شعار قسم مدونات

علي الغاياتي الشاعر الحر الذي بسبب ديوانه شرّد الانجليز أكبر زعيمين وطنيين

الشيخ الشاعر علي الغاياتي 1885 ـ 1956 شاعر عربي فذ من شعراء الوطنية المجيدين، جمع في أشعاره وإسهامه الصحفي، وتاريخ حياته بين الهمة العالية والتاريخ المجيد والسمو الخلقي والتعبير الرائع، ولد الشاعر علي الغاياتي في دمياط في الرابع والعشرين من أكتوبر (1885)، وتلقي تعليما دينيا تقليديا، ودرس في معهد دمياط الديني وفي جامع البحر الشهير الذي كان في ذلك الوقت بمثابة مؤسسة تعليمية عالية المستوي. ترك علي الغاياتي دمياط إلى القاهرة في شبابه بحثا عن عمل في الصحافة، وتواكب هذا مع انتسابه إلى الحزب الوطني بزعامة مصطفي كامل باشا، ولهذا فإنه سرعان ما عمل في جريدة الحزب الوطني واللواء، كما عمل في مجلة «الجوائب المصرية» لصاحبها الشاعر خليل مطران.

 

وفي عام 1910 حين كان لايزال في الخامسة والعشرين أتيح له اللمعان البازغ القوي حين صدر له ديوان «وطنيتي» الشهير، وأوذي هو والزعيمان واللذان قدما لديوانه (محمد فريد، وعبد العزيز جاويش ) بسببه إيذاءً بالغا، أما الديوان فهو شعر وطني وجداني ثوري لم يقدره النقاد حق قدره حتي الآن، لما امتاز به من السهولة الممتنعة التي تستعصي علي التحليل والتأويل، وأصدق ما يقال في شعر هذا الديوان أنه يصدر من القلب كي ينفذ إلى القلب مباشرة، وهو شعر خال من كثير من ضروب المحسنات البديعية، كما أنه خال من التأويلات الفلسفية والسياسية الاصطلاحية، وغير مهتم بالأخيلة والمجازات لكنه في الوقت ذاته شعر مشرق الدباجة بديع السبك حافل بالصدق، والإخلاص، والحب، والوطنية، والمثالية، والإنسانية، والإيجابية، ومعبر باقتدار عن نفس مشرئبة إلى الحق والجمال، مفعمة بالأمل والإيمان.

 

ومن الطريف في هذا الديوان أن عيون الأمن (كالعهد بها كانت ولاتزال) تملك قدرة علي رصد تأثيره الوجداني والسياسي تفوق قدرة النقاد ومؤرخي الأدب الذين ربما تعجبوا من رهبة المستعمر من مثل هذا الديوان! وصاحبه.

قصة ديوان وطنيتي

كتب الشيخ علي الغاياتي دراسات رائعة في ديوانه ضمنها تاريخ الشعر الوطني، في الحضارات المختلفة، وبخاصة في فرنسا الحديثة، وقد شرح معني نشيدها الوطني، وترجم هذا النشيد وغيره، كما أظهرت هذه الدراسات حبه الفائق والعميق للحرية، والتقدم، وسعيه إليهما. وقد استكتب الشيخ علي الغاياتي مقدمتين للديوان كتبهما الزعيم محمد فريد بك الرئيس الثاني للحزب الوطني، والشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير اللواء وبمجرد صدور الديوان نشر صاحب جريدة «المؤيد» الشيخ علي يوسف باشا مقالا كان أشبه ببلاغ إلى السلطات وتحريض علي الفتك بشاعر الديوان، وبكاتبي المقدمتين، مما اضطر علي الغاياتي إلى مغادرة مصر فورا وسرا إلى الآستانة (يوليو 1910)، بينما حكم علي الزعيمين الكبيرين بالسجن بعدما قدما للمحاكمة.

تعلمه الفرنسية وزواجه واستقراره في جنيف

بدأ الشيخ علي الغاياتي حياته في المهجر بأن عمل محررا في إحدي الصحف العربية التي كانت تصدر في الآستانة، لكنه لم يلبث أن قرر السفر إلى جنيف (3 ديسمبر 1910)، وفيها أتم دراسة اللغة الفرنسية دراسة منهجية ومنتظمة ساعدت علي إتقانها خطوبته لسيدة سويسرية هي زوجه التي رزق منها بابن وأربع بنات، وفي جنيف نجح الشيخ علي الغاياتي في إصدار جريدة عربية، وقد استقر في هذه المدينة التي كانت ولاتزال بمثابة موضع فريد في قلب أوروبا، وقد اختار لجريدته اسم «منبر الشرق» بكل ما يوحي به هذا الاسم الذي عبر بتوفيق شديد عن طبيعة الجريدة، وصدر أول أعدادها في 5 فبراير 1922، وظلت تصدر في 4 صفحات، ثلاث بالفرنسية وصفحة واحدة بالعربية كان يكتبها بخط يده ثم يستخرج لها زنكوغرافا لإمكان طبعها، وذلك لعدم وجود حروف عربية في مطابع جنيف، وانتظم في إصدار هذه الجريدة حتي 26 مايو 1937 عندما قرر العودة إلى مصر، وكان من المتوقع أن تقدر سلطت بلاده جهاده من أجلها، وبخاصة الجهد الذي بذله في أعقاب معاهدة 1936، وانعقاد المفاوضات الخاصة بإلغاء الامتيازات الأجنبية في مونتريه، لكنه لم يجد ما يشجعه، فقرر أن يعيد إصدار «منبر الشرق» كجريدة أسبوعية في القاهرة، صدر عددها الأول في 6 مايو 1938، وظلت تصدر بانتظام حتي 17 أغسطس 1956، أي قبل وفاته بعشرة أيام.

نشاطه بعد عودته إلى مصر في ١٩٣٧

وفي القاهرة فتح الشيخ علي الغاياتي صفحات جريدته لأقلام أعلام الإسلام بمن فيهم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وأنشأ لجريدته مطبعة خاصة، وعاش حياة رضية وإن لم تكن مرضية بما يتناسب مع جهاده وموهبته ولغته. وقد كان الشيخ علي الغاياتي صديقا لكثير من وجوه الحياة الثقافية، ومنهم الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية آنذاك، ود. محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية، وفتحي رضوان وزير الإرشاد القومي.

اعتماده على خالقه جل جلاله

لايزال شعر الشيخ علي الغاياتي حتي يومنا هذا قادرا علي التعبير عن المعاني التي نظم فيها، وتحت عنوان «وطني يناجي ربه» يقول علي الغاياتي:

رب أن البلاد أرهقها الظلم    وحاقت بأهلها البأساء

رب أن الصدور أحرجها    الوجد وأودت بحلمها الأرزاء

فتدارك بلطفك النيل حتى    لاتجاري حياة مصر دماء

أفضل قصيدة عن الزعيم مصطفى كامل

للغاياتي قصيدة جميلة جعل عنوانها في الديوان: «مصطفي كامل حياته ومماته»، وهذه هي القصيدة التي قدمها للزعيم عقب إلقاء خطبته التي أعلن فيها تكوين الحزب الوطني (22 أكتوبر 1907)، وأعلن فيها عن المبادئ العشرة لهذا الحزب، ومن الطريف أن هذه كانت آخر خطبة ألقاها مصطفي كامل، كما أن القصيدة كانت أول قصيدة نظمها الشاعر بعد قدومه القاهرة، وقد أهلته هذه القصيدة بصورة «فورية» لعضوية الحزب الوطني، وذلك بعد أقل من شهر من نظمها، وفيها يقول الشيخ علي الغاياتي مخاطبا الزعيم مصطفي كامل باشا:

اصدع بقولك إن أردت مقالا                 فالقوم جندك إن دعوت رجالا

لم تدر مصر سوي حماك تؤمه        فتري به آلامها آمالا

أقبل علي الوطن العزيز بصارم        لا تدرك الأعداء منه كلالا

وانشر به فوق الرؤوس حمية          تحكي حمية صنوه إن صالا

واعمل علي الرشد القويم لأمة          يبغي سواك برشدها إضلالا

 

ويجيد الشيخ علي الغاياتي وصف السطوع المبكر لنجم الزعيم مصطفى كامل باشا في جهاده ووطنيته وما لقيه بسبب هذا التفوق في الزعامة والإخلاص للوطن وذلك حيث يقول :

حسدوك إذ أمسيت بدرا كاملا                 من قبل أن يمسي سواك هلالا

ورأوك تقتحم الصعاب بهمة            لم تر فيما تبتغيه ملالا

وتجادل الخصم العنيد بقوة              حسبوا لها بعد الجدال نزالا

جبنوا لعمرك عن طِلاب حقوقهم             حتي بدا لهم المقال قتالا

هذي سبيلهم التي أولتهمو                 ذل النفوس فسالموا الإذلالا

باعوا المواطن بالمآرب وانثنوا               في كل قول ينشدون نوالا

والمال يذهب بالنفوس مذاهبا            تتبين الأخيار والأنذالا

حسبوا الحمي عرضا من الأعراض         وغرضا من الأغراض أسوأ حالا

تحيته للزعيم محمد فريد

أنشد الشيخ علي الغاياتي في أول أغسطس سنة 1908 قصيدة يحيي بها الزعيم الوطني محمد فريد بك بعد عودته من أوروبا، من أول رحلة له يقوم بها وهو رئيس للحزب الوطني بعد وفاة رئيس الحزب الأول مصطفي كامل رحمه الله:

عاد للنيل فتاه                 بأياديه العميمه

أسعد القطر لقاه              ورعي الله قدومه

جاب أوروبا ونادي          أمم الغرب الحكيمه

شاكيا أعمال قوم             حسبوا مصر غنيمه

جلبوا الشر إلينا               بيد القهر الأثيمه

انتقاده لرأي الشاعر أحمد شوقي في الخضوع للاحتلال

ونأتي إلى القصيدة البازغة التي لم يتردد الشيخ علي الغاياتي أن يهاجم فيها (وبها) الشاعر أحمد شوقي، فقد بدأها بقوله العنيف: يا شاعر الأمراء ويحك، وقصة هذه القصيدة أن «المؤيد» كانت قد نشرت حديثا جري بين مراسل الصحيفة بالإسكندرية والشاعر أحمد بك شوقي وفي هذا الحديث صرح أمير الشعراء لمندوب المؤيد بأن «سمو الخديو لا يستطيع منح الدستور بغير إرادة المحتلين ورضائهم»، وهكذا بدا من حديث أمير الشعراء أنه كان يؤيد مذهب اليأس والقنوط والشك في أهلية الأمة وكفاءتها، مع أن هذا الحديث قد تم في شهر سبتمبر سنة 1908، بينما كانت عرائض طلب الدستور تتري علي الخديو عباس حلمي في ذلك الحين من كل صوب، وقد كان للحزب الوطني وحده من هذه الطلبات ما يناهز الخمسين ألف طلب، وقد تناولت الصحف الوطنية هذا الحديث بما يستحقه من الرد والتقريع، أما هذه الأبيات التي نظمها الغاياتي فقد نشرت بجريدة «الدستور» يوم الأربعاء 23 سبتمبر سنة 1908، وقد اختص فيها شوقي بالخطاب مسميا إياه «شاعر الأمراء»:

يا شاعر الأمراء ويحك هلا تري             في النثر ما في النظم من خطرات؟

إني رأيتك في حديثك شاعرا                  لكن خيالك زائغ النظرات

أبدعت في هذا الحديث فلم يجيء       أحد سواك بهذه الكلمات

وأسأت للبلد الأمين وإنها          لكبيرة من كاتب الحسنات

وعكست آمال العباد وانهم        أولي بنيل العطف والرحمات

هل يرتجي العباس إلا رحمة    للناس بعد شدائد الويلات؟

أو يبتغي في مصر إلا أن يري          شعبا يجد لأشرف الغايات

يا شاعر النيل العظيم أما تري           للنيل إلا أسوأ الحالات

ما كنت أحسب أن مثلك وهو في        شعراء مصر صاحب الآيات

يجني علي الشعب الكريم جناية         ويود أن يبقي مع الأموات

هجومه الشهير على قانون المطبوعات

عندما قررت وزارة بطرس غالي باشا في مارس 1909 إعادة العمل بقانون المطبوعات القديم الذي كان قد وضع في أيام الثورة العرابية كان هذا القرار بمثابة الذروة من التحدي السافر للحركة الوطنية، وقد نظم الشيخ علي الغاياتي هذين البيتين المؤثرين اللذين تضمنا نبوءته لما حدث قبل مضي عام:

لئن قيدوا مني اليراعَ وأوثقوا    لساني             فقلبي كيفما شئتُ ينطق

فلا يأمنوا تلك القلوب فإنها              دماٌء أراها أوشكت تتدفق

سخريته من لورد كرومر

وفيما قبل ذلك فإنه عندما أبعدت بريطانيا لورد كرومر عن منصبه الاستعماري البغيض في مصر نظم الشيخ علي الغاياتي بيتين من الشعر علي لسان لورد كرومر عبر بهما عن حقد هذا الاستعماري وضيقه بنهاية خدمته علي هذا النحو:

خرجت من مصر مقهورا ومرذولا                 وصح أني تركت القصر معزولا

فقمت غيظا وألفت (الكتاب) وفي                    قلبي لهيب إذا ما أذكر النيلا

انتقاده رشدي باشا في توقعه بحبس الزعيمين محمد فريد وعبد العزيز جاويش

ومن أقوي قصائد الشيخ علي الغاياتي تأثيرا في النفوس تلك القصيدة التي خاطب فيها رشدي باشا وزير الحقانية حين تورط في حديث صحفي مع إحدى الصحف الأجنبية وصرح في ثنايا حديثه بترجيح احتمال أن يحكم علي الشيخ عبد العزيز جاويش في القضية التي رفعت عليه بسبب هجومه علي القاضيين بطرس بطرس غالي، وأحمد فتحي زغلول (في الذكري الثالثة لواقعة دنشواي 1909)، وفي هذه القصيدة وجه الغاياتي حديثه مباشرة إلى وزير الحقانية فقال:

حكمتَ فلم تنصف وقلتَ فلم تصب           ورمت مراما دونه الله والناس

وبحت بأسرارِ الوزارة معلنا                   وأبديت ما لم يبد غالي وعباس

فأغضبت في مصر القضاء وأهله            وأرضاك أن يرضي خؤون ودساس

فلاتك بعد الآن للعدل موئلا              فغيرك بعد الآن للعدل حراس

وحارب بسيف الظلم مَنْ شئت بيننا          فغاية ما يفني من الظلم إفلاس

لعمرك ما قصر الدوبارة نافع                 إذا انتبه المظلوم واحتدم الباس

وهيهات أن نخشي وعيدك بعدما                    نهضنا مع الآمال وانهزم الياس

تعاطفه مع باريس في حادثة فيضان السين ١٩١٩

وهذه هي القصيدة التي نظمها الشيخ علي الغاياتي بمناسبة فيضان نهر السين الذي أغرق باريس، وألحق بها الحزن والخوف والجزع، ومن الطريف أن هذه القصيدة جاءت في ديوان «وطنيتي» وكأنها في موقعها الطبيعي، وقد نشرت هذه القصيدة في «اللواء» يوم الخميس 3 فبراير سنة 1910:

ما لقلب السين يضطربُ          وأخوه النيل ينتحب؟

بلغت باريس غايتها               فتولي نهرها الطرب

ودهت مصرا نوائبها        فأصابت نيلها النوب

إن يغض فالوجد مستعر           أو يفض فالدمع منسكب

فهو في حاليه مكتئب        كاد منه الماء يلتهب

زاده شجوا على شجن             ذلك القلب الذي يجب

أيها السين اتئد فلقلد   فاض             منك الويل والحرب

أصبحت باريس باكية             فبكي الأعجام والعرب

إن باريسا وبهجتها                 نعمة الدنيا ولا عجب

أشرقت في الغرب ساطعة       وضياء الشرق مغترب

فلمحنا عند طلعتها                  حجب الأنوار تحتجب

ورأينا في مشارقنا                  نائي الآمال يقترب

وهبتنا من مواهبها                 بعد ما كنا لها نهب

فأعادت عهد مَنّ وهبوا           واعدنا عهد مَنْ طلبوا

وتجلت في منازلنا                  فانجلي عنا بها الغضب

إن في آياتها حكما                  فاض منها العلم والأدب

كيف لا يبكي الأنام لها            ولهم في أرضها نسب؟

تأبينه المؤثر لحسن باشا عاصم

وفي قصيدة «آية العزاء» التي نشرت بالمؤيد يوم الخميس 14 نوفمبر سنة 1907 في تأبين حسن باشا عاصم رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية يصف علي الغاياتي هذا الرجل النبيل وصفا دقيقا مؤثرا فيقول:

هوي من سماء الفضل كوكبها         الأسمى    فلم تر عين بعده في العلا نجما

أغار عليه الموت قبل زمانه                   فغادر منعاه بكل حشا سهما

وراح وأبقي في النفوس عواطفا       أقامت له في كل ذاكرة رسما

ولولا الهدي ما قلت مات وإنما         نأي كرما عن عالم الف اللؤما

رأي عالم الأرواح أولي بنفسه         فجاد بها طوعا ورام لها النعمي

ومن كان ذا نفس بعيد مرامها                 فإني أري هذا الوجود له ظلما

هناك هناء الناس في خير عالم         فلا هي تخشي فيه ظلما ولا هضما  

أولاده

تزوجت بنات الشاعر علي الغاياتي الأربع من كل من د. محمد البهي الذي أصبح وزيرا للأوقاف ومديرا لجامعة الازهر في عهد الرئيس عبد الناصر، ود. مصطفي الحفناوي صاحب الدعوة إلى تأميم قناة السويس وعضو مجلس ادارتها، والشاعر مختار الوكيل، والصحفي محمد علي ناصف الذي عمل مستشارا صحفيا في السفارة المصرية في واشنطن. أما ابنه الوحيد علي علي الغاياتي فقد لقي مصرعه برصاصة طائشة في رحلة صيد بمدينة السويس.

وفاته

توفي الشيخ علي الغاياتي في 27 أغسطس 1956. وكرمته مدينة دمياط بإطلاق اسمه على احدى مدارسها كما فعلت مع الدكتور مشرفة والشاعر محمد الأسمر والشاعر الماحي والدكتورة بنت الشاطئ.