كورونا في البرازيل.. وباءٌ متفشٍّ وأزمة سياسية مستفحِلة!

نظنّ أن الجائحة هي في الأوبئة والكوارث والفواجع والانهيارات بكافة أنواعها وأطيافها. لكن الحق، والحق أقول، لا جائحة أفظع من توسيد الأمر لغير أهله وإسناد المهمات لغير الأكفاء ورفع الأراذل على الأفاضل وتفضيل اللئام على الكرام. فتصور، أيها القارئ العزيز، أن وزارة الصحة البرازيلية الحالية، في أوج جائحة كورونا، ليس فيها طبيب واحد في الصف الأول. فبدء بالوزير، اللواء في الجيش البرازيلي، وانتهاء بطاقم الصف الأول في وزارة الصحة، كلهم عسكر في عسكر، ولا علاقة لهم بالطب ولا بالصحة من قريب ولا بعيد. هذا والبرازيل لديها العراقة في علم الأوبئة والأمراض وفي طب المناطق الفقيرة ولديها ما لديها من كليات طب ممتازة ومراكز أبحاث رفيعة المستوى، وفيها ما فيها من النطاسيين والنحارير ذوي الباع الطويل والخبرة الكبيرة والمهارة الفائقة. هذه هي الجائحة وليست كورونا.

 

فجائحة كورونا في البرازيل هي في صميمها أزمة سياسية عميقة قبل أن تكون وباءً متفشّيًا أو أزمة صحية وطبية. في بدايات الأزمة، في شَهْرَيْ مارس وأبريل من هذا العام، أظهر رئيس الجمهورية جايير بولسونارو استخفافًا واضحًا بالنصائح والوصايا الطبية التي تقول بالحَجرِ المنزلي والتباعد الاجتماعي، وتنادي باستخدام الإجراءات الوقائية كاستعمال الكمامات الطبية والحرص على النظافة والتعقيم.

 

وقد ظهر الرئيس علنًا في غير مناسبة بدون كمامة واختلط بالجماهير في الأماكن العامة وصافحهم. وكانت له كذلك عدة تصريحات مثيرة للجدل، أدلاها لوسائل الإعلام، تظهر استخفافًا بضحايا الوباء واستهانة بأرواحهم ولامبالاة بمصيرهم المفجع. وأظهر كذلك في تصريحاته وتصرفاته إصرارًا شديدًا على رفض إجراءات التباعد الاجتماعي والحَجر الصحي، وكل هذا تحت ذرائع واهية، من بينها، كما زعم، النتائج الاقتصادية الوخيمة لتعطيل دورة الاقتصاد. ولسنا ندري كيف يستطيع المرضى والموتى الإنتاج، فالأصحّاء والأحياء وحدهم هم الذين يدفعون بالاقتصاد إلى الأمام.

 

الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو

وقد أدّتْ نظرة بولسونارو إلى وباء كورونا وسياساته الرعناء إلى إقالة واستقالة وزيريْ صحة من حكومته في أقل من شهر. وبالمناسبة، الوزيران المبعدان هما طبيبان من الرافعة السياسية التي جاءت بالرئيس بولسونارو إلى السلطة في انتخابات العام ٢٠١٨ الرئاسية والبرلمانية. الأول هو انريكي مانديتا أقاله الرئيس في ١٦ أبريل، بسبب -ويا للمفارقة العجيبة- أدائه الجيد وبلائه الحسن وقيادته الحكيمة لوزارة الصحة في ظل أزمة وباء كورونا، فكان يأخذ على محمل الجدّ سياسات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي. والوزير الثاني هو الطبيب نيلسون تايش الذي استقال في ١٥ مايو، أي بعد أقل من شهر على استلامه الحقيبة الوزارية، على خلفية خلافات عميقة في وجهات النظر، بينه وبين رئيس الجمهورية، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير فيها الخلافات حول استخدام عقّار كلوروكين في علاج إصابات كورونا، وهو الأمر الذي رفضه الوزير الطبيب تايش بحزم، في حين أن الرئيس بولسونارو دافع عنه باستماته، رغم افتقاره للمؤهلات العلمية والطبية للإدلاء برأي تقني في هذا الشأن.

 

والنتيجة أننا اليوم، في البرازيل، في حالة لا نُحْسَدُ عليها أبدًا، فالبرازيل قد أصبحت الدولة الثانية عالميًا في عدد الإصابات والوفيات على حدٍّ سواء، ووزارة الصحة منذ ١٥ مايو هي فعليًا بلا قيادة، إذ يترأسها وزير بالوكالة، لا علاقة له بالطب ولا بالعلم ولا بالصحة، ولكنه لواء في الجيش البرازيلي، والصف الأول من موظفي وزارة الصحة مؤلف بأكمله من العسكر ولا يوجد فيه أي اختصاصي في الطب وفي علوم الأوبئة والأمراض وفي التخطيط الصحي.

 

منذ بداية أزمة كورونا، كانت أولوية الرئيس البرازيلي الحفاظ على الدورة الاقتصادية والدفاع بشراسة عن مصالح رأس المال وكبار المتمولين، دون الاكتراث بمصير عامة الشعب، مع إظهار استخفاف شديد بضحايا الوباء المتفشّي. وكان هذا الأمر السبب في سجال عنيف بينه وبين معظم حكّام الولايات ورؤساء البلديات (حتى من المنتمين لنفس الخط السياسي للرئيس) الذين واجهوه وأخذوا على عاتقهم مهمة فرض إجراءات الحَجر الصحي والتباعد الاجتماعي. ولكن تعنّت الرئيس عرقل بشكل كبير سياسات حكّام الولايات ورؤساء البلديات، إذ كان القدوة السيئة لعامة الشعب في الاستهزاء بالإجراءات الوقائية والاحترازية، مما دفع كثيرين للاقتداء به، وخاصة بين أنصاره.

فرئيس الجمهورية في جمهورية البرازيل الإتّحادية هو رمز البلاد وكلمته لها وزن وتأثير، سواء سلبًا أو إيجابًا، وجزء من الناس يقتدون بمواقفه وتصرفاته، لو مهما بدت مستغربة ومستهجنة ومنافية لتوصيات الأطباء والعلماء والخبراء والاختصاصيين ومناقضة لصوت العقل والحكمة. أما اليوم، وبعد مرور أكثر من مئة يوم على إجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، التي اتّخذها حكّام الولايات ورؤساء البلديات، بدأ الجميع، بمن فيهم حكّام الولايات ورؤساء البلديات أنفسهم، بالرضوخ للضغوط الاقتصادية. فبدأت الأسواق بالعودة تدريجيًا إلى النشاط، وأخذت الدورة الاقتصادية الطبيعية تعود شيئًا فشيئًا إلى الحياة. وهذا له نتائجه الكارثية على تفاقم جائحة كورونا وعلى تزايد أعداد الإصابات والوفيات.

 

ومن سِمات الأزمة السياسية المستفحلة في البرازيل التدخل المستمر للسلطة القضائية في قرارات السلطة التنفيذية. فالمحكمة الإتّحادية (أي الفدرالية) العليا قد تدخلت غير مرة لنقض وإبطال قرارات رئيس الجمهورية بشأن جائحة كورونا، وهذا سببه، بلا شك، الفراغ الناشئ عن القيادة الرعناء والهزيلة والمتخبّطة للرئيس بولسونارو إزاء جائحة كورونا. فعلى سبيل المثال، تدخلت المحكمة الإتّحادية العليا لإرغام الرئيس على استخدام الكمامة الطبية لدى ظهوره في الأماكن العامة بين الناس ولدى مشاركته في الاجتماعات. فصدر عن هذه المحكمة، التي تشكل المرجعية القضائية العليا في البرازيل، حُكمٌ يجبر الرئيس على استخدام الكمامة الطبية، وهو أمر كان بولسونارو يرفضه رفضًا قاطعًا.

 

كذلك أصدرت هذه المحكمة حُكمًا يقضي بإبطال سياسة التعتيم الإعلامي بشأن أعداد الإصابات والوفيات بوباء كورونا، وهي السياسة التي حاول بولسونارو فرضها عنوةً على البلاد. فعادت الشفافية إلى الأرقام والإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة فيما يخصّ وباء كورونا. والمحكمة الإتّحادية العليا ما كانت لتضطر للتدخل في هذه الأزمة (لأن هذا التدخل ليس دستوريا من اختصاصها وإنّما هو مناط السلطة التنفيذية التي يترأسها رئيس الجمهورية) لو أن الرئيس البرازيلي عرف كيف يقود البلاد في هذه الأزمة الخطيرة ولو أنه أصغى لصوت العقل والحكمة والحنكة، ولو أنه لم يظهر استخفافًا متكرّرا بالتوصيات الطبية واستهزاءً متعنّتًا بالعلم والثقافة.

 

ولو نظرنا إلى البرازيل بمنأى عن قيادتها السياسية اليوم، ولو أخذنا بعين الاعتبار دستورها (الذي يضمن حق مجّانية الطبابة والاستشفاء لجميع المواطنين والأجانب المقيمين على أراضيه) وإمكانياتها وتجهيزاتها الطبية والاستشفائية ونظام رعايتها الصحي، لوجدنا أنها بلاد تتمتع بظروف أقل ما يقال فيها أنها تخوّلها لمواجهة وباء مثل كورونا أو غيره بطريقة أفضل بكثير مما نراه ونعاينه، ولما صدّقنا أنها تمر بهذه الأزمة المستفحلة التي تعتبر من الأسوأ في تاريخها برمّته. فهذه البلاد التي تشّكل مثالا سيئا للعالم اليوم، لطالما كانت مرجعية ومثالا يحتذى به في الكثير من الحقول الطبية والعلمية وفي ريادتها في طب الأرياف والمناطق الفقيرة وفي علوم الأمراض والأوبئة وفي برامجها الطبية والاستشفائية والصحية الموجّهة لعامة الشعب بفئاته المحرومة والمهمَّشة والمستَضعَفة.

فأزمة كورونا في البرازيل ليست أزمة تجهيزات ومعدّات وموارد ومراكز ابحاث وجامعات وكوادر بشرية مختصة ومهيئة تقنيا وعلميا وأصحاب مهارات وكفاءات، فإمكانيات هذه البلاد إن لم تكن ممتازة طبيا وصحيا فإنها، على الأقل، وبلا أدنى شك، جيدة ومقبولة. والأزمة في عمقها وصميمها هي أزمة سياسية وإدارية وأزمة إرادة سياسية. لُبُّ المشكلة وبيت القصيد هو في توسيد الأمر لغير أهله، وفي إقصاء أهل الخبرة والاختصاص والمعرفة والكفاءة، وفي التغييب المتعمَّد للأطباء والعلماء والمثقفين عن دوائر صنع القرار في وزارة الصحة خصوصا والحكومة عموما، وفي إسناد الأمر كله للعسكر، غير المؤهَّلين بتاتًا لتولّي هذا الأمر، والذين بينهم وبين العلم والثقافة بَوْنٌ شاسع، وبينهم وبين الطب مسافة قصيّة.

 

فتوكيل الأمر لغير أهله هو بيت الداء وأصل البلاء ومنبع الوباء. وهذا يؤدّي إلى نتائج كارثية في ازدياد أعداد الإصابات والوفيات بوباء كورونا وفي إهدار المال العام. وهذا كان تشخيص هيئة من صُلْبِ الدولة البرازيلية، وهي محكمة المحاسبة الإتّحادية، وهي جهاز رقابي تابع للدولة البرازيلية، والتي أصدرت مؤخَّرًا تقريرًا تقول فيه أن غياب الاختصاصيين وأصحاب الكفاءة عن دوائر صنع القرار فيما يتعلق بوباء كورونا أنه يؤدي إلى نتائج كارثية في ازدياد أعداد الإصابات والوفيات وفي إهدار المال العام.

 

لقد فشل الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو فشلًا ذريعًا ليس في أزمة كورونا المستفحلة فحسب، وإنما في مجمل إدارته لشؤون البلاد منذ توليه رئاستها واستلامه الحكم فيها في الفاتح من يناير من العام ٢٠١٩، إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في العام ٢٠١٨. وهذا الفشل الذريع ليس مستغربا، فخلفية بولسونارو هي خلفية يمينية متطرفة وثقافته ضحلة وكفاءاته هزيلة ومهاراته السياسية ضعيفة وخطابه عنصري استبدادي مقيت. وعلى كل حال، ما كان الأمر ليخفى على ذوي البصيرة منذ الانتخابات التي اجريت في العام ٢٠١٨ والتي جاءت به إلى السلطة. فالوحش كان يُعْرَفُ من مخالبه وأنيابه ولو مهما أخفى ذلك تحت الغلالات والستائر. لكن انعدام صوت العقل وحالة الهستيريا الجماعية التي استحوذت على غالبية الناخبين، بالإضافة إلى الحملة الإعلامية والسياسية الشعواء والشرسة ضد اليسار، كل هذه الأمور أدّت إلى جائحة وصول بولسونارو إلى السلطة، مما قذف بالبلاد في أسوأ أزمة تشهدها في تاريخها الشاب (البرازيل تبلغ ٥٢٠ سنة من العمر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة