كيف استفادت طهران من كورونا للضغط على واشنطن؟

انتظرت إيران دخول الولايات المتحدة الأميركية "كوما" الرئاسة وزحمة الملفات الداخلية، حتى توسع نفوذها بشكل مطرد حول العالم، لكن من خلال النفط هذه المرة، محوّلة فائضها النفطي بسبب جائحة كورونا التي جمّدت اقتصاد العالم بأسره لأشهر عدة، إلى سلاح مواجهة وتحدٍ للولايات المتحدة، فارضة واقعاً سياسياً جديداً أمام أيّ شخصية أميركية محتمل دخولها البيت الأبيض، خلفاً للرئيس دونالد ترامب.

 

لا شكّ أن طهران تراهن على خسارة ترامب الذي مزّق الاتفاق النووي الذي وقعته مع مجموعة "5+1" وأعاد فرض العقوبات على قطاعي الطاقة والخدمات المصرفية الإيرانيين إضافة إلى الحرس الثوري، وذلك من أجل خلق واقع جديد أو أرضية تفاوضية مختلفة، عجز ترامب حتى اللحظة عن جرّ طهران إليها. وعليه، فإنّ إيران التي تتهيّأ لإرسال شحنتين أو ثلاث شهرياً من البنزين إلى فنزويلا لتصريف فائضها المحلي، ربما تكون عرضة لخطر انتقام ترامب بشكل قاسي، في حال أُعيد انتخابه رئيساً لولاية ثانية.

 

وكانت إيران قبل عقود مستورداً صافياً للبنزين، لكنها حققت اكتفاءً ذاتياً العام الفائت مع تدشين المرحلة الثالثة من مصفاتها "نجم الخليج الفارسي" الحديثة، القادرة على تصفية نحو 350 ألف برميل يومياً في ميناء بندر عباس، لكن جائحة فيروس كورونا قلّصت الطلب على النفط عالمياً، وعلى البنزين الإيراني في آسيا وأفريقيا ضمناً (يُقدر بنحو 5 شحنات شهرياً)، فانخفض الطلب عليه إلى نحو 450 ألف برميل يومياً.

 

هذا الواقع دفع بطهران إلى البحث عن أسواق جديدة لفائض البنزين الذي تنتجه ويمدّها بالعملات الأجنبية الأساسية لاستمرارها، فوجدت ضالتها في نداء الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الخاضع للعقوبات الأميركية مثلها، ومدّت له يد العون.

 

 

ومنذ شهر أبريل الفائت، أرسلت طهران إلى فنزويلا 5 ناقلات نفط بحمولة إجمالية 1.5 مليون برميل تقريباً، كما كشفت أنّها تعتزم مواصلة هذه الشحنات مستقبلاً. كما اعتبرت أنّ هذا "قرار إستراتيجي طويل الأجل هدفه توسيع النفوذ" في العالم، مفضّلة بيع البنزين إلى فنزويلا بأسعار زهيدة على إقفال مصافيها لحين عودة الدورة الاقتصادية في العالم إلى طبيعتها، خصوصاً أنّ طهران تعاني على غرار أغلب الدول المنتجة للنفط، من صعوبات في مجال التخزين بفعل الأزمة.

 

ولا يبدو أن طهران كانت متروكة لمصيرها ضمن هذا المسار، إذ اعتبرت أوساط مقربة من دوائر القرار في دولة روسيا الاتحادية، أنّ الإجراءات الأميركية ضد الناقلات الإيرانية المتوجهة نحو العاصمة الفنزويلية كراكاس "غير مقبولة أبداً"، لأن هذه الناقلات نظرها "تجلب الغاز وتوصل مقابله البنزين فقط" وهذا أمر لا يستدعي هذا الاستنفار من الإدارة الأميركية التي تحسب نفسها شريكاً عالمياً في قطاع النفط. وخلصت المصادر إلى أنّ واشنطن "تسعى في المقام الأول إلى تحقيق طموحاتها السياسية في منطقة البحر الكاريبي، وليس إلى تطوير الأعمال في قطاع النفط من أجل التغلب على الأزمة العالمية كما تدعي".

 

وقد حاولت واشنطن منع طهران من مساعدة فنزويلاً بأساليب أخرى وفشلت، إذ كشفت مواقع إيرانية مقربة الحرس الثوري أنّ عروضاً وإغراءات قدمتها واشنطن لقادة الناقلات مقابل لتغيير مسارها من أجل مصادرتها، إلاّ أنهم رفضوا. كما أنّ الحرس الثوري الإيراني لم يخفِ نواياه في استهداف سفن تجارية أميركية في منطقة الخليج العربي في حال اعتراض قوات أميركية للناقلات الإيرانية.

 

لكن يبدو الكلام الروسي مضاف إليه موقف الحرس الثوري، قزّما رد فعل واشنطن، التي اكتفت بإطلاق الوعيد ضد طهران لتدخلها في الشأن الفنزويلي، من دون أن تحدّد نوعية الإجراءات التي قد تُتخذ. وقال متحدث في الخارجية الأميركية "يجب أن يكون مجتمع الدولي على دراية بالخطر القانوني لأي عمليات مع نظام نيكولاس مادورو غير الشرعي والاستبدادي… ليس مفاجئاً أن يتآلف النظام الإيراني شديد الفساد والقمع مع حكومة اللصوص الوحشية في كراكاس".

 

إذاً، المواجهة بين طهران وواشنطن لم تعد مفتوحة فحسب، وإنما تخطّت ذلك للانتشار والتوسّع إلى خارج منطقة الشرق الأوسط، وباتت في عقر دار الولايات المتحدة وضمن القارة الأميركية، لكن زحمة الملفات الداخلية بدأت تُغرق دونالد ترامب في صمته، وتشدّ باهتمامه صوب الداخل. لكن إلى حينه، هل سيرضى ساكن البيت الأبيض الجديد بهذا الواقع الإيراني المستجدّ؟ الجواب مقبلٌ من صندوق الاقتراع الأميركي… فلننتظر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة