كيف يمكن الحكم على شخص ما بأنه ناضج فكريا؟

النضج الفكري هو الوصول بالعقل البشري لمرحلة يكون فيها قادرا على فهم واستيعاب أمور الحياة وقضاياها المركبة والمتعددة الأبعاد بشكل واع، ووفق مقاييس صحيحة وسليمة، بإعمال النظر العقلي وإتباع طرق الاستدلال الصائبة، مما يعني أنه مع غياب النضج في التفكير تكون السطحية والرعونة في الفهم والتفاهة والضحالة على مستوى الإنتاج العقلي، وبوجوده يكون السداد في الرأي وتحضر الحنكة والنباهة في التصرف والتدبير، ويبقى هذا النوع من النضج رهين بما يمر به الشخص ولا يمكنه أن يأتي من فراغ، بل لا بد من المرور بتجارب الحياة بما فيها من مصاعب شديدة وتحديات معقدة ومواقف مأساوية، لأن لها الدور الأساس في تطوير آليات التفكير والانتقال به إلى مرحلة النضج.

 

الإنسان العاقل كيفما كان مستواه المعرفي ومركزه المهني ومكانته الاجتماعية، فإنه حامل لأفكار مؤثرة بشكل مباشر في حياته بصفة عامة، وعلى قراراته التي يتخذها والأحكام التي تصدر منه بصفة خاصة، وأن يكون الفرد ذاتا مفكرة لا يعني بالضرورة أنه ممتلك لفلسفة معينة يسير على هداها، فقد لا يتوفر عليها إلا أنه يظل بالرغم من ذلك قادرا على القيام بسلسلة من الأنشطة الذهنية، لكن بصيرته تكون قاصرة على رؤية الأمور بكليتها، الأمر الذي يجعله يعيش بتفكير ضيق رغم شساعة العالم؛ لكونه سائر في ضوء منطق قاصر وإدراك معتل، فبقدر سلامة الرؤية لما هو قائم ولكل ما يحيط بالمرء بقدر ما يكون تفكيره ناضجا.

 

ترتبط درجة نضج فكر الإنسان بمخزونه المعرفي ومهاراته العليا التي كلما زادت فعاليتها إلا وزاد معها إدراك المرء لحقيقة الأمور، كما يرتبط نضج تفكيره أيضا بمدى تصالحه مع ذاته المفكرة رغم كل ما فيها من عيوب ونقائص، وكلما كان قابلا لتغيير تصوراته وآرائه ليصبح شخصا سوي التفكير إلا وكان أقدر على استيعاب الأمور بشكل صائب وفهمها بدقة، وهذا ما يسمح ببروز شخصية مستقلة غير تابعة لغيرها تتفاعل مع المجتمع بصورة طبيعية تؤثر وتتأثر بالآخرين دون أن تتيح لهم الفرصة للسيطرة عليها، فالإنسان الناضج في تفكيره يتفاعل بشكل إيجابي مع محيطه، وفي نفس الوقت لا يسمح لأحد بأن يتحكم في تفكيره أو أن يقوم بهذه العملية الذهنية في مكانه.

ولا بد من الإشارة إلى أن النضح الفكري لا كفاية ولا سقف له مادامت الآراء تتبدل والمفاهيم تتجدد والقناعات تتغير، والتوفر على بعض النقائص أمر حتمي؛ إذ أنه من غير الممكن امتلاك تفكير ناضج نضوجا كليا يجعل المرء يحيط بكل شيء استيعابا وفهما، لذا فتناولنا لهذا الموضوع ليس بغرض الدعوة إلى تحقيق ما هو معجز، وإنما لإنارة القارئ كي يدرك ما يلزمه لبلوغ القدر المطلوب من النضج الفكري، خصوصا وأن هذا العالم المادي جعل معظم البشر معطوبين فكريا، ومن خلال استعراض مؤشرات هذا النوع من النضج ومقاييسه المعيارية ستكون هناك إمكانية ليُقيِّم المرء نفسه ويقوِّمها بالمقارنة القياسية معها، ومن ثم يسعى كي يحققها في حياته قدر الإمكان، فتصحح بذلك طرائق تفكيره وتسترد عافيته الذهنية الكاملة بعد إدراكه التام لماهية النضج الفكري.

 

وبطبيعة الحال فلكل شيء مؤشرات ودلائل، لا يمكنك أن تتيقن من وجودها إلا بتوافر العلامات الدالة عليه أو عدد مهم منها، ولهذا فإن المرء لا يدرك حقا بأنه صاحب تفكير ناضج عندما يجهل ما يدل على وصوله لذلك النوع من النضج، وزعمه بأن تفكيره يمتلك مقومات النضج قد يكون في الحقيقة مجرد توهم، فكيف يمكن له أن يعرف مقدار نضج تفكيره؟ ومتى يتيقن حقا من أن فكره بلغ ذروة النضج؟ ببساطة من خلال مجموعة من المؤشرات والمعايير القياسية التي تدل على التفكير الناضج، وتحديدها بالتدقيق يلزمه وضع اقتراح نموذجي يقوم على ثلاث أسس متداخلة تتفاعل مع بعضها في منظومة متكاملة، فإذا كانت المرجعية الفكرية للشخص قوامها مبني على الباطل، فضمنيا نظرته إلى ذاته ستكون سلبية مهما حاول إظهارها في أبهى حلة، وبالتالي فإن ذلك سيؤثر سلبا على تعامله مع الآخرين وتفاعله مع المحيط الخارجي، والعكس صحيح، فانطلاقا من هذا الثالوث يمكن معرفة درجة النضج الفكري الحاصل حسب وضعية كل أساس على حدة.

الأساس الأول: طبيعة الخلفية الفكرية

التفكير البشري ينبع من خلفية فكرية ولا يكون بمعزل عنها، وإن بدا بسيطا في ظاهره إلا أنه يظل مرتبطا ارتباطا وثيقا بمرجعه الذي انبثق منه، ومن خلال هذه الخلفية يمكن تحديد مستوى النضج الفكري؛ بناءً على ما يحمل العقل من تصورات حول مجموعة من المفاهيم والمواضيع على اختلافها وتنوع حمولاتها، وحسب طبيعة الخلفية الفكرية تكون إنتاجية الأفكار حول مختلف الأمور والقضايا.

 

عندما يكون التفكير وفق خلفية لها تركيبة بنيوية لا تعطي اعتبارا لما هو براغماتي تصبح له حمولة فكرية على مستوى عال من النضج، لأن منطلقاته تتشكل من مرجعية لها نزعة إنسانية أساسها الفضيلة، ونقول بأن طبيعة الخلفية الفكرية مهمة لأنها تحدد نوعية المناعة الذهنية، والتي كلما كانت سليمة إلا واشتدت قوتها المنيعة التي تحُول دون الانسياق وراء الأفكار الباطلة بغرض كسب مطمع شخصي.

يلامس التفكير عمق النضج عندما يكون قائما على مرجعية فكرية لا متعالية، ومن هذا المنطلق فإن قبول جميع المرجعيات وعدم اعتبار مرجعية تفكيرية واحدة على أنها مدار عظمة، والامتناع عن إظهار فكر ما في صورة مثالية يتفاضل فيها نمطه عن غيره، دليل من الدلائل القوية على أن هذه طبيعة المرجعية التي تجعل التفكير يبلغ مبلغا كبيرا من النضح، بحيث يمكن اعتبارها كنموذج فكري خصب لما فيها من خصائص مثمرة يزدهر ويرقى بها الفكر.

الأساس الثاني: نظرة الإنسان لذاته

يُعرف الشخص الناضج بنظرته لذاته وكل ما تحويه، لهذا تجده يعتقد يقينا بأن الآراء والأفكار قابلة للتغيير، فهو صاحب تفكير منفتح، يرفض ربط نفسه بفكرة معينة أو رأي معين يقيد به عقله؛ ولذلك يتحفظ كثيرا فيما يتعلق بالانتساب إلى التيارات الفكرية مادامت أنها تفرض على المنتمين إليها أفكارا معينة مع إلباسها لباس القدسية، فعقله لا يمكنه أن يحيا في وسط تعتبر أفكاره وتصوراته كلها حقائق ثابتة لا نقاش فيها.

 

بنضوج تفكير الإنسان تصبح نظرته إلى ذاته متزنة بحيث يرى نفسه على حقيقتها بما فيها من نقائص وعيوب، ويُحمِّلها المسؤولية التامة عن كل ما يصدرها منها، بعيدا عن أية محاولة لتجميل الذات خارجيا لكي تبدو في صورة مثالية، بمعنى أن الإنسان الناضج فكريا لا يحتاج للتكلف والتصنع مادام أن ذاته في الأصل لا تنجذب لِما يمكنه أن يكون زائفا وغير حقيقي، فنظرته لذاته أحادية ليس لها معنى متغير ومتعدد؛ إذ لا ازدواجية في الحقيقة عنده.

 

تكون للإنسان الناضج فكريا رؤية فاحصة وناقدة تنبع من الداخل، والتي تتجاوز الانتصار للذات إلى توجيه النقد البناء لها، وما ذلك إلا انعكاس لِما في ذهنه ونتاج لكل ما مر به، ويرى الشخص الناضج ذاته من خلال تمظهرات سلوكه وانطباعاته، والتي من خلالها يتصور نفسه ويقيمها في ضوء ما هو صائب؛ بانتقادها وإخضاعها لتقييم موضوعي يهدف إلى تصويب الرؤية، وإصلاح الأمور السلبية فيها، وتحسينها لكي يرقى بها إلى الأفضل.

الأساس الثالث: تعامل الفرد مع الآخرين وتفاعله مع المحيط الخارجي

يعي صاحب التفكير الناضج أنه لا يستطيع أن يعيش داخل بيئة اجتماعية من دون التعامل مع الآخرين، لذا فهو يحاول جاهدا أن يكون تعامله مطبوعا بنوع من المرونة المعقلنة، فنجده يركز على الأفكار والأحداث والمواقف من دون الانحصار في تصيد أخطاء الآخرين، ومِثل ما يؤمن بحريته يؤمن أيضا بحرية غيره؛ فلا يتدخل في الخصوصيات والأمور الشخصية التي تتعلق بالآخرين، إلى جانب ذلك فهو يرفض فرض أفكاره وآرائه عليهم، كما أنه يتعامل معهم بمنطق إنساني صرف لا سعي فيه إلى إرضائهم، ويبدي احترامه لهم جميعا على تنوعهم واختلاف مرجعياتهم.

 

يقبل الإنسان الناضج فكريا ولو على مضض الانخراط الحيوي في الحياة التي وجد نفسه فيها وإن كانت غير عادلة في بعض الأحيان، لكن تفاعله يكون إيجابيا مع محيطه الخارجي في نطاق العلاقة المشتركة بينهما، وفقا لما لديه من قيم إنسانية حقة ومفاهيم وتصورات ذهنية، ولا يجعل تفاعله يكون من منطلق واحد قائم على الدوافع والمطامع والأهداف المادية، وهذا التفاعل يتطلب التوفر على نظرة شاملة وقراءة واعية ومستبصر للواقع، من هنا يمكن القول بأن الشخص الذي يمتلك تفكيرا ناضجا ينخرط بشكل فعال مع قضايا محيطه الخارجي ويعتبر نفسه جزءا منها، إذ لا يمكنه أن يعزل نفسه عنها لأنها من صميم اهتماماته ذات الأولوية والمكانة المركزية.

 

إنْ تواجدت معظم المؤشرات والمقاييس المعيارية التي ذكرنا في تفكير شخص ما، فيتبين بالملموس على أنه إنسان له تفكير ناضج بصورة كبيرة، في حين أنه إذا تم تشخيص الذات المفكرة أو بمعنى آخر تم فحص تفكير ما من الداخل بأمانة ودون تزيف، ووجد ثمة تباين صارخ بين ما يحتويه وما تم التنصيص عليه في المؤشرات القياسية المذكورة سلفا، بعبارة أخرى لو ظهر نقص كثير في هذه الأسس التي يقوم عليها النضج الفكري، فاعلم أن هذا في حد ذاته أول دليل من دلائل التي تبين حرصك على بلوغ ذلك النضج، والأمر ليس صعبا أو شاقا بل يتطلب فقط التوفر على رغبة داخلية نحو امتلاك رصيد كافي من تلك المؤشرات ليمكن لك القول بأن شخصا ما له تفكير ناضج.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة