معركة قانون قيصر وأدوار اللاعبين فيها

منذ الأول من حزيران وضجيج الإعلام من الصحف والقنوات ووسائل التواصل الاجتماعي يتعاظم يوماً بعد يوم بخبر تفعيل قانون العقوبات والمعروف بقانون "قيصر" الذي فرضته الإدارة الأمريكية على النظام السوري الذي ما يزال يرتكب المجازر في حقّ الأبرياء إلى يومنا هذا، ولا شكّ أنّ هذا القانون سيكون له تأثير اقتصادي كبير على نظام الأسد وأعوانه وحلفائه، ومن المتوقع أن يتفاعل هذا التأثير سياسياً إذا سلك المسار الصحيح، وسيطال شخصيات وجماعات ودول، وتفعيل هذا القانون بشكل واسع من أهميّة بمكان، فأذرعه الدوليّة والقانونيّة والحقوقية كفيلة بتطويق الأسد وتشديد الخناق على نظامه الدموي الجائر، الذي أضحى نقمة وبلاء على شعب أراد الحياة.

 

تُعدّ سوريّة مهد الديانات والحضارات والإنسانيّة والتسامح والثروات والثقافات، ولكنّها أمستْ اليوم بلد الموت والدمار والرعب والفساد والإجرام والقتلة والآفات، وما ذلك ليكون إلا عندما وقف العالم بأسره مُتفرّجاً سلبياً عشر سنوات مضتْ على شلالات دماء السوريين الأبرياء من نساء وأطفال وشيوخ، على يد سفاح يعيث فساداً بالبلاد، فصمتُ الإرادة الدوليّة، والمنظمات الأمميّة والحقوقيّة والإنسانيّة عن ممارسات ذلك الأسد وأتباعه وحلفائه، والتخاذل الدولي عن نصرة الشعب السوري المظلوم، تواطؤ واضح مع الجريمة والمجرم، وصفحة عار في جبين تاريخنا الحاضر، بل ورغبة عالمية ضمنيّة في حقن ذلك النظام المزيد من جرعات الوحشيّة ضدّ أبناء شعبه.

 

فالشعب السوري اليوم يرزح بين مطرقة العقوبات الاقتصادية التي سيطاله شررها، وسندان الإرادة الشعبيّة في إنهاء طغيان هذا الحاكم الظالم وكتم أنفاسه. فأحد أبناء الشام ومن قلب دمشق يعلّق قائلاً: مستعدّون للتضحية بكلّ ما نملك في سبيل القضاء على الأسد ونظامه الفاسد. وآخر يقول: نحن محاصرون من خمسين سنّة، وزاد الأسد الخناق علينا في سنوات الثورة الأخيرة، فقانون عقوبات قيصر لن يكون أسوء مما أذاقنا إياه الخائن الأسد وأعوانه. ولسان حال شعبنا اليوم يقول: إن كان قانون "قيصر" سيساهم بجدّية في تهشيم بنيّة النظام الأسدي، وتضعيف قواعده، وتكبيل داعميه وضربهم، فإنّ أيّ ضرر يلحق بنا جراء هذه العقوبات سيكون عسلاً على قلوبنا، فلابدّ من تقديم التضحيات في سبيل نصرة ثورتنا وإهلاك عدونا ونجدة شعبنا.

 

 

فالمأمول بالدرجة الأولى من شعبنا العظيم (في الداخل والخارج) في هذه المرحلة الصعبة الصبر والتحمل، فلطالما صبر وقدّم الكثير ولم يُقصّر، ولكنّ هذه المرحلة ليست كغيرها، فهي تحتاج لبذل الغالي والنفيس في سبيل خنق هذا النظام المرتزق اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وبُعدي (أنا وكلّ من هجّره النظام) عن وطني وشعبي لا يعفني عن واجبي في تقديم النصح بكلّ خطوة تُقرّبنا من التحرر والنصر والخلاص.

 

أمّا واجب الداعمين الدوليين لقانون قيصر (إن صدقوا) اتجاه الشعب السوري هو التضييق والتشديد أكثر على هذا النظام ورجالاته بكافّة أشكال العقوبات الممكنة وعلى مَن قدّم له العون ولو بكلمة، والتعجيل في عملية تنحيته ومحاسبته، والعمل على إحالته وأجهزته الفاسدة إلى المحاكم الجنائية الدوليّة، وذلك بالضغط على حلفائه في التخلي عنه، وتجفيف موارده التي ستوفرها له روسيا والصين وإيران وحزب الله والإمارات ومصر وغيرها، وتجنيب شعبنا في الداخل تبعات هذه العقوبات.

 

وعلى الدول الصديقة للشعب السوري ممارسة الضغوط على الدول اللاعبة في المشهد السوري، فتركيا على سبيل المثال دورها جدّ مهم في المنطقة، فعلى عاتقها مهمّة مضاعفة، في الضغط الحثيث على روسيا المحرك والداعم الرئيس للنظام السوري، وأظنّ أنّ لعبة المغازلة التي تنتهجها أنقرة لواشنطن في هذه الأيام تثير مخاوف موسكو، فتجعلها تتنازل وتتخلى عمّا ركبت رأسها في التمسك به.

 

ودور شرائح الثورة السوريّة رفع الجاهزيّة، وفتح جميع الجبهات على النظام السوري، ولا أقصد هنا الجبهات العسكريّة فحسب، بل الجبهات السياسيّة والاقتصاديّة والإعلاميّة والقانونيّة والقضائيّة، فلابدّ أنّها ستؤتي أكلها وتشكّل زخماً ملموساً إذا تضافرت الجهود مجتمعة، ووحدتْ هدفها في إنهاء هذا النظام الظالم.

 

إنّ قانون قيصر ومعركة العقوبات على النظام يجب أن تُستثمر بشكل مدروس وفعّال لصالح بلادنا وشعبنا وثورتنا، فمن المعيب والمخجل في هذا الوقت العصيب والمبشر بآن واحد، أن يتجنب أحدنا هذه المعركة المصيريّة مُعلناً الحياد، فكلّ منّا في مكانه على ثغر من ثغور الثورة لا يجوز تركه، فليبحث كلُّ سوريّ حوله عن دور يقوم به ولو كان بسيطاً، يعود بالمصلحة على ثورتنا، ويدفع الضرّ عنها، ويحقق أهدافها في إسقاط نظام الأسد الظالم ونيل حريتنا المنشودة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة