العلامة الطبيب أحمد البطراوي الذي أثبت بالحفريات أن المصريين ليسوا خليطا من أجناس متعددة

الدكتور أحمد البطراوي (1902 ـ 1964) هو عميد أساتذة التشريح المصريين منذ ازدهر التطور الذي أصابه هذا العلم في بحوثه، وتقنياته، وامتداداته البحثية، وعلاقته بميادين البحث العلمي الأخري، وقد تفرد بين أساتذة الطب والتشريح بالتفوق في علم الانثروبولوجيا أيضا من خلال نجاحه المبهر في دراسة تشريح البقايا البشرية التي عثر عليها في البعثات الأثرية، وهو ما ضاعف من علمه بتطور الجنس البشري علي مستوي التشريح والتاريخ الأنثروبولوجي..

نظريته عن الجنس المصري

علي صعيد تخصصه في علمي التشريج والأنثروبولوجي كان للدكتور أحمد البطراوي جهد رائد وأصيل، فهو الذي تولي تفنيد النظريات الاستعمارية التي كانت تصور أجدادنا القدماء خليطا من الليبيين والقوقازيين والزنوج والمغول والهنود والحاميين والساميين وما إلى ذلك من شعوب، تحدث الدكتور أحمد البطراوي نفسه عن السبب الذي دعاه للبحث في هذا الموضوع حيث قال في كتابه «الجنس البشري في معرض الأحياء»: «ما كنا لنعني بالبحث عن أصل هؤلاء المصريين الأوائل، لأن مثل هذا البحث لا طائل تحته ما دمنا لا نعرف قوما آخرين يعاصرونهم ويمكن مقارنتهم بهم. ما كنا لنعني بهذا لولا أن بعض العلماء مازال حتي الآن يخوض في الموضوع فإن الأستاذ دري وهو خبير معروف في مصر عاصر دراسة البقايا المصرية القديمة منذ عام 1905، وله فيها فضل لا ينكر قد نشر أخيرا في العدد 42 لسنة 1956 من مجلة «علم الآثار المصرية»، وهي مجلة إنجليزية مقالا تناول فيه الموضوع كما يأتي: غير معروف من أين جاء هؤلاء القوم (المصريون من عهد ما قبل الأسرات)، ولكن يوجد علي الأقل بعض الدليل علي أنهم ربما كانوا من سلالة قوم سكنوا ما يسمي الآن بالصحراء الشرقية في وقت كان فيه المطر من الغزارة بحيث أنبت المرعي ما يكفي أغنام وماعز قوم رعاة». وقد نجح الدكتور أحمد البطراوي في مناقشة هذه الآراء مناقشة علمية مستفيضة، وردها بشهادة العلماء الأجانب، وانتصر لرأيه الذي أصبح منذ ذلك الحين هو الرأي المعتمد.

قيمته الجامعية والأكاديمية

كان الدكتور أحمد البطراوي في كلية الطب مثالا للأستاذ الجامعي الرائد والمؤثر، قوي الشخصية، مهيب الجانب، واسع الاطلاع، قادرا على القيادة والتأثير والتعليم، وكان الرئيس القوي لقسم التشريح في قصر العيني، ومن طريف ما يروى أنه كان عديلا لعميد الكلية الشهير الأستاذ أحمد حندوسة ١٩٠٠-١٩٥٨ أستاذ الأنف والأذن والحنجرة الذي يكبره في السن ويسبقه في التخرج لكن قوة شخصية الدكتور البطراوي وعلمه وأدائه كانت تؤهله لمنزلة لا تقل عن منزلة العميد. كانت للدكتور أحمد البطراوي صلات قوية بالمجتمع العلمي في خارج كليات الطب، وكان علي سبيل المثال عضوا في جمعية علم الحيوان المصري، ثم وكيلاً لها. كما كان عضوا منتخبا في أكاديمية العلوم المصرية، وفي المجمع المصري للثقافة العلمية ووكيلاً له، كما كان عضوا في جمعية تاريخ الطب.

اختير الدكتور أحمد البطراوي عضوا في بعثة أثرية لإنقاذ الآثار قبل التعلية الثانية لخزان أسوان، وعهد إليه في هذه البعثة جمع البقايا البشرية التي تكشف عنها الحفائر وقدم تقريرًا علميا ممتازًا عن هذا العمل

عضوية المجمع اللغوي

انتخب الدكتور أحمد البطراوي في سنة 196٤ لعضوية مجمع اللغة العربية وإن لم يطل بقاؤه في المجمع إذ توفي في نهاية لعام الذي شهد انتخابه في بدايته، وكان قد انتخب لعضوية المجمع في الكرسي العاشر الذي خلا بوفاة المرحوم الأستاذ إسماعيل مظهر، وفي مجمع اللغة العربية أسهم في لجنتي الطب، والفيزيقا. لكن جهده السابق في التعريب والكتابة العلمية بالعربية حفظ له مكانته بين رواد هذين الميدانين رغم وفاته المبكرة، ولا أزال آمل أن يوفقني الله لإعادة طبع ونشر إسهاماته المتميزة.

نشأته وتكوينه العلمي

ولد الدكتور أحمد محمود البطراوي بقرية طَهْ شُبرا مركز قويسنا بمحافظة المنوفية في سنة 1902، وتلقي تعليمه الأولي بكُتَّاب القرية، وكان والده الشيخ محمود البطراوي أستاذا في دار العلوم لكنه آثر لابنه التعليم المدني، وقد تلقي تعليمه في مدارس القاهرة الابتدائية والثانوية، ثم التحق بمدرسة الطب، وتخرج فيها في سنة 1926، وبعد تخرجه عمل لمدة قصيرة في وزارة الصحة، ثم اختير بعد ذلك معيدًا بقسم التشريح بكلية الطب.

مشاركته في بعثة أثرية واكبت تعلية خزان اسوان

اختير الدكتور أحمد البطراوي عضوا في بعثة أثرية لإنقاذ الآثار قبل التعلية الثانية لخزان أسوان، وعهد إليه في هذه البعثة جمع البقايا البشرية التي تكشف عنها الحفائر وقدم تقريرًا علميا ممتازًا عن هذا العمل، وقد كوفئ علي ذلك بإرساله في بعثة لإنجلترا لدراسة الدكتوراه في علم التشريح البشري، وعلم الأجناس البشرية، وعاد بعد خمس سنوات حاصلاً علي درجة الدكتوراه في علم الأجناس البشرية مع درجة بكالوريوس الشرف في علم التشريح، وكانت رسالته عن "سكان مصر في عهد ما قبل الأسرات حتي العصر الروماني من الناحية الأنثروبولوجية، بعد عودته من بعثته عمل الدكتور أحمد البطراوي بالتدريس في كلية الطب جامعة القاهرة وارتقي في سلك التدريس حتي أصبح أستاذا للكرسي، وظل أستاذًا ورئيسًا لقسم التشريح بكلية الطب حتي بلغ سن التقاعد، ومما يتناقله أساتذتنا عنه أن قوة شخصيته واستقامته وعلمه كانت تجعل مقامه سابقا علي كل الأساتذة بمن فيهم العميد.

مؤلفاته باللغة العربية

·     تطور الجنس البشري.

·     الجنس البشري في معرض الأحياء.

·     علي هامش تاريخ الطب.

·     سكان الصحراء الغربية.

مؤلفاته بالإنجليزية

·     ـ تقرير عن البقايا البشرية التي كشفت عنها بعثة بلاد النوبة (1934م).

·     ـ التاريخ الأنثروبولوجي لمصر والنوبة.

·     ـ التقرير التشريحي عن دراسة الأهرام.

·     ـ دراسة مجموعة من الجماجم من عهد الأسرة الأولي، ومن الأسرة الحادية عشرة.

·     ـ دراسة مومياء صغيرة وجدت داخل هرم دهشور (1948).

·     ـ تقرير عن البقايا البشرية التي عثر عليها في مقبرة أخت – حتب، ومقبرة بتاح أيرو – كا، مع بعض تعليقات علي تماثيل أخت – حتب (1948).

·     ـ أسرتا "كا – نفر" و"آن – إن هس" من الدولة الحديثة المصرية (1951).

·     ـ التقرير المشترك الأول عن أعمال البعثة الأنثروبولوجية البولندية.

·     ـ تعليقات على الغدد الجنسية لبعض الطيور الأوروبية المهاجرة.

·     ـ كُلْيَة عروس البحر.

جهوده في الترجمة:

أسهم الدكتور البطراوي في ترجمة أكبر مرجع علمي في علوم التشريح وهو كتاب Gray في التشريح مع آخرين، فقد ترجم وحده ثلث الكتاب في نحو ألف صفحة، وراجع ترجمة ثلث آخر من الكتاب.

من شهادات اقرانه

روي الدكتور محمد أحمد سليمان في تأبينه بعض ما يدل على شخصية البطراوي وتأثيره، مشيرا إلى موقفه المبكر حين كانت كلية الطب قد انساقت إلى مضاعفة الاهتمام بالأطباء المعالجين بتمييزهم علي الأطباء الأكاديميين، وتزعم أحمد البطراوي دعوة إلى المساواة «تزاملنا فيها حتي انتصرنا فحصلنا علي المساواة، وما هو أكثر من المساواة». ويذكر الدكتور محمد سليمان طبيعة علاقته به بعد ذلك فيقول: «فألفته وألفني، وآخيته وآخاني حتى إذا دخلت مجلس الكلية الذي سبقني هو إليه، وجدت فيه المثل الذي يحتذي في مسلكه: يناقش الرأي في صراحة، ويدلي بالحجة في منطق، ويقيم الدليل في وضوح، يسكت حين يحسن السكوت، ويتكلم حين يجب الكلام».

 

«لم يتردد يوما عن نصرة ما يراه حقا، ولم يتوان أبدا عن مهاجمة ما يعتقده باطلا».

«لم يشايع صديقا في باطل لصداقته، ولم ينازع خصما في حق لخصومته».

«لم يرهب في صدقه من كبير، ولم يرغب في الكذب حتي علي الصغير».

«إذا أيد رأيا لم ينظر إلى صاحب الرأي أعدو هو أم صديق، وإن عارض أمرا لم يضع في حسابه ما قد توقعه فيه معارضته من عنت أو ضيق».

«وكنت أقتفي أثره في صراحته وصدقه، وأحاول أن أترسم خطاه في وضوحه واستقامته».

شقيقه وعائلته

كان من حسن حظنا في جامعة الزقازيق أن عشنا فترة من الزمن كان أمين الجامعة فيها هو شقيقه الأصغر الأستاذ على محمود البطراوي وكنا في ظل وجوده وحكمته ننظر إلى منصب أمين الجامعة نظرة إعجاب واستهداء، وكان أول من ينظر هذه النظرة إليه هو أستاذنا الدكتور محمد عبد اللطيف رئيس الجامعة نفسه، واستاذنا الدكتور عبد الستار مصطفى نائب رئيس الجامعة، وكان كثير من كبار الأساتذة الجامعيين الذي يزوروننا في الزقازيق يعبرون عن تقديرهم الفائق له بانه يستحق أن يكون رئيسا لجامعة كبيرة فإذا ذكرنا لهم أنه شقيق الدكتور البطراوي كانوا يقولون: الآن زال العجب، ويروون ما يذكرون من تاريخ هذا العلامة الجليل.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة