أحمد زكي باشا.. راهب العروبة وخازنها الذي أصبح شيخها

كان شيخ العروبة أحمد زكي باشا 1867 ـ 1934 نموذجا فذا لصناع النهضة الذين يجمعون بين القدرة على الحلم ، والصبر على التنفيذ، وعلى سبيل الإجمال فإن أحمد زكي باشا كان مع أحمد تيمور باشا هما أفضل وجهاء عصرهما المشتغلين بالحضارة العربية، والمتيمين بها، فعلى يدي أحمد زكي باشا وبفضله تحولت كثير من الأحلام المعرفية والثقافية إلى واقع لا نزال نبني عليه، وبفضله عرفت اللغة العربية عصر علامات الترقيم الذي نقل الكتابة العربية ومن ثم الطباعة العربية بسرعة حاسمة وبنقلة ذكية، وقد أتم هذه النقلة بسلاسة وذكاء وهدوء، موظفا سلطته ومنصبه المؤثر ونفوذه المعرفي بعيدا عن إضاعة الوقت في الاختيار بين صور متقاربة الحظ في الصواب والإصابة، وبفضله هو قبل غيره تحولت فكرة الجامعة المصرية الى قوالب منظمة قادرة على الاستيعاب والتجدد بدلا مما كانت معرضة له ( على يد غيره) بان تكون قوالب للحفظ والتبريد أو للتجمع والاحتفال، وبفضله هو واحمد تيمور باشا أصبح جمع المخطوطات شرفا ومجدا يسمى اقتناء ولا يقف عند حدود الاكتناز، وبفضله أصبحت كتابة الرحلات نوعا من أنواع التجارب الذاتية المنضبطة لا المسترسلة فحسب.

 

وعلى سبيل الإجمال فإننا نوافق على ما وصفه به قال الأمير شكيب أرسلان حين قال إنه: «كان يقظة في إغفاء الشرق، وهبة في غفلة العالم الإسلامي، وحياة في وسط ذلك المحيط الهامد» وفي هذا القول تلخيص أمين لطبيعة إنجازه الفكري والثقافي فقد امتدت إسهامات أحمد زكي باشا إلى شؤون اللغة العربية وعلاقتها باللغات الأخرى والمصطلحات، والفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا، والقانون، والاقتصاد السياسي، كان أحمد زكي باشا متفاعلا مع المثقفين مشتبكا مع الحياة العامة وكان يقبل نقد غيره برفق إذا أصابوا، ويعترض على مَنْ لم يصب بعنف، في رسائل خاصة أو على صفحات الجرائد، وقد عرف بتفوقه محاضرا وكاتبًا وباحثًا ومحققًا، خطيبا، وكان محافظا بذكاء وبصيرة على لغته وعروبته وقوميته ووطنيته.

نشأته

اسمه بالكامل: أحمد زكي بن إبراهيم بن عبد الله وقد ذكر أستاذنا الزركلي أن أباه كان ينتمي إلى آل النجار في مدينة عكا في فلسطين، وذكر آخرون أن أباه من أهل المغرب، وقد دفعت التجارة أباه إلى أن يستقر في يافا أولا، ثم في رشيد، حيث تزوج في ضواحيها فتاة من آل سويدان، ثم استقر به المطاف في الإسكندرية. وهكذا ولد أحمد زكي باشا بالإسكندرية، وقد تولى تربيته أخوه الأكبر القاضي محمود رشاد، وكان رجلا مثقفا ذا إلمام بقضايا الفكر. وتلقى أحمد زكي تعليمًا مدنيا حتى تخرج في مدرسة الإدارة والحقوق. وأتقن الفرنسية وكان ملما أيضا بالإنجليزية والإيطالية.

على مدى ثلاثين عاما (1892 ـ 1922) هي عمره في الوظيفة الحكومية كان لأحمد زكي باشا الفضل الأكبر في الارتقاء بلغة دواوين الحكومة المصرية الحديثة إلى لغة فصحى مفهومة غير مبتذلة ولا متقعرة

وبعد تخرجه في مدرسة الإدارة والحقوق عين أحمد زكي مترجما في مجلس النظار في 1892، وهو في الخامسة والعشرين، وهكذا فانه عاصر عهد الخديو عباس حلمي منذ بدايته، وترقى في المناصب سكرتيرا ثانيا وسكرتيرا أول حتى وصل إلى سكرتارية مجلس النظار، وهو المنصب الذي يعرف الآن بأمين عام مجلس الوزراء، ونال الباشوية في أثناء ذلك، وأحيل إلى المعاش 1922 وهو في الخامسة والخمسين أي قبل أن يصل الستين .

اعتزازه بموسوعيته

كان أحمد زكي باشا مثقفًا مؤسسًا ومعتزًا بموسوعيته، وكان حفيا بإنشاء المؤسسات العلمية الوطنية على النمط الأوربي الحديث، ومن المعروف أنه اشترك في إنشاء الجامعة المصرية، وكان من أعضاء مجلس إدارتها، بل كان أمينا (سكرتيرا) لها، كما كان عضوا في الجمعية الجغرافية الخديوية (السلطانية) وسكرتيرا لها، وكان أحد أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وقد ساعد اللجنة التي قامت بترجمة دائرة المعارف الإسلامية، فأتاح لها الإفادة مما كان يملكه من الكتب المخطوطة والمطبوعة، وأرشدها إلى ما تستعين به في مكتبته: «الخزانة الذكية»، وقد أفاد محررو هذه الدائرة من علمه، وضبطوا بفضله معرفتهم بالمصطلحات وبالنصوص.

ترقيه للغة الحكومية ووضعه للمصطلحات

على مدى ثلاثين عاما (1892 ـ 1922) هي عمره في الوظيفة الحكومية كان لأحمد زكي باشا الفضل الأكبر في الارتقاء بلغة دواوين الحكومة المصرية الحديثة إلى لغة فصحى مفهومة غير مبتذلة ولا متقعرة، وقد تولى بريادة فائقة ومتفضلة مهمة الارتقاء بلغة الدواوين الحكومية من خلال الأوامر والتوجيهات التي كان يوالي إصدارها، وبوسع المطلع على وثائق التاريخ أن يدرك مدى ما كانت تحفل به المكاتبات الحكومية وأوامر مجلس النظار (فيما قبل عهده هو) من ألفاظ عامية وتركية أو كليشيهات، ويتصل بدور أحمد زكي في ترقية أسلوب الكتابة العربية الحكومية أو الوظيفية نجاحه الفذ والمبكر فيما استشعره من أن من الواجب عليه أن يجد ألفاظا عربية دقيقة للمعاني وللمبتكرات الجديدة، أي أن يضع مصطلحات الحضارة كما نسميها الآن، وكأنه كان عليه أن يقوم وحده، ومبكرا بدور مهم من أدوار المجامع اللغوية.

 

ومن الألفاظ التي ابتدعها أحمد زكي ولا تزال تستعمل: «السيارة» بديلا عن الأوتومبيل، و«الدراجة» للعجلة، و«صحافي» بديلا عن الجورنالجي. وعلى صعيد يتصل بالشاعرية والفن فانه هو الذي سمى الأندلس بـ«الفردوس المفقود» حين كتب عن رحلته إليها، وبعد فترة من تفوقه في وضع المصطلحات ، وجد أحمد زكي نفسه مطالبا بأن يبين عن منهجه في اختيار الألفاظ والمقابلات العربية، وهكذا دخل إلى مرحلة التنظير والتأصيل التي أثبت تفوقه فيها، كما أثبته في مرحلة الريادة، ومع سمو منهجه في التعريب فمن الأمانة ان نذكر أنه لم يكن ليلقى قبول بعض الأساتذة القدامى.

إسهاماته في الترجمة

أما الترجمة فقد كانت الميدان الثاني من الميادين التي بزغ فيها، ونال الشهرة والتقدير، وبخاصة أنه كان سريع الترجمة دقيقها، كما كان حريصًا على شرح أسباب تفضيله لترجمة ما على ترجمة أخرى. وعلى صعيد متصل بالتنظير والاستاذية قدم أحمد زكي باشا خبرته المهنية في الترجمة في كتابه «أسرار الترجمة». وبفضل خبراته في ترقية الكتابة ووضع المصطلحات وفي الترجمة (أي في الميدانين اللذين تحدثنا عن نبوغه فيهما) أعد أحمد زكي لإصدار قاموس عربي ضخم، لكنه فيما يبدو لم يوفق إلى الانتهاء منه وإلا فقد كان حربا بمؤرخيه أن يشيروا إلى مخطوط له .

على صعيد خامس عرف أحمد زكي باشا كواحد من أوائل الأساتذة المحاضرين في الجامعة المصرية القديمة، وكان أستاذا جامعيا نموذجيا على نحو ما تشهد بذلك انطباعات مَنْ تتلمذوا عليه

علامات الترقيم وصندوق الطباعة

على صعيد ثالث يذكر لأحمد زكي باشا أنه هو الذي أدخل حروف (أو علامات) الترقيم إلى الكتابة العربية معتمدا على ما تواضع عليه الأوروبيون في أمرها، وقد أقنع قراءه ومعاصريه أن هذه العلامات تعوض وظيفة النبر الصوتي التي يقوم بها المتحدث أو الخطيب أو المحاضر، وقد سمى الفاصلة التي نعرفها الآن بهذا اللفظ باسم بدائي هو الشولة، كما استخدم ألفاظ التقويس والتضبيب للدلالة على وضع الأقواس وعلامات التنصيص، ومن الطريف أنه كان يسمي ما نعرفه الآن بعلامة التعجب علامة الانفعال، وبالطبع فإنه مع الزمن تغيرت الأسماء للأفصح والاجمل.

 

ويتصل بهذا الإنجاز أنه هو الذي تولى اختصار حروف الطباعة، وكان صندوق الطباعة (ما يناظر الآن لوحة المفاتيح keyboard) يتضمن أكثر من تسعمائة شكل من أشكال الحروف، فاختصره إلى 132 حرفا (زرارا) فقط، وقد كان هذا إنجازا قبل أن تدخل الحواسيب في تطبيقات طباعة الحروف. ومن أجل هذا الغرض النبيل قام أحمد زكي باشا برحلة إلى أوروبا مع مدير المطبعة الأميرية، فزار النمسا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وتركيا للنظر في الخطوات العملية لاختصار صناديق الطباعة، وتسهيل طريقة الجمع المطبعي، وعاد بعد أن توصل إلى اجراءات عملية.

مؤتمرات الاستشراق

على صعيد رابع عرف أحمد زكي باشا كواحد من أبرز المثقفين الوطنيين ذوي الصلات الدولية في ميادين الفكر والعلم، وقد اتصل بشخصه وسفره وبحكم مناصبه بمؤتمرات المستشرقين، وفي المستوى العربي فقد كان على علاقة وثيقة بأنداده في البلاد العربية الأخرى من طبقة محمد كرد علي، وطاهر الجزائري والاب أنستاس مارسي الكرملي، وكانت له معهم مراسلاته ومناقشاته، انتدب أحمد زكي باشا لحضور مؤتمر المستشرقين الدولي بفيينا في 1892 واستغرقت رحلته إلى هذا المؤتمر وعودته ستة أشهر (14 أغسطس 1892- 14 فبراير 1893) وقد صحبه في هذه الرحلة الشيخ محمد راشد كما حضر المؤتمر معه من مصر العالم الألماني كارل فولرس الذي كان مديرًا لدار الكتب وتولت شركة توماس كوك تنظيم رحلته على نحو استحقت معه إشادته بها، و: مثل أحمد زكي باشا مصر في المؤتمر التاسع الذي عقد في لندن. كما مثل مصر في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد ١٩١١ في أثينا بصحبة ثلاثة أخرين من الأحامدة: الأمير أحمد فؤاد (جلالة الملك فؤاد فيما بعد)، وأمير الشعراء أحمد شوقي بك، الأستاذ أحمد الإسكندري، وحفني ناصف بك.

الجامعة القديمة

على صعيد خامس عرف أحمد زكي باشا كواحد من أوائل الأساتذة المحاضرين في الجامعة المصرية القديمة، وكان أستاذا جامعيا نموذجيا على نحو ما تشهد بذلك انطباعات مَنْ تتلمذوا عليه، وفي مقدمتهم طه حسين، وكان أحمد زكي باشا في محاضراته كما كان في إسهاماته العلمية ومشاركاته المجتمعية شعلة نشاط، دائم الحركة، مجيدا في المحاضرة والخطابة. وقد خاض معارك فكرية وأدبية كثيرة كان له فيها السبق المجلى، ومنها معاركه مع محمد مسعود وزكي مبارك

 

وقد أجاد الدكتور طه حسين في كتابه الأشهر" الأيام "وصف انطباعاته عن انبهاره الشديد بأستاذية أحمد زكي فقال: "واستمع الفتى لأول درس من دروس الجامعة في الحضارة الإسلامية، فراعه أول ما راعه شيء لم يكن له بمثله عهد في الأزهر؛ فهذا أحمد زكي بك يبدأ الدرس بهذه الكلمات التي لم يسمعها الفتى من قبل: "أيها السادة: أحييكم بتحية الإسلام، فأقول: السلام عليكم ورحمة لله. " وإنما كان الفتى يسمع في الأزهر كلامًا آخرَ لا يتجه به الشيوخ إلى الطلاب، وإنما يتَّجهون به إلى لله عز وجل فيحمدونه ويُثنون عليه، ولا يحيي فيه الشيوخ طلابهم، وإنما يُصلون فيه على النبي وعلى آله وأصحابه أجمعين! ثم راع الفتى بعد ذلك أن الأستاذ لم يقل في أول درسه: " قال المؤلف رحمه لله ، " وإنما استأنف الدرس يتكلم من عند نفسه ولا يقرأ في كتاب. وكان كلامه واضحًا لا يحتاج إلى تفسير، وكان سوِيٍّا مستقيمًا لا قنقلة فيه ولا اعتراض عليه، وكان غريبًا كلَّ الغرابة، جديدًا كلَّ الجِدَّة، مَلَكَ على الفتى عقلَه كلَّه وقلبه كلَّه، فشُغل عن صاحبيه، وشُغل عمن كان حوله من الطلاب، وما كان أكثرهم! حتى إذا أوشك الدرس أن ينقضي، أعلن الأستاذ أنه سيُعيد هذا الدرس بعد دقائق ليتاح للطلاب الكثيرين الذين لم يُتحْ لهم دخول الغرفة أن يسمعوه، وانصرف الفوج الأول من الطلاب، ولكن صاحبنا لم يَرِمْ، وإنما أقام في مكانه حتى سمع الدرس مرة أخرى".

على صعيد سادس كان أحمد زكي باشا صاحب مكتبة علمية ذات مواصفات عالمية، كما كان جامعا ومحبا للمخطوطات، وقد ضمت مكتبته ما يربو على عشرة آلاف كتاب

"لم ينمِ الفتى من ليلته تلك، وسمع المؤذن يدعو إلى صلاة الفجر فلم ينهض من فراشه، وإنما تثاقل وتثاقل، ولم يخرج من غرفته إلا حين ارتفع الضحى، ولولا درس الأدب في الرواق العباسي لظل في غرفته حتى يُقبل المساء، "وقد سمع الفتى درس الأدب غير حفيٍّ به أول الأمر، ولكن الشيخ سأله عن شيء فلجلج الفتى وسَخِر منه الشيخ، وسأله عن هذين المقطفين اللذيْن رُكِّبا في رأسه ماذا يصنع بهما؟ يريد بالمقطفيْن أذنيه. ومنذ ذلك الوقت أقبل الفتى على درس الأدب هذا كما كان يُقبل عليه من قبل، فلم يُضيِّع مما قال الشيخ حرفًا. "وسمع بعد ذلك درس النحو فلم يمنح الأستاذ إلا أحد مقطفيه هذيْن، ولعله لم يمنحه مقطفه كله، إنما كان يعيش لساعة المساء، ويتعجَّل ذلك الدرس الذي سيسمعه من أحمد زكي بك عن الحضارة المصرية القديمة. وقد سمعه فلم تَسَعْهُ الأرض على رُحْبها؛ سمع أشياء لم تكن تخطر له على بال، ولم يكن يتصور أنها قد كانت، أو أن الناس يمكن أن يتحدثوا بمثلها.."

إدارته الحازمة

على ان الدكتور طه حسين نفسه كان حريصا على أن يصور ضيقه الشديد من التزام احمد زكي بأسلوب صارم متجهم في إدارته الحازمة الصلبة الملتزمة لشأن الجامعة المصرية في ظل محدودية مواردها في ذلك الوقت:  "وكانت حياة الجامعة في أول عهد المصريين بها عيدًا متصلًا يَحيَوْنه إذا أقبل المساء من كل يوم، حين يزدحمون على غرفات الدرس على اختلاف منازلهم من الفقر والغنى، وعلى اختلاف حظوظهم من الثقافة، وعلى اختلاف أزيائهم أيضًا. فكان منهم الغني المترف والفقير الذي لا يجد ما ينفق، وكان منهم القاضي والطبيب والطالب والموظف والمجاور في الأزهر الشريف. وكان منهم غير أولئك قومٌ لم يأخذوا من العلم إلا بأيسر أسبابه، ولكنهم كانوا يختلفون إلى هذه الدروس والمحاضرات ليروا ويسمعوا ويُمتعوا أنفسهم إن أتيح لهم المتاع. وقد جعلت غرفات الجامعة تضيق بهؤلاء المختلفين إليها والمزدحمين عليها. وعجز الأساتذة عن أن يُسمعوا هذه الأعداد الضخمة التي كانت تكتظ بها الغرفات، فقرر بعضهم أن يُلقي محاضرته مرتين. ولم يرَ الطلاب بهذا بأسًا، كانوا يستبقون ليسمعوا الأستاذ في محاضرته الأولى، فمن حيل بينه وبين ذلك انتظر المحاضرة الثانية. وكانوا ينتظرون في أبهاء الجامعة وحديقتها، وكان أهل السَّعَة منهم يذهبون إلى قهوة كوبري قصر النيل القريبة، فيشربون أو يطعمون، حتى إذا قرُب موعد المحاضرة أسرعوا إليها مشغوفين بها إلى أقصى غايات الشغف. واضطرت الجامعة إلى أن تنظم دخول غرفات الدرس، فلا تأذن به إلا لمن قدموا بطاقات الانتساب، وصدَّت بذلك عددًا غير قليل من الذين كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه الدروس كما كانوا يسعون إلى المحاضرات العامة."

 

" وأقبل الفتى ذات مساء بصحبة غلامه الأسود، فلما بلغ الغرفة أظهر بطاقته، وقد كان بها ضنينًا وعليها حريصًا، وقيل له: تستطيع أن تدخل، فأما غلامك هذا فلا حق له في الدخول. وأظهر الفتى شيئًا من ضيق، ولكن صاحب الباب (أي الموظف المكلف) لم يحفِل بضيقه ولا بإنكاره، ولا بتوسل من كان حوله من الطلاب، ولا بحاجته إلا أن يصحبه هذا الغلام حتى يجلسه في مكانه ثم يرجع أدراجه فينتظر من وراء الباب حتى ينقضي الدرس". "واضطر الفتى إلى أن يفزع إلى السكرتير العام أحمد زكي بك شاكيًا، وصحبه بعض الطلاب الساخطين على جهل صاحب الباب وعُنْفَه وغلظة ذوقه. وأدخِل الفتى وأصحابه على السكرتير العام، وقصُّوا عليه قصتهم، ولكنهم لم يجدوا عنده شيئًا، وإنما قال لهم في هدوءٍ: النظام هو النظام. وهمَّ بعض الطلاب أن يُجادله في ذلك فقال له متجهمًا: وماذا نصنع وقد أراد لله لصاحبك ألا يشهد هذه المحاضرات؟"

 

"وانصرف أولئك النفر من الطلاب ساخطين على السكرتير العام سخطًا أشد وأعظم من سخطهم على صاحب الباب، وقالوا للفتى: لا بأس عليك، سنصحبك نحن إلى مجلسك. وصحبوه إلى مجلسه متلطفين له مُتحببين إليه، وردوه إلى غلامه بعد انقضاء الدرس، وجعلوا منذ ذلك اليوم لا يروْن الفتى مقبلًا حتى يحيطوا به من قريبٍ، فإذا بلغ باب الغرفة أخذ أحدهم بيده، وصحبه إلى مجلسه، ثم رده إلى غلامه بعد ذلك، ولو أطاع الفتى نفسه في ذلك المساء لانصرف عن الجامعة ولحرَّم على نفسه الاختلاف إلى دروسها. ولكن الجامعة كانت أحب إليه وآثر عنده من كبريائه تلك "

الخزانة الزكية

على صعيد سادس كان أحمد زكي باشا صاحب مكتبة علمية ذات مواصفات عالمية، كما كان جامعا ومحبا للمخطوطات، وقد ضمت مكتبته ما يربو على عشرة آلاف كتاب، وقفها للعلم وهي الآن من المكونات المهمة في مقتنيات دار الكتب المصرية، وقد وظف أحمد زكي باشا رحلاته العلمية في الاتصال بدور الكتب والمكتبات والمجتمعات العلمية والمستشرقين والاطلاع على المخطوطات العربية في العواصم الأوروبية، وقد أفاد من هذه الرحلات والمؤتمرات معرفة مباشرة ووثيقة بكثير من المستشرقين، كما أفاد معرفة عميقة بالمخطوطات في المكتبات العالمية، وقد بذل الجهد في تصوير ما وقعت عليه يده من المخطوطات.

 

وفي زيارته لليمن اطلع على كثير من مخطوطاتها، واقتنى نسخة مصورة من كتاب «الإكليل» للهمذاني (في تاريخ اليمن القديم) وأودعها دار الكتب المصرية، وإليه يرجع الفضل في شهرة هذا الكتاب. والحق أن هذا الميدان من ميادين تفوق أحمد زكي يستحق أن نتوقف عنده لنلقي عليه بعض الضوء الذي لا بد منه في تصوير نشأة جانب حضاري مهم في الثقافة العربية الموسوعية. فقد كان هو وأحمد تيمور باشا أبرز نموذجين للنبلاء الذين عرفوا بالولع بالكتب وجمعها واقتنائها وإهدائها في النهاية للوطن، وبقدوته في هذا المجال لعب دورا كبيرا في نشأة المكتبات الخاصة وفي دعم المكتبة الوطنية (دار الكتب) على وجه العموم. . وقد ضمت مكتبته الفريدة نوادر قيمة من المطبوعات والمخطوطات النفيسة، والمستنسخات بالقلم أو بالتصوير الفوتوغرافي المتاح في ذلك العصر .

في صعيد سابع كان أحمد زكي باشا من رواد تحقيق التراث، وهو صاحب فكرة إنشاء كيان مسئول ومختص بإحياء الكتب العربية القديمة

ومن الجدير بالذكر والفخر والإعجاب أن أحمد زكي باشا كان يخصص نصف راتبه الشهري لشراء الكتب، والنصف الثاني لسائر حاجاته، وكان يتابع أخبار الوفيات للبحث عن الأعلام الذين لهم مكتبات، فما أن تصفى أي تركة حتى يشترى منها ما يستطيع .

ـ اقتني مكتبة البرنس محمد إبراهيم .

ـ اقتني مكتبة جبرائيل بك المجلع عام 1914م بما قيمته 300 جنيه ذهبا .

ـ اقتني مكتبة محمد بك واصف النفيسة، وقد كلفته نحو ألفى جنيه .

ـ اقتني مكتبات على باشا إبراهيم (الأول) وزير المعارف، والشيخ رضوان العفش، وحسن حسني باشا.

و على صعيد مواز ظل أحمد زكي باشا يسعى وراء غايته كلما ذهب إلى أوروبا في مهمة علمية .

– عندما سافر إلى أوروبا أول مرة (1892) اقتنى مجموعه ضخمة من الكتب الأوربية المعنية بالشرق العربي .

– وفي زيارة للآستانة (1904) استطاع أن يحصل على عدد كبير من الكتب المطبوعة والمخطوطات.

– وفي 1909 زار الآستانة وزار مكتبة السلطان في قصر أندرون بطبقو سراي، ونسخ منها بالفوتوغرافيا عددا من ذخائر المؤلفات العربية.

– وفي دمشق استطاع بمساعدة أصدقائه ومعارفه أن يجمع مجموعة قيمة من الكتب المطبوعة والمؤلفات .

كذلك فقد استحضر عشرات الكتب من الهند والعراق.

ولم يتوقف أحمد زكي باشا عن استحضار المستنسخات وكانت في ذلك الوقت بطريقة الصور الفوتوغرافية.

 

على أن الأهم من الاقتناء والتجميع أن أحمد زكي باشا استوعب ما في خزانته من مصادر وراجعها وعلق على هوامشها، وفهرسها في جزازات (كروت ) مرتبة على حروف المعجم، كل طائفة منها على حسب الفن أو الباب الذي يرجع إليه، وقد خرج بمكتبته أو خزانته عن حدود الفردية فأتاحها للآخرين حتى أصبحت الخزانة مرجعا لمن يريد أن يعد بحثا، سواء كان من الغربيين أو الشرقيين، وقد كان المفكر العربي الكبير الأستاذ محمد كرد على معجبا بهذه المكتبة وقد زارها وكتب عنها مقالة في مجلة «المقتبس» عام1912 ذكر فيها أن المكتبة تستحق أن تكون مرآة يرى فيها الطالب معارف الشرق وعلومه، سواء كانت من نفثات الشرقيين العرب مسلمين أو غير مسلمين، أو من قرائح الإفرنج. وسوف نعود إلى تناولما تعرض له جهده في تأسيس وجمع وترتيب مكتبته ومصيرها وصراعها مع البيروقراطية بعد أن نفرغ من تعداد ميادين تفوقه ومؤلفاته .

التحقيق

في صعيد سابع كان أحمد زكي باشا من رواد تحقيق التراث، وهو صاحب فكرة إنشاء كيان مسئول ومختص بإحياء الكتب العربية القديمة، وقد تولى بنفسه تصحيح ومراجعة عدد من الكتب التي طبعتها الحكومة المصرية، ومن الإنصاف أن نشير إلى أنه استصدر من مجلس الوزراء مواقفه على مشروع لإحياء الأدب العربي في 24 أكتوبر 1910 وقد اعتمد له المجلس (9392) جنيهًا على أن تصدر الكتب المحققة بإشراف دار الكتب المصرية .

 

ويذكر له أنه حقق لابن المقفع كتابيه الشهيرين: الأدب الصغير والأدب الكبير كما حقق للكلبي كتابيه: الأصنام، وأنساب الخيل، وحقق للجاحظ كتابه «التاج في أخلاق الملوك» وحقق لابن مسكويه: «تجارب الأمم» كما حقق لابن فضل الله العمري: «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار». وللصفدي نكت الهميان، وحقق بعض أجزاء «نهاية الأرب» للنويري، ويتصل بهذا الجانب من إنجازه أنه عُني بكتابة وترجمة بعض الكتب في القضايا الحضارية التي تناولها بقلمه، ومن هذه الكتب: «نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام»، كما نشر كتابا بعنوان «ذيل الأغاني» .

كان أحمد زكي باشا صاحب تفكير حضاري رائد يؤكد توجهاته بخطوات إنشائية على أرض الواقع على نحو ما خبره من عناية الأوربيين بإثبات انتماءاتهم والتوكيد عليها

أدب الرحلات والأدب الجغرافي

ويأتي إسهامه في أدب الرحلات ليضيف إليه مجدًا ثامنا فقد كان رحالة كاتبا، وكتب كتبا من وحي رحلاته العلمية وغير العلمية، منها: «الدنيا في باريس» وقد نقلت عنه بعض النصوص في كتبي الثلاثة عن باريس التي نشرتها في ٢٠١٥، و«السفر إلى المؤتمر» عن رحلته إلى مؤتمر المستشرقين، وله مخطوط «عجائب الأسفار في أعمال البحار»، وكان حريصًا على أن يسجل انطباعاته عن المدن التي يزورها، كما كان ينشر مقالات عن هذه الرحلات في الصحف المصرية. »، وعلى سبيل الإجمال فإنه زار بعض العواصم مرتين: روما وباريس ولندن ولشبونة. كانت لأحمد زكي باشا جولات في بلاد العروبة، وقد زار بلاد الشام وكتب عنها خواطره في فصول مطولة، ويتصل بنبوغه في أدب الرحلات ما كان له من اهتمامات جغرافية موسوعية وهو الذي ترجم عن اللغة الفرنسية «مصر والجغرافيا»، كما ألف "قاموس الجغرافيا القديمة " كما تعددت بحوثه في تصحيح الأعلام الجغرافية والأسماء ونحوها، وبعض التراجم وأسماء الشوارع، ولاسيما أعلام الأندلس العربية الأصل المحرفة الآن.

فكرة العروبة

ونأتي إلى الميدان التاسع أو الميدان الكبير المتوج الذي أعطاه لقبه المشهور به وهو لقب شيخ العروبة، وربما يصدق القول بأنه كان الداعية الأول للتمسك بفكرة العروبة، حتى لو لم تكن دعوة العروبة مرتبطة بفكرة القومية العربية، وربما كان توجهه العروبي أرقى من توجه أصحاب القومية العربية التالين له. ولا جدال في أن أحمد زكي كان من الأوائل الذين عبروا صراحة وفعلا عن تشبعهم بمجد العروبة والإسلام، وفي الحقيقة فإنه كان سابقا على عبد الرحمن عزام في الدعوة إلى إيجاد كيان يعنى بقضايا العروبة ويعبر عنها، فقد تولى بنفسه إنشاء «الرابطة الشرقية» بعد تقاعده، وكان اللفظ في ذلك الوقت مستخدما للدلالة على الشعوب التي ترتبط بنا بالإسلام أو العروبة أو بهما معًا، وكان يصرح بوجهة نظره في أهمية الرابطة الشرقية وفكرتها بأن في توجهه إلى الشرق والعروبة وضعا لمصر في زعامة الشرق بديلا عن اللحاق بالغرب في ذيله، ونظرا لحماسه الشديد لهذه الفكرة فقد لقب بشيخ العروبة، وهو اللقب الذي عرف به منذ ذلك الحين وحتى الآن.

 

وعلى المستوى المعرفي فقد عُني بجمع تاريخ العرب في كتاب «تاريخ المشرق»، واهتم بالكتابة عن أمجاد العرب في التأليف من خلال كتابه «موسوعات العلوم العربية». وقد آثر بعد أن لقب بشيخ العروبة أن يلبس العقال والعباءة كشيوخ العرب، وقد فتح بيته للزائرين في كرم نادر، وأصبح بيته دارًا لاستقبال والتقاء الزائرين العرب وأدباءهم، وكان يحتفل بهم احتفالات باذخة، يجمع لها وجوه الحياة السياسية والاجتماعية مما قوى من روابط التعارف ونقل فكرته إلى حيز فعلي، ومكن لها بأفضل الوسائل.

المساجد والأضرحة

وفي هذا الإطار كان أحمد زكي باشا صاحب تفكير حضاري رائد يؤكد توجهاته بخطوات إنشائية على أرض الواقع على نحو ما خبره من عناية الأوربيين بإثبات انتماءاتهم والتوكيد عليها، وفي هذا الصدد فقد دعا إلى ترميم المسجد الأقصى في القدس، وإلى بناء أضرحة لابن خلدون في مصر، وأبي الفداء في حماة، والمعري في المعرة.

عقد الصلح بين ملكي السعودية واليمن
ومن الإنجازات الرائعة في حياة أحمد زكي باشا رجل الفكر والأدب أنه كان من الذين توسطوا لحل الخلاف بين الملك عبد العزيز أل سعود وأئمة اليمن وهي جهود عظيمة ومخلصة تحتاج إلى توثيق تاريخي يحفظ للرجل دوره العظيم.

حبه للكتابة الصحفية

وبالإضافة إلى هذا كله كان أحمد زكي باشا كاتبا دؤوبا، وقد كانت له مقالات شبه يومية في الصحف المتعددة وكان دائم الكتابة في الأهرام والهلال والمقطم. وقد لمح الأستاذ محمد سعيد العريان في كتابه عن «حياة الرافعي» إلى أن مصطفى صادق الرافعي كان يساعد شيخ العروبة في كتابة بعض مقالاته، لكن الأستاذ محمد رجب البيومي في كتابه «النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين» دحض هذا التلميح تماما بأدلة قاطعة.

كتبه المؤلفة باللغة العربية

– ابن زيدون أو صفحة من مجالس الأنس في ليالي الأندلس، القاهرة، 1914م.

– أربعة عشر يوما سعيدا في خلافة عبد الرحمن الأندلسي، مصر، 1303هـ.

– الترقيم في اللغة العربية، القاهرة، 1912م.

– تقرير مرفوع لناظر المعارف عن مدرسة المعلمين الناصرية، [نشير هنا إلى ما هو غير معروف من أن هذا كان هو الاسم الذي أطلق على دار العلوم في فترة من الزمن] مطبعة نظارة المالية.

– الحضارة الإسلامية (أو دروس في الحضارة الإسلامية)، مصر، 1911م.

– خلاصة وجيزة على مباحث وأعمال لجنة إصلاح وتحسين الحروف العربية، المطبعة الأميرية، 1903م.

– الدنيا في باريس، 1900م.

– ذيل الأغاني، بهذا الاسم ذكره الزركلي وسماه أنور الجندي (ملحق الأغاني)، وذكر أنه لم يتمه.

– السفر إلى المؤتمر، بولاق 1894م، والمقتطف 1893م.

– عجائب الأسفار في أعماق البحار، ذكره الزركلي وذكر أنه لم يطبع.

– قاموس الأعلام الأندلسية، ذكر أنور الجندي أنه لم يتمه.

– قاموس الأعلام القديمة.

– قاموس الجغرافية القديمة (بالعربي والفرنسي)، مصر 1317 هـ/ 1899م.

– وصف مجالس المعددات والنائحات.

– المذكرات الجغرافية للمدارس الثانوية، بالاشتراك مع حسن على البدراوي، مطبعة محمد الوراق، 1912.

– معجم الكلمات الكلية.

– معجم الكلمات المضعفة.

– مفتاح القرآن.

– ملخص الخطبة التي ألقاها بلندن في 8 من سبتمبر سنة 1892 في جلسة مؤتمر المستشرقين الدولي التاسع (عربي وفرنساوي)، بولاق، 1892.

الكتب المكتوبة باللغة الفرنسية

– بيان الوسائل الموصلة إلى إحياء الآداب العربية بالديار المصرية.

– الطيران في الإسلام.

– علاقة المصريين مع الأندلسيين.

– نقد العهدة النبوية الموجودة صورتها في دير الطور.

الكتب المترجمة

– تاريخ المشرق في الأزمان القديمة، نشر أولا في المقتطف 1899م، ثم في الهلال 1916: مختصر مترجم عن تاريخ ماسبيرو طبعة بولاق.

– رسالة في المعارف العمومية بالديار المصرية، وبيان ما يلزم إدخاله فيها من الإصلاحات الضرورية: عهد محمد سعيد باشا، مصر 1305 هـ (وهي الرسالة التي تعرف على أنها تقريره عن التعليم في مصر، أو حالة التعليم في مصر).

– الرق في الإسلام. ترجمة لرسالة أحمد شفيق باشا، بولاق 1309 هـ، ونشره أيضا في الهلال 1916، 1934.

– مرجريت أو غادة الكاميليا، رواية، لجنة التأليف والترجمة والنشر 1914م، المكتبة الجارية 1920م.

– مصر والجغرافيا للدكتور فريدريك بنولا بك، بولاق 1310 هـ، الهلال 1916م.

– قبيل الإعدام ـ رواية.

– نتائج الإفهام في تقويم العرب قبل الإسلام، دار الكتب.

في ميدان التحقيق

– الأدب الصغير، لابن المقفع.

– الأدب الكبير.

– الأصنام، لهشام بن محمد الكلبي، المطبعة الأميرية 1914، دار الكتب المصرية1924، 1928م، 1998.

– أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها، لهشام بن محمد الكلبي، ط 2، دار الكتب المصرية 1946.

– التاج في أخلاق الملوك المنسوب للجاحظ.

– التبري من معرة المعري.

– تجارب الأمم، لابن مسكويه.

– مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، لابن فضل الله العمري، الجزء الأول.

– معجم الخريطة التاريخية للممالك الإسلامية لأمين واصف، مطبعة المعارف1912، 1916.

– نكت الهيمان في نكت العميان، للصفدي.

– نهاية الأرب، للنويري حقق أجزاء منه.

كيف حاربت البيروقراطية المصرية هدف أحمد زكي باشا النبيل

وربما كان من المهم أن نستعرض هنا نموذج البيروقراطية المصرية القاتلة في معاملة التراث الوطني الحديث، على نحو ما حدث مع مكتبة أحمد زكي باشا، وسنلخص قصة الحكومة في المكتبة وقصة المكتبة مع الحكومات المتعاقبة في نقاط متوالية.

· وافق مجلس النظار على طلب أحمد حشمت باشا ناظر المعارف في أكتوبر سنة 1910 بتخصيص مكان خاص لأحمد زكي باشا في دار الكتب المصرية وإعطائه رخصة دائمة.

·  ظلت الخزانة مفتوحة الأبواب كل يوم من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى منتصف الليل في دار الكتب يتوافد عليها الطلبة الباحثون ويستفيدون منها .

· كان أحمد زكي باشا لا يألو جهدا في توسيع نطاقها والعمل على نموها باقتناء الكتب المطبوعة والمخطوطات حتى أصبح المكان على سعته يضيق عن هذه الزيادات المتتالية.

· رأى أحمد زكي باشا من أجل تعميم النفع، وقف أرض تبلغ مساحتها 1500 متر مربع يمتلكها في جهة المنيرة، حيث تكثر المدارس التابعة لنظارة المعارف (مدرسة المعلمين الناصرية، ومدرسة الطب، والصيدلة، ومدرسة المساحة وغيرها، ) وأراد أن يقام على هذه الأرض مبني لتلك الخزانة وتكون هي وما عليها من البناء وقفا لعموم طلبة العلم، بحيث تكون له النظارة عليها مدة حياته، وتكون بعد وفاته مشمولة بنظر ديوان عموم الأوقاف مستقلة بنفسها وقائمة بذاتها .

· وافق مجلس النظار على الترخيص لنظارة المعارف في نقل الخزانة إلى الدار التي تبنى لها في قطعة الأرض التي تبرع بها صاحبها من أجل هذا الغرض، وذك عقب إتمام البناء وتسجيل الوقفية .

· في أغسطس عام 1913 بدأت حملة دشنتها «الأهرام» لتقريظ العمل.

نقل المكتبة من دار الكتب

على أن الأمور لم تمض في سلاسة إذ حدث ما عكر صفو العلاقات بين الحكومة وأحمد زكي باشا، ومن ثم تأثرت المكتبة العظيمة بنزاعات صغيرة: وقع خلاف بين أحمد زكي باشا والحكومة عام 1921، فطلب إليه نقلها من دار الكتب، فأوقفها وقدمها هدية للأوقاف، وحرر الوقفية في 21 من أغسطس 1921م في محكمة مصر الشرعية واشترط عدة اشتراطات منها أن يكون مقرها مدرسة السلطان الغوري، وأن تبقى مستقلة باسم «الخزانة الذكية» فلا تضاف إلى دار كتب أخرى، أو مدرسة ما، وأن تكون المطالعة في قبة الغوري، لكن وزارة الأوقاف لم تكن بطبعها مهيأة لمثل هذه المهمة، فأضافتها إلى قسم المساجد، ولما هطلت الأمطار في ديسمبر 1925 كادت المكتبة تغرق لولا أن الحارس استعان بمهندس لجنة الآثار العربية.

 

ظلت مكتبة شيخ العروبة هكذا حتى صدر قرار وزير الأوقاف في ديسمبر 1935(في ذلك الوقت الذي كان وزيرها هو المثقف الكبير المستشارعبد العزيز محمد باشا) بنقلها من قبة الغوري إلى دار الكتب المصرية، وظلت حبيسة مهجورة في الغرفة رقم 18 من مبنى دار الكتب بالقلعة. انتقلت الخزانة بعد ذلك، وحفظت مع المكتبات الخاصة الأخرى في الطابق الثامن بمبنى دار الكتب على كورنيش النيل ثم سرى عليها ما سرى على المكتبات الأخرى من تجليات مفسدة لرؤساء دار الكتب في عهد البيروقراطية والمظهرية

بناؤه لمسجده

وقد شغل أحمد زكي باشا نفسه في سنوات حياته الأخيرة ببناء مسجد عظيم في الجيزة يحمل اسمه، وقد جمع له من فنون العمارة والزخرفة ما عبر عن ذوقه وعطائه وحبه للإسلام وحضارته وفنونه.

وفاته وتكريمه

لا يزال ذكر أحمد زكي يحظى بالتكريم، والتقدير له، ولمؤلفاته، ومترجماته، ومكتبته وريادته وجهوده. وقد نال كثيرا من التقدير، وفي زيارته لإسبانيا التقى بالملكة كريستينا الوصية على العرش، ونال منها وسام إيزابيلا. وقد كتب الأستاذ أنور الجندي كتابا عنه بعنوان «أحمد زكي الملقب بشيخ العروبة»، صدر في سلسلة «أعلام العرب» سنة 1966م.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة