مظاهرات أمريكا.. هل سيفشل ترمب في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

يتابع العديد منا وسائل الإعلام العالمية، لا سيما الأمريكية منها، فيجد أن الزخم موجه لتوجيه الرأي العام الأمريكي باتجاه إسقاط ترمب كمرشح للانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في نوفمبر المقبل. ومع كثرة المتابعة يصل البعض إلى تصورات بأن ترمب ربما يكون ساقطاً، لا محالة، في الانتخابات المقبلة.

 

المعضلة الأساسية التي كانت، ولا تزال، تواجه الحكم على الانتخابات الأمريكية منذ ظهور ترمب كمرشح لها وحتى يومنا هذا أن الشارع الأمريكي الذي منح ترمب ثقته لا يتابع وسائل الإعلام تلك، ولو تم الاطلاع على محتويات وسائل الإعلام التي يتابعها مناصرو ترمب (وهم ليسوا بأقلية) لوجدنا أن كل ما تنتقده به وسائل الإعلام الرائجة هو نقاط مكتسبة في عيون مؤيديه. وهذا يعني أن ازدياد انتقادات وسائل الإعلام الرائجة لترمب إنما تزيده قوة في أعين مناصريه وليس العكس، لذلك هو يحرص دائماً على إثارة انتقادات تلك الوسائل.

 

للإجابة على السؤال الرئيس، تتبع هذه المقالة نتائج سلسلة من الدراسات، قام بها الباحثان إنجلهارد ونوريس من كلية كنيدي للشئون الحكومية في جامعة هارفارد الأمريكية، حول صعود التيار الشعبوي، وتحليل نموذجه الفكري مقارنة بالنموذج السائد (النيوليبرالي). كما تتبع المقالة نظرية النخبة في علم الاجتماع السياسي لتوضيح أن ما يحصل في الشارع الأمريكي ما هو إلا صراع بين مشروعين (شعبوي وطني مقابل نيوليبرالي)، وأن الشارع الأمريكي في كلتا الحالتين "مفعول به".

 

أمريكيا النيوليبرالية وبدايات تهاوي "الإمبراطورية"

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ونموذجه الشيوعي، أصبحت أمريكا النيوليبرالية تهيمن على مفاصل العالم الاقتصادية والسياسية. وقد عززت مفاهيم العولمة، والنظام العالمي، والشرعية الدولية، والحوكمة الدولية، والأمم المتحدة من أجل إخضاع العالم لتلك المنظومة الدولية مع الاحتفاظ بالتحكم بها والسيطرة عليها. وظل هذا الأمر سائداً حتى تمثلت ذروة السطوة الامريكية النيوليبرالية في غزو أفغانستان والعراق. كانت أمريكا النيوليبرالية شرطي العالم، والحاكم الاقتصادي له، والمنسق الإعلامي لغالبية وسائله، والإمبراطورية التي لا يجرؤ أحد على مخالفتها، حتى جاءت الأزمة المالية العالمية لتبدأ صورة النيوليبرالية الأمريكية بالاهتزاز: خسائر عالمية بالتريليونات بسبب الإخفاق التنظيمي الأمريكي لسوق الإقراض فيها، وللأسواق المالية العالمية التي تقع على أراضيها، أو التي تتبع نموذجها.

 

تزامن ذلك مع إعادة فلاديمير بوتين لترتيب البيت الداخلي الروسي، والنمو الخرافي للاقتصاد الصيني، والصعود الصاروخي لاقتصاديات الدول الناشئة في آسيا بالإضافة إلى البرازيل. وكما قالت العرب: "لا يفل الحديد إلا الحديد"، لذلك روجت روسيا بوتين للأفكار الشعبوية والدينية اليمينية بين شعوب الدول الديموقراطية بشكل عام والشعب الأمريكي بشكل خاص، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال وسائل إعلامية غير تقليدية ربما يدار الكثير منها في الإنترنت السوداء. علمت روسيا أن الأفكار الليبرالية لا يمكن مواجهتها إلا بالأفكار الشعبوية، وأظنها نجحت حتى الآن بما تريد.

 

شهد العام 2015 أولى ثمار رواج الأفكار الشعبوية بتصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، تلاها انتخاب ترمب رئيساً لأمريكا في العام 2016. لم تكن وسائل الإعلام الرائجة (النيوليبرالية) تتمنى، أو ربما تتوقع فوز ترمب، لكنه فاز لأن مناصريه لا يلقون بالاً لتلك المنصات الإعلامية. لم يكن أحد من متابعي الإعلام النيوليبرالي يتخيل أن يحصل ترمب على أصوات ما يقرب من 50 مليون أمريكي.

 

ثم جاءت انتخابات الكونغرس الأمريكي في العام 2018، وظلت وسائل الإعلام النيوليبرالية تروج للـ"موج الأزرق" كناية عن فوز الديموقراطيين، لكن النتائج كانت مخالفة للأمنيات: فاز الجمهوريون بأغلبية مجلس الشيوخ، ومنح ترمب أريحية كبيرة في اتخاذ القرارات التي يريد، كما ساعده ذلك في تجنب العزل، فهل سيصدق تنبؤ أو سعي وسائل الإعلام النيوليبرالية لسقوط ترمب هذه المرة؟

 

ترمب واجهة لمشروع يركب موجة الوطنية بنفس شعبوي

راجت الأفكار الشعبوية في أمريكا على نحو مطرد منذ صعود نجم وسائل التواصل الاجتماعي. تلك الأفكار (أو المعتقدات إن جاز التعبير) تنقسم إلى قسمين رئيسين: اجتماعي واقتصادي. الاجتماعي يلخص بأنه يميني ديني عنصري. والاقتصادي يلخص بأنه محارب للأفكار النيوليبرالية لاسيما العولمة على وجه الخصوص، والخصخصة، وينادي باستعادة الدولة لمكانتها كمسؤول عن رفاه مواطنيها الذين أنهكهم ظلم النيوليبرالية وتوحشها.

 

هذه التركيبة الأيديلوجية للشعبوية استدعت تدخل مجموعة من رجال الأعمال والأثرياء الأمريكان الذين تضرروا من النيوليبرالية على مر الزمن، من أجل ركوب موجة الشعبوية من الناحية الاجتماعية (يمين ديني عنصري)، وحرفها عن مسارها من الناحية الاقتصادية (محاربة العولمة والإبقاء على الخصخصة، وإبعاد الدولة عن الرفاه الاجتماعي). هذا التحالف هو من ساند ترمب في انتخاباته، وهو المستفيد الأول من نجاحه، وهو الممول والمؤيد لنشاطاته. هذا التحالف هو المشروع النخبوي المتحدي للنيوليبرالية الأمريكية التي تحكم أمريكا وتتحكم في العالم وتعبث في الأمم المتحدة ومؤسساتها.

 

هذا التحالف موجود على الأرض وبقوة، وله وسائل إعلام تقليدية وغير تقليدية، ويعرف ماذا يريد أنصار التيار الشعبوي، وما يرضيهم وما لا يرضيهم. هذا التحالف يعرف كيف يسير الأنصار على الأرض. هؤلاء الأنصار الذين خرجوا مسلحين استجابة لتغريدة صغيرة من ترمب (حرروا ولاياتكم) لإجبار حكام الولايات على إعادة النشاط الاقتصادي من جديد. فأين موقع هؤلاء الأنصار من مظاهرات أمريكا الحالية؟

مظاهرات أمريكا.. إسقاطاً لترمب أم مناهضةً للعنصرية؟

يفيد صاحب "سيكولوجية الجماهير" أن تلك الجماهير لا تمتلك رؤية واضحة عما تريده تحديداً. أما نظرية النخبة فترى أن النخب تتصارع فيما بينها لكسب رأي الجماهير، أو بالأحرى تشكيل رأي الجماهير وفق ما تريده النخب. ما يحصل في أمريكا أن هناك نخبتان تتصارعان لتوجيه جماهير المتظاهرين لما تريده أي من تلك النخب. فأنصار النيوليبرالية المعارضين لترمب يريدون تسيير المظاهرات لتكون ضد ترمب ولتحطيم شعبيته، أما أنصار ترمب فيريدون حرف تلك المظاهرات عن مسارها وتوجيهها نحو العنف والسرقة وتخريب الممتلكات العامة، تمامً كما فعلت الأنظمة العربية إبان الربيع العربي.

 

 

أما الحقيقة التي لا غبار عليها أن تلك المظاهرات خرجت احتجاجاً على العنصرية وطلباً للعدالة في قضية مقتل "فلويد". السؤال الأهم الآن: هل نجح أنصار النيوليبرالية في توجيه المظاهرات لتكون ضد ترمب أو لإسقاطه؟ حتى اللحظة، لا يمكن البت أن المظاهرات قد تحولت لتكون ضد ترمب، لكن يمكن القول أن أنصار ترمب نجحوا في حرف الكثير من تلك المظاهرات نحو السرقة والتخريب، الأهم من ذلك كله، هل تأثرت القاعدة الجماهيرية لترمب (وهي الأغلبية البيضاء في أمريكا) بخروج مظاهرات يتم توجيهها لتكون ضد رئيسهم؟

ترمب وسمات القائد الشعبوي

يتقن ترمب تمام الإتقان تقمص دول الرجل الكاريزمي الذي يستطيع أن يثير خصومه ويألب عليه أعداءه، ويجتذب مناصريه.  ومن أهم سمات القائد الشعبوي، كما يراها إنجلهراد ونوريس من جامعة هرافارد، أنه يمارس الاستبداد، وأن أنصاره يفضلونه لأنه كذلك، ولأنه "وطني" ومتدين، والأهم من ذلك كله أنه كرازمي وقوي الشخصية. لست هنا لأحكم على ترمب بأنه كارزمي، لكن أنصاره يرونه كذلك كما تروج له وسائل الإعلام اليمينية غير التقليدية، وكما تتحدث عنه منتديات اليمين وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. المحصلة، أن مهاجمة ترمب من قبل الوسائل الإعلامية الرائجة (النيوليبرالية) لا تزيده إلا قوة وإثارة عند أنصاره والسبب بسيط بحسب إنجلهارد ونوريس: الفكر الشعبوي أسقط الإعلام النيوليبرالي من حساباته، بل أنه يحملها مسؤولية ترويج "أكاذيب" النيوليبرالية على مدى عقود من الزمن. لذلك يحرص ترمب كل الحرص على إثارة الإعلام التقليدي من أجل مهاجمته، وقد نجح حتى الآن في كل تكتيكاته.

ترمب أم بايدن.. ماذا يهمنا نحن العرب؟

هناك مثل متعارف عليه في بلاد الشام يقول: "الخل أخو الخردل". الفرق الوحيد لنا في قضايانا العربية والإسلامية بين هذين الشخصين، أو بين الجمهوريين والديموقراطيين، أن الديموقراطيين يعطونا الألم مع المسكنات، في حين أن الجمهوريين يعطونا الألم بدون مسكنات، وهذا يعني أنه لن تكون هناك عدالة أمريكية في التعامل مع قضايانا. لذلك، علينا أن نركز على مشروعنا الوحدوي النهضوي الذي سيجعل لنا مقعداً بين الأمم في مرحلة ضعف "الإمبراطورية" الأمريكية وتهاويها، وهو أمر محتوم.

 

برأيي الشخصي، كان ترمب أكثر جرأة وصراحة ووضوح في التعامل مع القضايا العربية، وأسهم في وضع الأمور في نصابها، وساعد في كشف الأنظمة العربية التي تعمل كــ"أرجل الطاولة" لخدمة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية. كما أنه يسهم بشكل كبير في تناقص الهيمنة الأمريكية العالمية ونيوليبراليتها التي تسببت في نهب ثروات الشعوب وترويج الفقر المدقع والظلم بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.

الخلاصة

مهاجمة الوسائل الإعلامية الرائجة لترمب تزيده قوة ولا تضعفه، والمظاهرات لم تكن ضده ولا معه، ولكنها حرفت عن مسارها في كثير من الأحيان لتصبح تخريباً ولصوصية. لا يهمنا نحن العرب نجاح ترمب أو بايدن، بل يهمنا مشروعنا الوحدوي وتطورنا بعيداً عن أمريكا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة