يا بُني يأبى القلب إلا أن ينفطر!

ذهابا وإيابا من المطبخ إلى غرفة المعيشة، إلى غرفة النوم أراك تتنقل بين أريكة وأريكة استنفذت كل محاولاتك في مجابهة الوقت الذي يمر ببطئ وملل شديد في ظل هذا الحبس بسبب فيروس لا يُرى بالعين المجردة يُرعبني وبالتالي يرعبك ويُخرب عليك روتين يومك ونشاطك لشهور – فقط أنا وأنت ولا أحد سوانا نتعرف على بعضنا البعض، أخيرا استقريت على مقعدك وبيدك هاتفك وبعد مدة ومازلت تُمسك بهاتفك أنظر إليك وأود لو أدخل برأسك وأعرف ماذا يدور فيه.

 

أود لو أسألك من أنت؟ ما هو شغفك؟ ماهو طموحك وأحلامك في هذه الحياة؟ ماذا تريد أن تفعل أنت حقا وليس لترضيني؟ أحاول استثارتك بأسئلة أعلم أنه لا طائل منها، هل صليت؟ هل تريد أن تأكل؟ ماذا تحب أن تأكل؟ ماذا تريد أن نفعل اليوم؟ فترد بإجابات مقتضبة جدا بين نعم ولا وأي شيء ولا شيء، لا أنفك أفكر فيك وأنا في مطبخي وعلى مكتبي وفي غرفتي، ما الذي يشغلك يا ولدي وهل اقتراحاتي وتوجيهاتي وبرامجي اليومية وما أحمِلك على الإهتمام به يجدي نفعا ؟

 

" لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم فهم خلقوا لزمان غير زمانكم " هي مقولة لقائلها الذي لم يجتمع عليه الناس، ولكنها تسبح في الفضاء الإلكتروني ويتداولها الكثيرين من خبراء التربية والتنمية الذاتية، وهي أيضا ترن في أذني مرارا لما لها واقع محير يستحق التأمل! أي زمان هذا الذي خلق له أبناءنا ! وهل تتغير الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان بتغير الأزمان ! وقد قال تعالى " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ " كيف نفسر تلك الآية ونخرج منها بالحكمة التي خُلقنا من أجلها التي فيها ضالتنا الكبرى وضالة أبنائنا .

 

كم أشفق عليك يا ولدي وأفكر فيك ليل نهار، أُفكر في هذا البعد الذي نعانيه وليس بيدنا حيلة، بالرغم من شدة قربنا هو ليس بعدا مكانيا بقدر ما هو بعدا زماني، حيث لا يمكنني أن أفهم ما هو ذلك الزمان الذي خُلقت لأجله. هل هو زمان تلك اللعبة الملعونة المدعوة "ببجي" التي تسلب كل وقتك وتسطو على شغفك وتقلص طموحك وآمالك في أن تكون محترفا في لعبها ليل نهار بدون توقف مع أقرانك! وأن يدور كل حديثك حولها وعن مدى إهتمامك بها وكأنها عالمك كله أنت وأصدقائك! وأقف أنا هنا في حيرة من أمري؛ هل أدعك للزمان الذي خُلقت من أجله حتى لا أكبت حريتك وأسطو على خياراتك وأنت ذا الإثني عشر عاما ما برحت تُكون شخصيتك وتحاول إتخاذ مكانك في الحياة وتفرض سيطرتك! أم علي أن أقطع كل هذا العناء الذي أراك تتسبب به لنفسك وأنت تُهلك بصرك وعقلك وتستنفذ وقتك وأنت في كامل سعادتك ونشوتك دون أي شعور بالجذع!

 

هل من حقى أن أسلبك هذا الشعور الذي يتسبب لي كأم بالقهر والعجز أمام كل ذلك الافتتان بشئ أقل ما يقال فيه أنه جريمة في حق الطفولة ودعوة للعنف والقتل باحترافية صارت الأمل المنشود لك ولمن خُلقوا معك لهذا الزمان !هل هو زمان التلوث السمعى الذى تسميه فن شعبي تلك الكلمات الركيكة البذيئة والإيقاع الذي يصم الآذان ويثير الأعصاب أراك تضع سماعات الرأس وأعلم أنك تستمع إليه وتردده بكل جرأة وتعود وتُظهر انبهارا أبله ليس فقط من الألحان والغناء وإنما بأشخاص حتى أسمائهم لا ترقى أن تكون أسماء لبشر ممن يجنون ثروات طائلة ويتطاولون في البُنيان من بيع سلعة مسممة في مجتمع يحار الفكر والقلب في وصف ما آل إليه من عفن ! أخبرك باستيائِي واشمئزازِي فتتهمَنى بأنى أُم نكِدة وغير مواكبة العصر والزمان وأنى احجر على رأيك وذوقك واختياراتك التى من حقك، وأعود أنا مرة أخرى حائرة ماذا أفعل؟

 

هل أمنع هذا كله بالشدة والحزم واتخذ إجراء تنفيذي بالمنع والعقاب، وأزجُره وأنهَره وأغلق هذا الحديث الخرافي المرهق للغاية ! أعود لأحدث نفسى: ولكنه سيخرج وسيقابل أصدقائه ممن خُلقوا لنفس الزمان وممن لهم نفس الذوق وليس وحدهم؛ بل وذويهم أيضا يلعبون نفس الألعاب ويرقصون على نفس الأنغام – وإن صح القول ألغام – فيأتي ولدي يقارنني بهم ويتَعنت مما أقدمه له من بديل أرقى للعقل وأهدأ للنفس ؛ فلا يعجبه ذوقي، وأكون الأم التي لا تواكب الزمان مقارنة مع غيري ممن يفعلون .

 

يا له من صراع نفسي مؤذي لكلانا ! نعيش فى نفس الزمان الذي نرى فيه الشغف والطموح أصبح حكرا على كرة القدم ولاعبيها وشهرتهم وثرواتهم الطائلة، " اليوتيوبرز" الذين يملؤون الفضاءات الإلكترونية بأي شئ يدر عليهم المكاسب المادية ويتسارع الحديث عن أعداد المتابعين والمعجبين مهما كان ما يقدمُوه من محتوى، وأهل الفن والتمثيل والكوميديا وصورهم التي تملأ الساحات وأخبارهم وأبناءهم وسياراتهم، وصناع التكنولوجيا والروبوتات التي تحل محل الإنسان والأجهزة الذكية وقدراتها التي تفوق عقل الإنسان الذي اخترعها بنفسه تتحول كأنها آلهة تحقق كل الأحلام بكبسة زر، والحرية الجنسية والدينية والدفاع عن حقوق الشواذ والملاحدة. حتى إذا تحدثنا عن العلم والعلماء والأدباء والمفكرين في مجالات العلم والتاريخ والأدب والسياسة يصبح الحديث دون قيمة ولا شغف، فهم لا قيمة لهم لا يُسمع عنهم ولا يشتهرون إلا بعد موتهم !

يابُنى يأبى القلب إلا أن ينفطر !

أشفق عليك وعلى بنوا زمانك أنتم الذين قضيتم وتقضون حياتكم فى حروب وثورات وأوبئة وفيروسات وفساد اجتماعي وأخلاقي، وبلاد تُسلب وعباد تُظلم وحقوق تُنتهك، وهوية تُبدد ودين يُحارب وأرض بخيرها تُغتصب، نعيش معا هذا الألم في غربة تسحقنا وتبعدنا عن ما نرجوه حقا بما هو بالكاد متوفر لنا، أحلامنا وطموحنا تتقزم في الركض خلف لقمة العيش نغرق فى العمل أحببناه أو كرهناه لنكسب قوت يومنا ويومكم لنوفر لكم حياة كريمة بكرامة تشغلنا عن اللعب معكم والتحدث إليكم والاستماع لكم باهتمام وصبر، نعود ليلا من صراعنا نطلب منكم السماح والغفران ونحمد الله ونطلب منه العون والقدرة على الاستمرار،

هذا الصراع الأزلي بين الأجيال؛ آباء وأبناء كل منهم خُلق لزمان غير الآخر – هكذا يبدو لنا ولهم – ولكن يظل الجيل الجديد هو انعكاس للجيل الذي قبله مع بعض التحديثات التي تُحسب للجيل الجديد ولكننا نعيش سويا نفس المعاناة. سنظل في هذا الصراع فهي الدنيا دار الشقاء ولكن علينا المواجهة بشجاعة وبسالة ونموت ونحن نحاول بشرف.ندعوا الله ليل نهار أن يهدينا ويهدي أبناءنا وأن يُعيننا على تربيتهم وإصلاحهم، نحن نتصور أن التربية هي شيء منوط بتربية الأبناء فقط ولكن علينا أن ندرك في المقام الأول أن نُربي أنفسنا، أن نكون لهم قدوة ونتعلم كيف نربيهم بطريقة ايجابية؛ نقرأ ونتعلم ونستعين بالخبراء والاستشاريين وأهل العلم، نصلح أنفسنا ونتخلص من المبررات والشماعات التي نُعلق عليها أخطائنا. نترك هواتفنا ونحن نتحدث إليهم ونخصص لهم الوقت، نعيش اليوم الذي نحن فيه الآن بكل حذافيره بكل تحدياته ومنغصاتِه ونُصارحهم بكل شيء. علينا أن نُغدق عليهم بالحب والعطف والرعاية نَربِت على أكتافهم ونضُمَهم ونُقبلهم بين أعينهم عشرات المرات كل يوم. نصادقهم ونفتح قنوات الحوار بيننا وبينهم، نحترم عقولهم واختياراتهم حتى لو لم تكن على هوانا؛ نهديهم طريق الصواب ونظل نمهدهُ لهم. نُخبرهم كم نحبهم ونحتفي بانجازاتهم مهما كانت بسيطة. نكتب لهم رسائل نتركها تحت وسادتهم نخبرهم فيها كم هم رائعون وكم نفخر بهم ونتقبَلَهم كما هم دون شروط أو قيود. نرتمي في أحضانهم ونحكي لهم أسرارنا ونعتذر لهم ونحن ننظر في أعينهم إذا أخطئنا في حقهم.

 

نترك لهم وصية نُذكرهم فيها بقيمتهم لنا ونَحُثهم أن يدعوا لنا. قد لا نرى النتيجة في حياتنا وعلينا أن نتقبل ذلك وننتظر النتيجة الحتمية عند مليك مقتدر. هذا هو الإرث والأثر الحقيقي هذا هو الجهاد الذي سنُؤجرعليه، ندعو الله لنا ولهم بالتوفيق والهداية ورضا الله في الدنيا، والسعادة الأبدية في جنة عرضُها السموات والأرض فلهذا خُلقوا ولهذا خُلقنا ولا مُبدل لكلمات الله ولو تبدلت الأزمان وتغيرت شاء من شاء وأبى من أبى " وما خلقتُ الجِن والإنس إلا ليعبدون " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة