عامٌ على مجزرة الخرطوم.. وعدالةً عاجزة

تظل تلك الطُرقات التي أمام مبنى القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة بمنتصف العاصمة السودانية الخرطوم، والتي برغم محدودية مساحتها الجغرافية، ذات عبق تاريخي ومذاق معنوي راسخ في الأذهان، فهي تَحظى بطابع خاص وكينونة عظيمة وذكرى لا تنسى لما لها من دورٍ عظيم ألا وهو ثورة ديسمبر وإسقاط البشير، فرمزية القيادة العامة بدأت في نهار السادس من أبريل من العام الماضي عندما احتشد المتظاهرون في تلك الساحة، مطالبين فيها القوات المسلحة بالانحياز لهم وإسقاط النظام؛ فبدأ المتظاهرون بالاعتصام منذ اليوم الأول وإلى أن تحقق لهم ما أردوا في صبيحة 11 أبريل، عندما انحازت اللجنة الأمنية لنظام البشير نفسه للشارع وقررت أستلام السلطة والتحفظ على رأس النظام.

 

في صباح التاسع والعشرين من شهر رمضان المحرم 1440هـ، الموافق الثالث من حُزيران (يونيو) 2019م، استيقظت الخرطوم على أبشع حادثة ومجزرة بشرية في تاريخ السودان الحديث وهي ما عُرفت محلياً وعالمياً بفَضَّ اعتصام القيادة العامة، فقد استباحت قوات عسكرية قوامها ثلاثة ألف جندي مدججة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة أرض الاعتصام بهدفِ فَضَّه وإخلائه من المعتصمين، مستخدمة القوة المميتة من ضربٍ وسحلٍ وسحقٍ بالسلاح والعصى، وكان لها ما أردت في زمنٍ وجيز مخلفة ورائها مئات من القتلى والجرحى والمفقودين.

 

هذه الحادثة نَافَتَ كل الأعراف السماوية والقوانين الوضعية التي عظمت من حرمت الدماء وسفكها، تلك الجريمة التي يندى لها جبين الإنسانية كانت في أعظم الأيام عند الله تعالى! في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المحرم وأمام مبنى قوات الشعب المسلحة المنوط بها حماية هؤلاء العُزَّل الذين احتموا بها؛ تلك المجزرة نددت بها وأدانتها الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الدولي في الخارج والداخل وحمَّلتها للمجلس العسكري بقيادة البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو حميدتي علماً بأن الأخير في لقاء متلفز اعتراف ضمنياً بأنهم كقادة عسكريين أمروا بفض الاعتصام وهو ما أكد عليه أيضاً النطاق باسم المجلس وقتها شمس الدين الكباشي في اللقاء الشهير بـ "حدث ما حدث".

بعد تلك المجزرة أوقفت قوى الحرية والتغيير التي يشار إليها اختصاراً بـ "قحت" الحوار مع العسكريين الخاص باقتسام السلطة والتتريب لها، وطالبت بالتصعيد الشعبي والعصيان المدني احتجاجاً على تلك المجزرة والضغط على المجلس العسكري حتى يتنازل لها عن السلطة، ولكن سرعان ما تراجعت تلك القوى من موقفها الرافض للحوار وبعد جدال ووساطة إقليمية أفضى ذلك الحوار الثنائي إلى تشكيل حكومة مدنية شكلتها أحزاب "قحت" التي ظلت تتبنى وتتحدث باسم الثورة والثوار، هذا الحوار استند إلى وثيقة دستورية أكدت على محاكمة مرتكبي مجزرة القيادة العامة وغيرها من الانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ فجر التغيير، وبناءً على تلك الوثيقة تم تشكيل لجنة قانونية بقيادة المحامي نبيل أديب بذات الخصوص.

 

وفي خضم الأحداث التي أعقبت تلك المجزرة ظلت هنالك اتهامات متبادلة بين المجلس العسكري و"قحت" التي حاورته على اقتسام السلطة، فقد ذكر أعضاء المجلس في أكثر من مناسبة أن فض الاعتصام تم بموافقة وتوقيع "قحت" وهو ما أكدته بعض الشواهد حيث أن بعضاً من مكونات قحت سحبت عضويتها قبل تلك المجزرة بساعات معدودة، تلك التحركات التي تؤكد تواطؤَ ومشاركة أحزاب "قحت" مع العسكريين في فض الاعتصام تنبع من فقدان تلك الأحزاب السياسية السيطرة على أرض الاعتصام وزمام المبادرة فيه، حيث ناشدت تلك الأحزاب المعتصمين في أكثر من مرة الالتزام بحدود الاعتصام الأولى وعدم إغلاق الطرقات التي بمحيطه وعدم استفزاز عناصر الجيش التي تعبر من أمامهم إلى مبنى القيادة العامة، تنفيذا لرغبة المجلس العسكري الذي ندد بتلك الأفعال بل وصفها بالظواهر السالبة والتفلتات الأمنية التي يجب حسمها، ولكن تلك المناشدة لم تجد أذناً صاغيةً من قِبَل المعتصمين.

 

بعد أكثر من سبعة أشهر من تكوين اللجنة المعنية بالتحقيق في تلك المجزرة وتحقيق العدالة والاقتصاص لأسر الضحايا، ظلت تلك اللجنة عاجزة عن الوصول إلى أهدافها التي كونت من أجلها، بالرغم من توفير الأدلة الجنائية المتمثلة في مجموعة من مقاطع الفيديو المسربة للجناة أثناء تنفيذهم لتلك المجزرة والتي بينت خلفياتهم العسكرية من حيث الزي الذي يرتدونه، وكذلك روايات الشهود والجرحى الذين أكدوا على تلك الانتهاكات الجسيمة – من قتل وضرب والتخلص من الجثث في النيل الأزرق – وغيرها من المشاهد التي تدين العسكر وتجرمهم؛ هذا التماطل والتسويف – ربما المتعمد – من قبل اللجنة في تحقيق العدالة ومعاقبة الجناة، قُوبِل بالرفض والاستنكار من قبل أسر الضحايا والمجتمع المدني في ظل صمت مريب من قبل تلك الأحزاب وحكومتها التي ولدت من رحمها؛ بعض من أسر الضحايا ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما وصفوا تلك الأحزاب بأنها لا تمثل الثورة بل سرقوها مستغلين دماء أبنائهم للوصول إلى السلطة.

 

المتهم الأول بتلك المجزرة وهو الفريق حميدتي وقواته – وذلك بحسب حديث القيادي في الحزب الشيوعي صديق يوسف – قد ذكر في لقائه الشهير بجوبا أن فضّ الاعتصام قامت به جماعات (النيقرز) – وهي مجموعات صغيرة تمارس النهب والسرقة على أطراف الخرطوم – وهو حديث لا يصدقه العقل ولا المنطق ولا الواقع وإنما ينبع من منطلق الهُراء السياسي، فالنيقرز لا يملكون حتى أسلحة بيضاء دعك من ذلك العتاد العسكري من عربات وجنود. بعد مؤتمر حميدتي بجوبا بيومين أقامت قوى الحرية والتغيير مؤتمر صحافياً بخصوص أحداث ما عُرفت بهيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات العامة، في ذلك المؤتمر ذكر إبراهيم الشيخ القيادي في "قحت" أن اعتصام القيادة فضته قوات هيئة العمليات المحلولة بأمر المجلس العسكري بمعاونة أنصار الدولة العميقة، تلك "الشماعة" التي تُعلق عليها "قحت" خيبتها وفشلها في إدارة المرحلة.

حميدتي منذ تلك المجزرة ظل يلعب دور الحامي والحارث والمنقذ لمكتسبات الثورة وحكومتها، وظل يقدم لها الدعم المالي غير المحدود، حتى أن "قحت" وحكومتها قد كافأته بمنصبٍ رفيع عندما أوكلت له رئاسة لجنة الطوارئ الاقتصادية العليا في البلاد في حين أبقت على حمدوك نائباً له، تلك الشراكة الحقيقية بين "قحت" وحميدتي هي صك وشهادة براءة للثاني وقواته من تلك المجزرة، براءة تسابقت عليها تلك الأحزاب في استخراجها له بالرغم من شيطنتها له في السابق، إذ وصفته بمجرم الحرب والشخص غير الكفء للمشاركة في إدارة المرحلة كما جاء على لسان بعض من وزراء تلك الحكومة الحاليين، ولكن لسان حالهم اليوم يقول: "لا يضُرُّ حميدتي ما فعله بعد اليوم".

 

أخيراً، إنني على يقين تام بأن تلك اللجنة لن تحقق العدالة الناجزة المتمثلة في معاقبة الجناة الحقيقين مرتكبي تلك المجزرة من آمِرِين ومنفذين، ولكنها ستسير على نفس الخطة التي رسمها شركاءٌ من العسكر والمدنيين بتصريحاتهم المتتالية، وهي تحميل تلك الجريمة إلى بعض الضباط الذي يوصمونهم بانتمائهم إلى الاسلاميين وهو ما خلصت إليه لجنة سابقة من المجلس العسكري، وهؤلاء الضابط الأبرياء سيقدمون ككبش فداء وقربان لتلك الشراكة بين المدنيين والعسكر، لذا على أسر الضحايا والساعيين على تحقيق العدالة من منظمات المجتمع المدني في الداخل والخارج تصعيد تلك القضية إلى أبعد ما يمكن من تعريف بها وإثارتها على منصات حقوقية عالمية واقليمية حتى يقدَّم هؤلاء إلى محاكم عدالة تقتص للضحايا وأسرهم ولشعارات الثورة نفسها التي جعلت من العدالة ثالث ثلاثة من – حرية، سلام، وعدالة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة