النباتات الطبية علاج الماضي والمستقبل

بعدما عمل التطور والتقدُّم في حياة الإنسان عمله المشهود، لم يكن بيننا وبين الحقيقة الجازمة أن الإنسان مُقبلٌ على إنكار ماضيه أشد الإنكار مفرٌ؛ إذ لم يكتفِ بالعزوف عما عفى عليه وقته، وبات من العسير وجوده بين ما يُشده به، ويتوه فيه، بل قد جاوز حدود ذلك إلى حيث يقف عليه فلا يُقر منه صحيح، ولا يثبت منه فائدة، إنما الضد، يبخسه حقه، وينسب إليه كل تأخر، كأنه قد وُهِب من الحياة ما لا يضعف بالأيام، ولا يفوقه فائق بتغير الزمان، والحق أن النباتات الطبية لباس الماضي، قد ظهرت مع الإنسان مذ ظهر، وأخذت تنمو وتشغل جوانب حياته سنة تلو سنة، وتقوم على العوارض التي تصيبه، والأمراض التي تنزل به بالعلاج والتخفيف، وفي مسلسل التاريخ، الذي لا يعرف السكينة أو التوقف، كانت في طريق التقدم، والتغيير عاملة، تخطو والإنسان نحو المستقبل؛ فيظهر منها الجديد، ويستحدث من القديم ما يقوم على حاجة الإنسان وفق زمانه، فهذه شربة، تروي وتطبب، وتلك خلطة تنزل على الجرح المتفجر كالبركان الثائر، فتخمده، لتعم الراحة ويسود الصفاء.

 

وقتما عاش الإنسان الأول حياته، كانت البيئة المحيطة به هي عالمه الذي يستمد منه كل احتياجاته، وقد برع في التكيف مع معطياتها، وبعدما تعرض للمرض، أخذ يبحث عن علاج فيها، فكانت النباتات التي تشبهه في كثير أول اختياراته، رغم جهله بأسباب المرض، ومع التجريب، والضرورة باتت لها مكانة في حياته، محكومة بتصنيف بدائي بسيط، كغيرها من معطيات عصره، بعدما تكشف له من الأسبابا بعضها، والحضارة المصرية القديمة شاهد على ذلك، ومثلها الهند، والصين، غير أن هذه المكانة قد مضت نحو التغيير طلبًا فب التقدم، والتطور كما اعتادت أن تكون، لأنها صورة الإنسان من حيث اهتمامه بجسده، ومع بداية القرن السادس عشر وسيطرة سحر الكيمياء على الحياة، ظهر اتجاه جديد، يؤصل لمنهج مختلف في التعامل معها والاستفادة منها، ولم يعد الأمر قاصرًا على استخدام الأوراق، والجذور، والبذور، والثمار فحسب، بل أضحت هناك مستخلصات دقيقة، مركزة تفيد في علاج أمراض محددة.

 

والأصل في استخدام النباتات دون غيرها من داخل البيئة، واستئثارها بذلك أنه للنباتات خصيصة ليست تتوفر في سواها، تكمن في قدرتها على تخزين مواد فعالة داخليًا، أو إنتاجها خارجيًا، ولهذه المواد تأثير فسيولوجي على جسم الإنسان، يمكنها من علاج بعض الأمراض علاجًا جذريًا، وتثبيط نمو البعض، وتخفيف حدة البعض الآخر، والحماية من الرابع وتدعيم دفاعات الجسم، ولها دور كذلك عندما تتداخل مع بعض الأدوية، وغالبًا ما يكون هذا الدور بنائي، يعزز من فاعلية الدواء المُصنع، ولكنه قد يكون ضارًا في حالات قليلة، وتشير الأدلة المثبوتة أن النباتات قد زُرِعت بغية التداوي والعلاج منذ ما يزيد عن ستين ألف سنة، وقد ظهرت أول مدرسة للنباتات الطبية في زمن اليونانيين.

حتى بعدما ظهر الجانب الأحدث من صناعة الدواء، ما زالت النباتات الطبية محافظة على مكانتها وصدارتها؛ إذ في الحاضرة تدخل فيما يزيد عن 50000 دواء ومستحضر طبي، وطبقًا لمنظمة الصحة العالمية يستخدمها أكثر من 80% من سكان الكوكب بتفاوت، فضلًا عن ذلك فإن كثيرًا من الأدوية المُصنعة منشأ مادته الفعالة نبات خالص، ومثال ذلك، "الأسبرين" أشهر الأدوية، استخلصت مادته بداية من لحاء شجرة الصفصاف الذي استخدم قديمًا لنفس الغرض، وكذلك دواء القلب المعروف "ديجوكسين" مستخلص من نبات الديجيتال، قفاز الثعلب، وغيرها من الأمثلة التي تثبت حقيقة هيمنة هذا الجانب؛ إذ تمثل الأدوية المستخلصة من أصل نباتي 50 في المائة من إجمالي الأدوية الموجودة، وتقدر عائدات صناعة النباتات الطبية سنويًا بما يزيد عن 12 مليار دولار.

 

وفي المستقبل فإن النباتات الطبية موعودة بمستقبل مشرق؛ إذ يزيد عددها عن نصف مليون (500,000) نبات، لم يُدرس أو يُستخدم منها حديثًا إلا عدد قليل، وليس ببعيد أن نجد في المتبقي منها دواءً فعالًا لأمراض كثيرة، ومع تطور الوسائل الحديثة، يتغير مفهوم التعرف أكثر على المواد الفعالة في كل نبات، والبنية الكيميائية لكل منها، والتأثير عليها، وتبديلها بما يزيد فرصة الإنسان في تخصيل أكبر فائدة وأقل ضرر، بحيث تزداد فرصتها في الهيمنة على صناعة الدواء، بيد أن هذا المستقبل محفوف بالمخاطر، التي تمثل تهديدًا حقيقيًا؛ فالجودة، والتعرض للأمراض، واختلاف المناخ وتغيره، والزراعة غير المدروسة، التي من شأنها أن تحافظ على استدامة هذه النباتات أمور لا بد لها من حل جذري.

 

بعدما وقفنا على ماضي النباتات الطبية وحاضرها ومستقبلها، وقفة لا ميل فيها ولا تفضيل، فإنه غريبٌ أن يخرج علينا من لا يعرفون عنها وعن تاريخها إلا أنها "علاج بالوهم أو الخرافة" ويكيلون في ذمها المقالات والكتب، والواحد منهم لم يدرس عنها وعن علومها التي تُدرَّس في كلية الصيدلة مؤلفًا واحدًا، فكيف للناس أن يسمعوا منهم حرفًا أو أن يقرأوا لهم كلمة، إن النباتات الطبية علم إنساني، ارتبط به منذ وجوده على الأرض، ونمى معه نموًا لا هوادة فيه؛ إذ هو صورة حية من صور الحياة على هذا الكوكب، وإن بقاءه غير مرهون بمكان أو زمان ما دامت السماء الأرض، فضلًا عن مميزاته التي تجعله سيد مساحته الخاصة التي تهتم بمعالجة الأمراض والأعراض الخفيفة إلى المتوسطة، وفي مقالنا التالي سوف نعقد مقارنة بين النباتات الطبية والأدوية المصنعة حتى نقف منها موقفًا سليمًا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة