كيف تحررنا القراءة من قيد المكان والزمان؟

هناك حقيقية سيكولوجية هامة تقول بأن عالمنا هو الذي نصنعه كما نريد أن يكون، وهو يتوقف على عقولنا وحيويتها، فنحن نرى ما نملك القدرة على رؤيته، إن الإنسان في حالة تفاعل أو صراع مستمر مع المكان أو الوسط الخارجي؛ يؤثر فيه ويتأثر به، يؤثر بالحركة ويتأثر بالسكون. ولقد اثبتت الأبحاث الحديثة على الدماغ البشري أن البيئة الرتيبة المملة الخالية من المثيرات، تعمل على ترقيق القشرة الدماغية، ومن ثمة تؤدي إلى تدهور الكفاءة الصحية. إن المكان الصعب يصنع مشاعر سلبية، ويفكك الإنسان والزمن.

 

والزمن في الحقيقة هو عنصران: قيمة الزمن (أو زمن داخلي) وحركة الزمن (أو زمن خارجي). الزمن الخارجي هو وقت ثابت (يتميز بحركة مستمرة وثابتة في اتجاه معين)، لا يستطيع الإنسان التأثير فيه أو تغيير قيمته أو عرقلة حركته. أما الزمن الداخلي فهو عنصر متغير أو متقطع الحركة والقيمة، قابل للتغير أو المنع ويمكن للإنسان أن يؤثر فيه؛ لأنه مرتبط بأهداف وحاجات هذا الانسان وظروف عيشه، فقيمة أو موقع هذا الزمن مرتبطة بما يحققه الفرد من حاجات أو انجازات. إن الزمن الحقيقي، كما أشار مصطفى محمود في كتابه (لغز الموت)، هو في داخلنا، في دقات القلب ونبض الإحساس، وهو غير قابل للقسمة. أما دقات ساعة الحائط فإنها تقدم لنا زمنا مزيفا. لكن لا نجد مفرا من الخضوع للزمن الاخر. والزمن، كما كتب مالك بن نبي في كتابه (شروط النهضة)، نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل. لكنه نهر صامت، حتى إننا ننساه أحيانا، يصير ثروة في مجال وفي مجال آخر يتحول إلى عدم.

 

إن الأهداف هي الحياة، لذلك يجب أن نعرف أهدافنا ونصر عليها ولا نتخلى عنها أبدا، يجب أن تكون حاضرة دائما في ذهننا واضحة أمامنا، ويجب أن تكون محددة، قابلة للقياس، طموحة، واقعية ومؤقتة. إنها دافع نحو الحركة ومحرك للعمل. لكن تحققها كلها صعب، فالحياة بحر مضطرب الأمواج كما يقول (كريم الشاذلي)؛ سرعان ما تصطدم اهدافنا بأمواجها (وبتحديات المكان). والزمن بدون أهداف أو حاجات أساس هو زمن ناقص وضائع؛ فهو دائما أقل من الزمن العام. وهذا الفارق الزمني بين الخاص والعام هو ما ينعكس لدى الانسان على شكل شعور سلبي وحالة انتظار شبيهة بالموت البطيء.

إن القراءة قادرة على تجزيء الانتظار بأهداف جزئية أو مرحلية، وقادرة أيضا على ملئ أو سد الفجوة الشاسعة بين ما تحقق وما لم يتحقق من أحلامنا أو حاجاتنا؛ وذلك من خلال ترجيح كفة الأهداف والمهارات والحركة على كفة التحديات والعراقيل؛ إنها حركة ونشاط إيجابي كما يقول موربتمرادلر في كتابه (كيف تقرأ كتابا)، تمكن القارئ من التعرف على حاجاته أو أهدافه الأساسية أو المرحلية، وعلى المكان ومكوناته (الفرص المتاحة والتحديات)، والوقت (أهميته وطبيعته وحركة العصر). إن المشكلة العويصة بالنسبة إلى الذين لا يقرؤون، تتجلى في كونهم لا يملكون اية أهداف، أو أولويات، يضغطون بها على خاضرهم.

 

أثناء القراءة تتغير حالة الشخص المزاجية، ويزيد احساسه بالراحة والهدوء والامتلاء. إن هناك تناسب اطرادي بين مضمون الكتاب وشعور القارئ؛ فالوصول إلى أفكار مهمة ينتج مشاعر أو عواطف إيجابية؛ إذ هناك ارتباط وتبادل التأثير بين التفكير والعواطف. فالأفكار تولد المشاعر وتوجهها كما أنها تغيرها وتطفئها أيضا. فهذه المشاعر ميالة للتطرف وتتسم بالفوضى والغموض والقليل من العقلانية والمنطقية؛ ليست على حق دائما. وتقتضي قدر الإمكان الحكم العقلي وإقامة نوع من الرقابة المستمرة عليها. ودور المعرفة في هذه الرقابة جد مهم. فعدم معرفة الصحيح قد يؤدي إلى الإسراف في ممارسة ما هو خاطئ. كما أن التفكير في أمور الحياة بطريقة منطقية ومتعقلة تصاحبه حياة وجدانية هادئة وخالية من الاضطرابات.

 

فأثناء القراءة تزداد إمكانية الانتقال من موقع المُشاركة إلى موقع المشَاهدة، وهو ما يسمح للقارئ بالاقتراب أكثر إلى الواقع، وإثراء الوعي والتفكير، خاصة إذا كان المضمون المقروء أقرب إلى واقع القارئ. والتفكير كما يعرفه عبد الكريم بكار (في كتاب تكوين المفكر) هو بناء نماذج. والنموذج صورة عقلية نرى من خلالها الواقع أو شبه خريطة معرفية تحاكي الواقع أو ترشد إليه، ويتكون من عدد من العناصر بعضها يتم التقاطه من الواقع وبعضها يتم استخراجه من الخبرة الشخصية وبعضها يتم استحضاره عن طريق الخيال.

 

لذلك تعد القراءة عملية تفكير أو عملية فكرية نشطة. لقد كشفت دراسات أن القراءة يمكن أن تزيد من التواصل بين خلايا الدماغ، وربما تخفض خطر أمراض الأعصاب، وقد تقلل مستويات التوتر، وتتفوق على وسائل أخرى للقضاء على الإجهاد مثل الاستماع إلى الموسيقى أو الذهاب في نزهة سيرًا على الأقدام. كما أثبتت دراسات اخرى أن نشاط الدماغ يحفز التفكير ويعززه بطلق مادتي الأندرورفين والدوبامين في الدماغ. وهو ما يولد حالة من النشوة والحيوية والاستمتاع والدينامية. كذلك فإن التحديات الفكرية واستعراض المشكلات التي تحتاج إلى حل، وتنشيط التفكير التحليلي النقدي يساعد على زيادة تكوين الشبكات العصبية في الدماغ، من خلال نمو الشجيرات التي تربط بين الخلايا العصبية.

إن القراءة تبني الوعي والوعي يبني المقاومة؛ فالوعي بالشيء وبالشعور يخفف من حدته ومن تأثيره. ومجرد ملاحظة ومعرفة المعلومات التي أدت إلى ظهور الأفعال تؤدي إلى تأثيرات مباشرة في الأفعال أو السلوك الذي يلاحظه الفرد. والوعي كما يعرفه جبرالد هوتز في كتابه (خبايا العقل)، هو القدرة على ان ندرك احاسيسنا ومدراكاتنا الشخصية وأننا موجودون في العالم. وحتى يتم تطوير هذا الوعي يجب أن يكون العقل قادرا على مراقبة نفسه بقدر معين. إن كل قراءة هي فعل مقاومة، كما عبر عن ذلك دانيال بك في كتابه (متعة القراءة).

 

فالقراءة الذكية تنقذ الانسان من كل شيء، حتى من نفسه. ولقد أشار إلى ذلك البرتو مانغويل في كتابه (تاريخ القراءة)، بقوله: إن القراء لا يفضلون الكتب على الحياة. إنهم يريدون مقاومة الفوضى الناشئة كما يبدو؛ إنهم يتمسكون بحقهم الطبيعي في طرح الأسئلة إنهم يحاولون وسط الركام، وانطلاقا من اليقين الغريب الذي تمنحه القراءة احيانا فهم العالم من جديد. إن المقاومة قوة. لذلك يقول الشاعر والناقد الأمريكي باوند بأنه يجب أن نقرأ لنزيد من قوتنا. ولهذا السبب نجد أن الحكومات العسكرية المستبدة والأنظمة الديكتاتورية لا تنظر بعين الرضى إلى المتعلمين والمثقفين.

 

القراءة متعة عظيمة، بسعر رخيص بالمقارنة مع تكاليف الهوايات الاخرى، والقراءة لا تقيدك بزمان، ولا مكان؛ فهي تتميز بحرية الاختيار وحرية الوقت والمكان، والحرية كما يقول مصطفى محمود كلمة لا معنى لها الا بوجود القيود والمقاومات؛ لأن الحرية تعبر عن نفسها باختراق الظروف وزحزحة المقاومات وهدم العقبات.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة