تعبيره عن مواقف مناهضة للاتجاهات المحسوبة على التيّار الإسلامي، كما تجلى مثلا في كتابه الإسلامية/ الإسلاموية L’Islamisme الصادر بالفرنسية سنة 2004، فهذا "الأب اليسوعي" مسيّس في وجهته أو مُؤدلَج حتى النخاع وإنْ برز في ثياب الوعظ والرهبنة والوقار.

 

للقيادي الكنسي عيْنه وجوه شتى أو ألسُن متعدِّدة يَصعُب التوفيق بينها. فأعمال بولاد المنشورة بالعربية وكذلك إطلالاته الإعلامية، كالتي تبثّها محطة "سات 7" متعددة اللغات والمقربة من الكنائس والتي ترفع شعار "جعل محبة الله مرئية"، تتطرّق إلى جوانب روحية ولاهوتية وفلسفية مع طمس خطابه المتطرِّف و"مواعظه" التحريضية المارقة من مفهوم "محبة الله". أما المضامين اللاهوتية التي يأتي بها فإنّ بعضها يثير الذهول مثل ادِّعائه بأنّ "خلق الإنسان مغامرة" ربانية، والعياذ بالله.

 

يبدو مثيراً للاهتمام أن يتحدّث هنري بولاد، وهو بالأحرى من بلاد الشام ومصر أكثر من كونه فرنسياً، عن أوروبا أكثر من كثير من "الأوروبيين الأصليين". وقد نرى أنّ بعض ناقدي الإسلام القادمين من الشرق من طوائف عدّة، ومنهم محسوبون على المسلمين أيضاً، يحرصون على تأكيد إخلاصهم المزعوم لأوروبا بهذا الضرب من الغلوّ الذي يُعلن قطيعة ثقافية مع ما يُحسَبون عليه من انتماءات غير أوروبية.

 

عندما ظهر هنري بولاد لإلقاء "موعظته" في تولون، كان في السنة ذاتها (2017) على موعد مع تقليده الجنسية المجرية تقديراً له. خلف هذا التقدير الاستثنائي مديحٌ غامر كالَه بولاد للسياسات المجرية المنغلقة، ومن ذلك أنّه أشاد بدوْر بودابست بذريعة مساندة "الطوائف المسيحية حول العالم"، وهو الذي سبق أن حذّر ممّا سمّاها "خطة الإسلاميين لإفراغ الشرق من المسيحيين". لكنّها المجر التي احتفظت بدءاً من سنة 2015 بواحدة من أكثر السياسات الأوروبية انغلاقاً وصدّاً في وجه طالبي اللجوء عندما تمسّكت برفض استيعاب مَن تقطّعت السبل بهم على أراضيها التي تتوسط القارة الأوروبية، وكثير منهم مسلمون ومسلمات يحملون أطفالهم بين أذرعهم. إنها المجر التي واجهت ما يشبه عقوبات أوروبية عليها بسبب سياساتها المنغلقة ونمط الحكم السلطوي الذي يقوده فيكتور أوربان، وسُمِعت فيها خطابات مشبّعة بالحمّى القومية والإسلاموفوبيا من الوسط السياسي المتشنِّج.

 

وإذ نادى بولاد في مقطعه المرئي المسرّب بوضع "خطّة" ضدّ ما زعم أنه اجتياح إسلامي لأوروبا، فلعلّ أحدهم يطمئنه بأنّ صناعة الإسلاموفوبيا التي تتبعها خطوط تشغيل عبر أوروبا والعالم سبقته إلى هذه الدعوة بسنوات مديدة، وأنّ الأمور ظلّت تسير من قبل ومن بعد على ما يرجو وزيادة، حتى أنّ بعض الدول العربية صارت تجود بأموال سخية لتشغيل مؤسسات متخصّصة بالتحريض ضد مسلمي أوروبا ودينهم وضد "الاجتياح الإسلامي" المزعوم، وتحضّ على مراقبة المساجد الأوروبية والتضييق على المسلمين في حياتهم الدينية وخصوصياتهم الثقافية.

 

مدرسة العائلة المقدسة

 

من القسط الحذر من تعميم الحالات، فسماع التحريض من منابر مجتمعية أو دينية معيّنة لا ينبغي أن يعمي القلوب عن أصوات الحكمة والرُّشد، ومنها ما يصدر من منابر دينية أو مجتمعية شبيهة. لم تَغِب أصوات الانفتاح والتواصل والاحترام المتبادل حتى في فرنسا ذاتها، فإن ذهب الأب هنري بولاد بعيداً في تحريضه؛ فإنّ آخرين – وقد التقيتُ بعضهم مباشرة في بلدان أوروبية – من قبيل الأب الكاثوليكي الفرنسي ميشيل لولون، وهو في مثل سنِّ بولاد تقريباً، ظلّوا معبِّرين عن الوفاق والتفاهم والتقارب مع المسلمين، ولم يَغيبوا عن منصّاتهم ومنابرهم، علاوة على أنهم عارفون بالإسلام وببلاد المسلمين أيضاً. من أعمال لولون، مثلاً، كتاب "الكنيسة الكاثوليكية والإسلام" الذي يبحث في موقف الكنيسة والخطابات المتذرِّعة بالمسيحية في الغرب من الإسلام والمسلمين والعكس في الماضي والحاضر، ويكشف عن أواصر متبادلة في مجالات العقيدة والثقافة والسياسة والتبادل التجاري، والقصور الذي شاب هذه الأواصر المشبّعة بسوء الفهم.

محطة ثانية: التأسي الأرثوذكسي بالمسلمين

لا يغيب المسلمون عن خطابات كنسية، وقد يُضرَب بهم المثل أحياناً من حيث لا يحتسب المرء. يتجلّى هذا المنحى مع الواعظ المسكوبي الشهير ورجل الدين الأرثوذكسي الروسي ديمتري سمِرنوف (مهم عدم الخلط مع روس آخرين بالاسم ذاته في عالم الرياضة والموسيقى والسياسة).

 

اشتهر سمِرنوف بخُطَبه ومواقفه في موسكو حيث ينشط وفي عموم روسيا وخارجها أيضاً من خلال إطلالاته الشبكية، ويُعَدّ من المعبِّرين عن نهج محافظ صريح في الكنيسة الأرثوذكسية لا يوافقه عليه آخرون فيها، ويُطلق بين الحين والآخر تعبيرات مثيرة للجدل في الفضاء العام الروسي، خاصّة بسبب مناهضته الصارمة للإجهاض.

 

عبّر سمِرنوف في مواعظ كنسية وإطلالات إعلامية عن منحى تستعمله وجوه وعظية في الكنائس الأرثوذكسية، في روسيا وصربيا مثلاً، يعتمد على ضرب المثال بالمسلمين لاستلهام حرارة الإيمان والإخلاص الديني والقيَم المجتمعية الأسرية والمعاني التراحمية والمسلكيات المحافظة. لكنّ هذا المنحى لدى سمِرنوف ينطوي فوق ذلك على ميول محافظة وقد توحي أحياناً بأنها متزمِّتة أو عنيفة، من خلال تأكيد فكرة "الاستشهاد لأجل المسيح"، كما في إشارته إلى القديس اسطيفان (سان اسطيفانوس) الذي يُعدّ "أول الشهداء" حسب السردية الكنسية (بالعودة إلى "سِفر أعمال الرسل").

 

 

يبدو هذا الخطاب غريباً ومستهجناً في السياق الأوروبي عموماً، ولا يُتوقّع صدوره من وسط دينيّ كنسيّ في الأوساط الكاثوليكية وبعض الأطياف البروتستانتية، لكنّ الأوساط الأرثوذكسية في اليونان وروسيا وجوارها والبلقان تفتقر للتحوّط المعهود لدى الغربيين في الإفصاح عن المواقف الاجتماعية وحتى السياسية، فتأتي بعض الخطابات، كما يفعل سمِرنوف، مُباشِرة وصريحة وخالية من التعبيرات المنمّقة؛ بخلاف ثقافة المخاطبة الكنسية الأوروبية الغربية الرائجة.

محطة ثالثة: وقفة مع بابا الفاتيكان

لا تبقى بعض التقاليد على حالها أبد الدهر؛ خاصة مع تبدّل الوجوه والأسماء وتعاقب التجارب والخبرات على المواقع، كما يشهد على ذلك المنصب البابوي. يبدو مُفاجئاً أن تُستحضر فكرة "الاستشهاد من أجل المسيح"، التي عبّر عنها الروسي سمِرنوف، من المنصب الكنسي الأبرز في العالم أيضاً، الذي تشغله منذ سنة 2013 شخصية غير أوروبية للمرّة الأولى؛ هو فرانسيس. حدث ذلك عندما انتهز رأس الكنيسة الكاثوليكية حلول "عيد الميلاد" في أواخر سنة 2018 ليبارك الشهداء الذين يقدِّمون دماءهم وحياتهم، بتغريدة نشرها في حساباته الرسمية على "تويتر"؛ باستثناء حساب واحد منها هو الحساب العربي، وهو ما يُضفي على هذا الاستثناء تأويلات متضاربة.

 

خصّص بابا الفاتيكان تغريدته تلك لتمجيد الشهداء "الذين يقدِّمون أرواحهم لأجل المسيح"، مشيراً إلى أنهم اليوم كُثُر وإن لم يَحظَوْا بعناوين الأخبار". يبدو مثيراً للاهتمام أن يأتي هذا التصريح النادر في السياق الأوروبي الغربي؛ على لسان بابا الفاتيكان ذاته، القادم من أمريكا اللاتينية.

 

تجاوَز البابا الأرجنتيني الحالي، واسمه في الأصل خورخيو مايو بيرجوليو، بإطلالاته الودودة وبعض مواقفه وتصريحاته تقاليد وأعرافاً راسخة ارتبطت بالمنصب الديني الأبرز. كان ذلك مشهوداً منذ تقلّده المنصب في المجال الطقوسي أيضاً، فبدلاً من غسل أقدام الكرادلة في عيد الفصح؛ اعتاد فرانسيس منذ توليه المنصب الأبرز في الكنيسة غسل أقدام "بدائل" عنهم اختارهم من شرائح مهمّشة وضعيفة مثل الفقراء وطالبي اللجوء ليلقوا تكريماً رمزياً بموجب الطقس الذي يحاكي غسل المسيح عليه السلام أقدام الحواريين؛ طبقاً للرواية الكنسية.

 

 

وخلافاً لتعبيرات صدرت عن سلفه بينيدكتوس السادس عشر فُهِمت على أنها إساءة مقيتة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ أعرب بابا الفاتيكان الحالي عن مواقف تضامنية مقدّرة مع المسلمين في محطّات ساخنة؛ منها واقعة "شارلي إيبدو"، الصحيفة الفرنسية الهابطة التي أساءت إلى الإسلام بطريقة مُهينة، فقال للصحفيين في هذا الصدد عام 2015 إنّ "من يُسيء إلى أمِّي عليه أن يتوقع لكمة في وجهه".

 

لكنّ المواقف المبدئية التي تقدّم فيها فرانسيس بمراحل على أسلافه في البابوية؛ تعثّرت في محطات أخرى وتخلّل بعضها كبوات فادحة، كما جرى خلال زيارته ميانمار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، في ظلال ذروة حملات التطهير العرقي الجاري بحق الروهنغيا المسلمين، الذين وقع تشريد ثلثيْ مليون من ضعفائهم إلى خارج الحدود في شهور قليلة. التقى فرانسيس خلال زيارته قيادات عسكرية ومدنية وكهنوتية ضالعة بشكل مباشر أو غير مباشر في استمرار مأساة الروهنغيا التي تُنكِر رانغون وقوعها. اكتفى بابا الفاتيكان خلال زيارته الإشكالية بلغة دبلوماسية رمزية فاترة تحاشى فيها تسمية الأشياء بأسمائها، فبدا هذا تهاوناً جسيماً من رأس الكنيسة الكاثوليكية مع فظائع لم يجرؤ على مجرد الإشارة إليها بوصف يليق بها؛ فضلا عن عدم تسميتها بالتطهير العرقي أو الإبادة. وجاء امتناع فرانسيس خلال الزيارة عن التلفّظ بكلمة "روهنغيا" ليؤكد أنّ الفاتيكان اختار عدم مكاشفة مضيفيه بالحقائق.

 

إنها معضلة التوازنات والتجاذبات الفاتيكانية الشاقّة في السياسات والمواقف؛ بين السياسيِّ الدنيويِّ والمبدئيٍّ الأخلاقيِّ، وهذا لدى جهة واسعة النفوذ تجمع الصفة الدينية الروحية التي تعلن الارتباط بالسماء؛ مع السلطة المؤسسية والمصالح الرعوية؛ فالفاتيكان يبقى "دولة" لها مصالح وأتباع وشبكات نفوذ، وإن كانت دولة مصغّرة أو رمزية وإن قادها "خليفة بطرس"، تشهد فلسطين، بوضوح، على جانب من هذه المعضلة، فالمواقف الفاتيكانية رغم تعبيراتها الإيجابية غالباً إلاّ أنها تبدو فاترة ودبلوماسية للغاية حتى عندما يتعلّق الأمر بانتهاكات الاحتلال لمصالح كنسية في "الأراضي المقدسة". وليس واضحاً في النهاية إن كان تمجيد الشهداء في الخطاب الكنسي، كما في التغريدة البابوية، يشمل آلاف الشهداء الفلسطينيين الذين فتك بهم جيش الاحتلال.

 

 

واضح أنّ مفهوم "الشهادة" و"الشهداء" في هذا الخطاب الكنسي عام وفضفاض، وهو يُساق مجرّداً من الإيحاءات النضالية أو التحررية. قد تُفهَم الرسالة في أوروبا على أنها شهادة الضحايا الذين تُزهَق أرواحهم وتُراق دماؤهم بسبب التمييز الديني بحقهم، لا شهادة الفداء والتضحية التي تنادي بها حركات التحرّر أو ما تبقّى منها في عالم يعجّ بالمظالم والانتهاكات؛ وإن كان أبطالها من أتباع البابا ذاته. لكنهم في أمريكا اللاتينية، موطن فرانسيس، يستحضرون خبرات "لاهوت التحرير" الذي نبذته الكنائس الغربية طويلاً ونأت بنفسها عنه، وهي التي اتُهمت تقليدياً بالضلوع في التوسّع الاستعماري أو تقاسم بعض الأدوار الوظيفية معه. عندما يأتي هذا الخطاب الكنسي الأوروبي على تمجيد الشهداء فإنه يمنح الانطباع بأنه يحصر المعنيين به بأتباع الكنيسة الذين سقطوا بسبب الاضطهاد الديني ولا ينفتح على مفهوم إنساني عام للشهادة والشهداء، كما أنه يُحيِّد أيّ إشارات على روح تحدٍّ أو فعل نضالي؛ كي لا يُربَط هذا الخطاب بكفاح حركات التحرّر أو حتى بثقافة "لاهوت التحرير" التي تطوّرت في أمريكا اللاتينية الكاثوليكية ضمن خبرات النضال المجتمعي ضد الفقر والاستبداد في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

 

وعلاوة على فحواها المفاجئة نسبياً، خاصة في موسم الأعياد؛ فإنّ ما يثير الانتباه أيضاً في تغريدة بابا الفاتيكان إطلاقها يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول 2018 من حساباته الرسمية على "تويتر" بلغات ثمان، هي الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والألمانية والبولندية، بينما خلا منها حسابه الرسمي التاسع الذي اكتفى بتغريدات نمطية عن الحبّ والوئام و"صانعي السلام"، وهذه المنصّة الأخيرة ليست سوى حساب "البابا فرانسيس" بالعربية، المكلّل بالعلامة الزرقاء أيضاً. يفتح هذا الاستثناء العربي الباب لتأويلات شائكة وتخمينات متضاربة، ورأى فيه بعضهم خطاباً مزدوجاً. جدير بالملاحظة أنّ تمجيد الشهداء والاستشهاد يكفي لوَصم أئمة أو خطباء مسلمين في أوروبا بنعت "خطباء الكراهية" أو بدمغة "التحريض على التطرّف". هذا ما عليه الحال في بعض البيئات الأوروبية؛ حتى إن تعلّق الأمر أحياناً بموقف متضامن مع ضحايا شعوب مضطهدة أو بتعبير متعاطف مع فدائيِّي حركات تحرّر من الاحتلال. لكنّ بابا الفاتيكان فرانسيس لديه امتياز خاص للإفصاح العلني عن موقف مخصوص في هذا الشأن، وإن جاء بتعبيرات غير معهودة على هذا النحو في البيئة الأوروبية التي يبدو أحياناً دخيلاً على أعرافها.

محطة رابعة: "الرب يريد ذلك"

تغيّر الخطاب الكنسي عبر ألف سنة وتقلّب من حال إلى حال حتى انتهى إلى عهد فرانسيس الحالي. فما عاد يسع بابا الفاتيكان أن يخرج على الملأ مثلاً بمقولة Deus lo vult اللاتينية التي تعني "الربّ يريد ذلك" كما فعل البابا أوربان الثاني في نوفمبر/ تشرين الثاني 1095 في مجمع كليرمون الكنسي في فرنسا. صعدت تلك المقولة المتطرِّفة في مغزاها شعاراً لـ"حملات فرنجة"، أو "الحملة الصليبية" الأولى كما سُميت، وباسمها جرى اقتراف الفظائع بحق شعوب وطوائف متعدِّدة في الطريق الطويلة إلى القدس ثم في داخلها أيضاً عبر مذبحة جماعية مروِّعة بعد اقتحامها في يوليو/ تموز 1099، امتدّ هذا التقليد اللفظي المتغطرس إلى العصر الحديث، من خلال التذرّع بالصلة الخاصة بالربّ لأغراض التعبئة في بعض حملات الاستعمار التي غزت بلدان العالم ومارست الهيمنة على شعوب الأرض، واستمرّ ذلك من بعد بأشكال متعدِّدة.

 

وقبل أن تعقد المنظمة الصهيونية مؤتمرها العالمي الأول سنة 1897 كتب ويليام هنري هشلر William Henry Hechler قسّ السفارة البريطانية في فيينا، وهو شخصية مارست أدواراً مهمّة في تحفيز العمل الصهيوني، مقالة مطوّلة حضّ فيها روّاد المنظمة الصهيونية تيودور هرتزل ورفاقه على استيطان فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها. نُشِرت المقالة في 11 يونيو/ حزيران 1897 ضمن العدد الثاني من صحيفة "دي فيلت" Die Welt التي أصدرها هرتزل لتكون ناطقة باسم المنظمة الصهيونية، وختمها هيشلر بعبارة "فليكن ذلك شعاركم: الربّ يريد ذلك!". كان هرتزل ورفاقه الصهاينة بحاجة إلى دعم كهذا في مواجهة اعتراضات شديدة من المجتمعات اليهودية المحلية ومؤسساتها التمثيلية وقياداتها الدينية التي وقفت بقوّة ضدّ المؤتمر الصهيوني الأول، حتى اضطرّ الصهاينة إلى عقد مؤتمرهم في مدينة بازل السويسرية بعيداً عن نفوذ الطوائف اليهودية في فيينا وميونيخ. ويُعَدّ هيشلر من رموز "الصهيونية المسيحية" التي تحمل رؤية خاصة للتاريخ وتستعجل نهاية العالم، وما زال هذا التيار حاضراً في الولايات المتحدة ويمثل أتباعه كتلة داعمة بقوة لدونالد ترمب. انتعشت عبارة "الربّ يريد ذلك" وما يحاكيها في دعاية الاستيطان المسلّح في فلسطين ومن يدعمها من الأوساط المتعصبة في الولايات المتحدة. الجديد في الأمر أنّ العالم سمع ما يشبه هذه المقولة من الإدارة الأمريكية ذاتها، كما جاءت على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز التي قالت لشبكة "سي بي إن" CBN يوم 30 يناير/ كانون الثاني 2019 إنّ "الربّ أراد اختيار دونالد ترمب لهذا المنصب"، أو بتعبيرها: God Wanted Donald Trump to Become President.

 

 

نحن هنا إزاء أحجية، فكيف يُزعَم أنّ "الربّ" اختصّ ترمب بهذا الاختيار دون غيره من زعماء العالم أو حتى دون غيره من رؤساء أمريكا الآخرين، وماذا عن بارك أوباما مثلاً؟ يتجاوز المغزى سذاجة العبارة الظاهرة إلى إيحاءات تلبّستها عبر التاريخ يفهمها جمهور "سي بي إن" جيداً، فهي "شبكة البث المسيحية" Christian Broadcasting Network التي أسّسها بات روبرتسون المعروف بآرائه المتعصِّبة ونظرته الخاصّة إلى التاريخ ونهاية العالم، وهو من أبرز رموز "الصهيونية المسيحية" في أمريكا، لم تستعمل الناطقة باسم البيت الأبيض في تصريحها هذا لغة دولة وإنما تعبيراً خاصاً بأوساط تحمل رؤية منغلقة للعالم والتاريخ. لكنّ التصريح لا يبدو زلّة لسان، فترمب الذي "أراد الربّ أن يكون رئيساً"، كما تبجّحت بذلك الناطقة باسمه، هو ذاته الذي لا يكترث ببلدان الجوار، ولا يأبه بالعالم بأسره ولا بالأمم المتحدة أو وكالة "الأونروا" أو منظمة الصحة العالمية، ويستعمل شعار "أمريكا أوّلاً" ذريعة للتنصّل من اتفاقات دولية مثل اتفاقية باريس للمناخ، كما يتبنّى مواقف منحازة بصفة غير مسبوقة للاحتلال والاستيطان في فلسطين. يحظى ترامب بمديح خاص من أوساط الاحتلال في فلسطين، حتى أنّ المتحدثين الذين تعاقبوا على منصّة الاحتفال بافتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، يوم 14 مايو/ أيار 2018 ذكروا اسمه في سياق واحد مع الأنبياء الكرام.

 

تشي عبارات كهذه بنزعة استعلاء وغطرسة، وقد تُعبِّر عن "تأليه سياسي"، فتمنح سياسات البشر المتغطرسين صفة اختيارات ربّانية لا ينبغي نقدها أو الاعتراض عليها. لعلّ مقولة "الربّ يريد ذلك" ذريعة مثالية لدونالد ترمب، الذي لا يتواضع عندما ينسحب من اتفاقات دولية ويقرِّر بناء جدار مع المكسيك ويمنع مواطني دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة ويستعمل عبارات قاسية مع الصحافيين ويضرب عرض الحائط باللياقة الدبلوماسية في التعامل مع الدول الأخرى؛ ثم تخبّط في إدارة أزماته الداخلية في زمن كورونا وأنفاس جورج فلويد المختنقة. إن كان على العالم أن يضع يده على قلبه منذ أن صعد رئيس بهذه المواصفات إلى قيادة الأمّة الأولى؛ فإنّ تصريح سارة ساندرز عزّز الهواجس من توجّهات البيت الأبيض إن كان محكوماً حقاً بمثل هذه العقلية المُغامِرة والمتعالية على العالم، التي قد تمنح مشروعية لأي سلوك مارق طالما أمكن تسويقه بمقولة أنّ "الرب أراد ذلك".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة