"ديانة آبل".. كيف منحت الشركة القداسة لمنتجاتها؟

حين تنظر إلى مؤيدي شركة آبل "فان بويز" أو المتعصبين لها وولعهم بكل ما تنتجه الشركة من أجهزة سواء كانت على أعلى مستوى أم ذات مستوى عادي مقارنة بغيرها من المنتجات المتوفرة في السوق، وكذلك دفاعهم المستميت عن كل ما تنتجه الشركة وكل تصرفاتها سواء كانت في صالح المستخدم أم ضدها، وترقبهم الشديد لأحدث إصدارات الشركة وحرصهم على الانتظار أمام أبواب الشركة للفوز بأحدث المنتجات حتى لو كانت بأضعاف ثمنها الحقيقي، حينها تقفز إلى ذهنك فكرة الدين واتباع الأديان والولاء لها.

معابد وأصنام جديدة

تعتمد شركة أبل في سياستها على منهجية تشبه إلى حد ما منهجية الدين، فمقرات الشركة تصبح كالمعابد تتميز كلها بشكل واحد، مباني ضخمة تتوسطها التفاحة الشهيرة ذات اللون الأبيض لا تخطئها عين الزائر من بعيد، ما إن تدخل إلى صالة العرض حتى تشعر بهيبة المكان، لا يمكن أن تتجاوز شعور أنك في حضرة صرح عظيم، توزيع الأجهزة في صالة العرض وتناغم الإضاءة معها وزي العاملين الموحد يعزز ذلك الشعور.

 

اعتمدت شركة آبل في جميع صالات العرض الخاصة بها على طريقة موحدة لعرض أجهزة اللابتوب من خلال إغلاق نصف الشاشة فقط – بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر المحمول – من أجل أن يقوم الزبون بفتح الشاشة وهو ما يوفر له تجربة حسية للمس الجهاز وتحسس الخامات التي صنع منها والتي تحرص الشركة بالمناسبة على الاعتناء بجودتها وتفردها، وهو ما يعد عامل قوي لدفعه نحو الإعجاب بالمنتج، وتفعل ذات الأمر مع أجهزتها ومنتجاتها الأخرى.

 

تشبه تلك الحالة التي يقدم عليها الزائرين فور دخولهم صالة العرض عملية التبرك بالتماثيل داخل المعابد وهي أول فعل يقوم به الزائر.

NEW YORK, NY - MARCH 15 : Employees at the flagship Apple store on Fifth Avenue stand at the entrance during the store's closure on March 15, 2020 in New York City. The World Health Organization declared COVID-19 a global pandemic on March 11. Stephanie Keith/Getty Images/AFP== FOR NEWSPAPERS, INTERNET, TELCOS & TELEVISION USE ONLY ==

الترنيمة المقدسة

نغمة الهاتف التي تتميز بها أجهزة الأيفون والتي لا تشبه أي نغمة أخرى، ولا يمكن أن تستسيغ سماعها سوا إن كانت تصدر من أحد أجهزة الآيفون

 

تشبه هذه النغمة في تأثيرها صوت الآذان أو جرس الكنيسة، فسماعك لتلك النغمة في أحد عربات المترو أو حافلات النقل العامة تشعرك بالألفة نحو ذلك الصوت، وتبدأ بالحديث مع نفسك بأنك تتشاطر شيئا وجوديا مع أحد الغرباء، هذه الحالة التي شكلتها شركة أبل تمنح للمهوسين بها بعدا روحيا يشعر معها المستخدم أنه ينتمي لكيان ما يتميز به عن غيره، فهو بالتأكيد شخص متطور وذكي لأنه يحمل أذكى وأكثر الأجهزة تطورا بين منافسيه.

استراتيجية الشركة

منذ إعلان شركة آبل عن أهم منتجاتها وأكثرها مبيعا هاتف آيفون اعتمدت في تسويقه على "سياسة الرفاهية" والتي تعني رفع سعر العلامة التجارية للمنتج في مقابل المنتج نفسه، فتصبح بذلك رغبة شراء المنتج نابعة من حب امتلاك العلامة التجارية وما تمثله من رمزية الثراء وليس رغبة في الحصول على المواصفات التي يتميز بها.

 

في البداية لم يكن باستطاعة الأشخاص من ذوي الفئة المتوسطة شراء الجهاز نظرا لارتفاع سعره مقارنة بمنافسيه، لذلك اقتصر شراء الجهاز "الثمين" على أصحاب الطبقة الراقية، لم تشكل تلك الحالة معضلة لشركة أبل فهذا ما سعت له منذ البداية، واستمرت في تسويق منتجها على أنه أكثر من مجرد هاتف يقدم ميزة المكالمات والاتصال بالإنترنت وتحميل التطبيقات، بل هو شيء آخر أكثر تقدما وذكاء من جميع الهواتف.

 

Surrounded by cheering Apple Store employees, one of the first iPhone buyers leaves the store on Fifth Avenue in New York (رويترز)

 

أكثر ما عزز هذا النمط هو اعتماد الهاتف على نظام تشغيل خاص بالشركة "ios"، فالشركة تخبرك أن هذا النظام مغلق ومؤمن جيدا ضد الاختراق وفريد من نوعه ولا يمكنك أن تجده لدى المنافسين ولا يمكنك استخدامه على أي هاتف آخر سوا هاتف آيفون.

 

هكذا بدأت خطوط استراتيجية التسويق ترتسم بوضوح وتؤتي ثمارها، وأصبح الهاتف رائجا لدى الفئة المتوسطة رغم كلفته العالية، فهو يرفع من مكانة صاحبه إلى مصاف الطبقة الراقية، وشعار التفاحة بات مقصودا لذاته كما هو شعار نوط الشجاعة العسكري ووسام الفروسية.

"القس" ستيف جوبز

لا تكتمل عناصر "الدين الجديد" دون وجود مبشر، أو شخص يحمل هم الدعوة الجديدة، يلهم الناس ويرشدهم "للصواب"، ويأخذ بأيديهم نحو طريق الخلاص الأبدي لينعموا برؤية الحقيقة التي تتحقق معها سعادتهم الدائمة.

 

مثّل ستيف جوبز هذا الدور خير تمثيل، فالرجل حمل هم التسويق للشركة على عاتقه والصورة التي خرج بها وقدم نفسه من خلالها لوسائل الإعلام هي من أهم أركان نجاح الشركة على مستوى العالم، وأصبح كل نجاح في الشركة ينسب له رغم وجود العديد من المدراء التنفيذيين في الشركة مثل ستيف وزنياك الشريك المؤسس وصديق ستيف جوبز، وجوني إيف رئيس قسم التصميم الصناعي السابق في شركة آبل.

 

 

كذلك كريج فيدريجي المسؤول الأول عن تطوير نظام IOS ونظام تشغيل MacOs، وغيرهم ممن شكلوا حالة النجاح الكبرى للشركة ولم يسمع بهم الغالبية العظمى من العملاء، لكن على الرغم من ذلك كان وجود الصوت الأوحد في الشركة عاملا إيجابيا لها، وجعلها محط أنظار الكثيرين.

نجاح الاستراتيجية

مع مرور الزمن لم تعد الطوابير أمام شركة آبل عند إعلانها عن منتج جديد كما في السابق "فالدين" الجديد قد استقر في نفوس أتباعه "والكنيسة" بات لها فروع كثيرة حول العالم، والمؤسس رحل عن عالمنا منذ ما يقرب من 10 سنين، ورغم الانتقادات الحادة التي تواجه الشركة والإدارة الجديدة التي تولت القيادة بعد وفاة ستيف جوبز كونها لم تقدم منتج "ثوري" في عالم التقنية كما حدث في سنوات التأسيس الأولى، إلا أن الأتباع ما زالوا يحملون ذات الحماسة في نفوسهم نحو هذا "الدين" وتعاليمه الجديدة، ورغم ظهور الكثير من الشركات المنافسة التي تجاوزت أرباحها ومبيعاتها شركة أبل إلا أن الشركة ما زالت تحافظ على ذات المكانة الرفيعة التي زرعت في قلوب أتباعها.