logo

محمد مرسي.. حكاية شنق معنوي

إنْ عُدّ السابع عشر من يونيو/ حزيران 2019 يوم انقطاع أنفاس الدكتور محمد مرسي، فإنّ المقصلة الرمزية نُصِبت لأول رئيس ديمقراطي في مصر قبل سنوات مديدة من ذلك اليوم. تكثّفت أساليب الفتك الرمزي والاغتيال المعنوي بحقّ الرئيس محمد مرسي منذ صعوده إلى الرئاسة المصرية في عام 2012، أو خلال ترشّحه لها بالأحرى. كان مرسي الرئيس المدني الأول في تاريخ الجمهورية، وانتُخِب في اقتراع شعبي حرّ مشهود له بالنزاهة، وهي حقيقة تكفي لأن يتداعى أيّ نظام استبدادي لمحاولة إطفاء رمزيّته وعزله وجدانياً عن شعبه؛ وهو ما جرى الانهماك به حتى قبل دخوله قصر الرئاسة ليمارس صلاحياته، ولم تنقطع أحابيل الاستهداف المعنوي حتى بعد الإطاحة به بعد سنة واحدة فقط، صار بعدها أبرز سجين سياسي في العالم العربي على مدار سنوات ستّ.

 

انتخب المصريون والمصريات الدكتور محمد مرسي رئيساً لبلادهم بعد انتفاضة شعبية عارمة أسقطت حسني مبارك من الرئاسة التي شغلها ثلاثين سنة. سقط مبارك لكنّ النظام لم يتهاوَ تماماً، فالعسكر أمسكوا بخيوط المشهد المتشابكة، واستنفرت "الدولة العميقة" قدراتها للإسراع في إلصاق وصمة "الفشل" بالرئيس الديمقراطي الأوّل، وربما الأخير، ونحره معنوياً على مرأى من شعبه والعالم، ولم يُمنَح سوى سنة واحدة مفروشة بالأشواك.

وصم مرشح رئاسي

ابتدأت المساعي بالتشكيك في أهلية الدكتور محمد مرسي لأن يصعد إلى رئاسة مصر مع إظهار الاستخفاف به. ألصق متحدِّثو الشاشات به نعوتاً وأوصافاً ذميمة منذ ترشّحه، بإظهاره مجرّد بديل احتياطي عن مرشّح آخر هو خيرت الشاطر؛ الذي أسقطت الجهة القضائية المختصّة ترشّحه للرئاسيات. وما إن تعرّف الجمهور على مرسي كأحد الوجوه المرشّحة للمنصب حتى وصمه متحدثو الشاشات بنعت "الاستِبْن"، وهي مفردة شعبية مهينة تعني إطار السيارة الاحتياطي. تعود كلمة "استِبْن" إلى إرث الاستعمار البريطاني، وأصلها من منشأ ابتكار العجلات الاحتياطية في سنة 1904 في ورشة تقع في شارع اسمه استبني Stepney  في منطقة للانيلي في ويلز البريطانية، فارتبط الابتكار باسم الشارع وانتشر عبر المستعمرات أيضاً.

 

لكنّ الشعب المصري انحاز في التصويت إلى هذا الوجه تحديداً، الذي تجاهلته تغطيات الإعلام في الشوط الانتخابي الأول وتمّ استبعاده حتى من المناظرة المرئية بين أبرز مرشّحي الرئاسة. ثمّ أحرز الأكاديمي صاحب النظّارة فوزاً شاقاً في الشوط الثاني مقابل اللواء أحمد شفيق، مرشّح النظام المستتر أو الدولة العميقة؛ الذي حظي بالأضواء وأخذ يتصرّف قبيل الاقتراع كأنه الرئيس الوشيك لمصر بلا ريْب استناداً إلى التوقعات التي حابته. لكنّ الرهان على شفيق خاب في لحظة الحقيقة، وبفوز مرسي تجنّدت حملات الاستهداف المعنوي للإجهاز على أوّل رئيس ديمقراطي في تاريخ الجمهورية.

دخول القصر

استعجلت أبواق العهد القديم التبشير بفوز أحمد شفيق، الذي كان على ما يبدو مرشح العسكر والدولة العميقة وعواصم الثورة المضادة، لكنّ لحظة فوز محمد مرسي بالرئاسة فاجأت هذه الأبواق، صار على حملات الاستهداف المعنوي أن تستهدف رئيس الجمهورية المنتخب، حتى قبل أن يدخل قصره في بواكير صيف 2012، فانطلقت موجة تسفيه محبوكة لتبديد أي انطباع بأهلية الدكتور مرسي بالمنصب أو جدارته به. تم في الأيام والأسابيع الأولى افتعال روايات ومشاهد توحي بغربته عن قصر الرئاسة وجهله بكيفية الجلوس الأمثل على مكتب الرئيس مثلاً.

 

كان مطلوباً تسفيه الرئيس الجديد، في بلد ارتبط به المنصب الأوّل بالمهابة؛ في العهد الملكي ثم في جمهورية الضباط. لكن ما العمل ما رئيس ديمقراطي يُبدي حرصاً واضحاً على الالتحام بالشعب والحضور بين الجماهير؟ لم يَكتفِ محمد مرسي بمراسم التنصيب الرسمية حسب الأنظمة، فقرّر التوجّه إلى الميدان واعتلاء منصّته في مشهد استثنائي من التنصيب الشعبي الذي رسم لوحة جماهيرية فريدة. كانت رسالة مرسي واضحة بأنه من الجماهير وإليها، وأنه رئيس من عهد الثورة، وأنّ رئاسة الجمهورية لن تصرفه عن الوفاء للميدان. أقدم مرسي يومها على خطوة مفاجئة فوق المنصّة الجماهيرية، بأن تقدّم مكشوفاً في مواجهة الشعب متجاوزاً فريق الحماية، ثمّ كشف سترته ليظهر دون واقٍ من الرصاص.

 

اتّضح بعد هذا الموقف الرمزي أنّ منظومة الإعلام الراقدة على النيل لن تحتفي بمبادرات مرسي الرمزية أو بمواقفه الجريئة، بل إنها استعملتها بصفة عكسية ضدّه بهدف الإمعان في الحطّ من مكانته واعتبار مواقفه قائمة على الافتعال والتصنّع، حتى أنّ بعض المتحدثين مثلاً علّقوا على حدث السترة الجماهيري بالسخرية منها واعتبار أنّ مرسي لم يُفلِح في محاكاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر!. تفاقم هذا المنحى من التحامل والازدراء، إلى درجة انتقاد خروج الرئيس إلى صلاة الفجر مع مواطنيه في مساجد القاهرة، وزعم بعض المعلِّقين أنّ ذلك يأتي على حساب التفرّغ لحل مشكلات البلاد المستعصية.

 

ما حرّك هذا التحامل والترصّد خشية واضحة من أن ينجح أول رئيس مدني منتخب في كسب رهان الشعبية، بعد أن اعتاد هذا الشعب وجوهاً مزمنة في الواجهة المُحاطة بطقوس الهيْبة. لأجل هذا تمّ قطع الطريق على فرص تحقيق الأُلفة مع الوجه الجديد الذي يٌفترض أنّه يقود الجمهورية، مع السعي الدؤوب إلى نزع الاحترام العام عن صاحب الشرعية الانتخابية غير المسبوقة، مع تأويل عكسي لنزوعه الواضح إلى التواضع؛ بإظهاره بصفة غير ملائمة للمنصب ومتطلّباته، وقيل تصريحاً وتلميحاً إنّ مصر تستحق من هو أفضل منه، كان لدى الدعاية المضادة فرصة معقولة للإطاحة المعنوية بالرئيس تمهيداً للإطاحة الفعلية به. فالإعلام الرسمي لم يمنح في العقود الثلاثة التي سبقت ذلك أيّ وجه غير الرئيس المخلوع مبارك وزمرته فرصة الظهور والتمجيد، وتمّ حجب المعارضين جميعاً عن المشهد إلى درجة أنّ وجوههم لم تكن معروفة تقريباً للناس ومنهم محمد مرسي.

صعد مرسي إلى الواجهة الرسمية فجأة؛ قادماً من هامش قسري أو من سجن سياسي بالأحرى. لم يُسمَح له من قبل بفرص الظهور الإعلامي والحديث إلى الشعب، رغم تدرّجه في مراتب العمل السياسي والمدني ومكابدة سجالات البرلمان سنوات طويلة. من السهل الإمعان في تشويه مَن يجهل الناس اسمه ورسمه، فهذا يتطلّب جهداً أقلّ من تشويه مَن يعرفونه تماماً، ولهذا تمّ صبّ جهود سريعة ومكثفة للإساءة إلى الرئيس مرسي في الأيام والأسابيع الأولى التي أعقبت دخوله القصر خشية أن يُنسَج له حضور رمزي في وعي شعبه الذي انتخبه، ضربت منظومة التشويه بحجاب من حول مرسي، فلم تُتِح للشعب فرصة معايشة رئيسه، إلى درجة التجاهل الإعلامي المطبِق لبساطة حياته اليومية، وإغفال دلالة تنازل زوج الرئيس "أم أحمد" عن حياة القصر وامتياز "السيدة الأولى"، وهي لفتة لم تحظَ بأي تقدير يُذكَر في الأوساط الإعلامية والسياسية.

محاولة خنق الرمزية بدءاً من الاسم

من الأساليب التقليدية في التراشق الدعائي السطو على أسماء الأفراد والهيئات وتحويرها لأجل التشويه أو الحطّ من الكرامة. حرصت الدعاية المضادة لأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في مصر على التلاعب باسمه، فأحجمت عن استدعاء لقبه العلمي الذي تفرّد به دون ضبّاط تعاقبوا على رئاسة الجمهورية، كي لا يحظى بامتياز الوصف المتوقع: "السيد الرئيس الدكتور محمد مرسي".

 

وبعد عقود أربعة من إبراز الرئيسيْن "محمد" أنور السادات، ثم "محمد" حسني مبارك بصفة مفتعلة مشفوعة بالتبجيل والتكريم الذي يرتبط عند المصريين والعرب باسم النبي الكريم؛ حرصت الجوقة على حجب الاسم الأول الأصيل عند ذكر أوّل رئيس ديمقراطي، فهو عندها "مرسي" فقط. ثمة حيلة أخرى جرت لاحقاً باستدعاء اسم العائلة المطوّل بصفة منافية للّياقة ومتجاوزة للعرف السائد والبروتوكول الرسمي، فصار المتحاملون يسمّون رئيس الجمهورية "محمد مرسي العيّاط"، تفاقم هذا المنحى طوال السنوات التي زُجّ خلالها بمرسي في محاكمات استعراضية بعد سجنه، فكان القضاة المتغطرسون يحرصون على المناداة على اسمه بطريقة توحي بأنه مواطن غير مُعرّف، حتى أعلن أحدهم يوماً عن حكم بمعاقبة "محمد محمد مرسي عيسى العياط" بالإعدام شنقاً.

وصلات تسفيه وتهكم

امتدّ التشكيك بالأهلية إلى الاستغراق في الإسفاف ونسج المزاعم الرخيصة، إلى درجة نشر ادعاءات في صيغة "تسريبات" مزعومة عن "تصرّفات غريبة" تصدر عن رئيس الجمهورية، والإتيان بأقاويل ملفّقة لأطباء نفسيين مزعومين عن سلوك "هذا الرجل" الذي يسكن قصر الرئاسة. وجدت هذه الحكايات الساذجة فرصة واسعة في عناوين هبطت بمستوى بعض الصحف المصرية إلى دركات الاستغفال والحضيض الدعائي.

على مدار سنة كاملة في القصر تمّ استهداف الرئيس مرسي بتقارير ومزاعم دؤوبة، مع تعقّبه في تعبيراته وحركاته وإشاراته وسكناته. فما إن تودّد إلى شعبه بالقول "أهلي وعشيرتي" التي كانت لازمة لخطاباته الأولى، حتى انطلقت حملة ضارية لإساءة تأويل هذا التعبير واعتباره عودة إلى منطق القبيلة والعشيرة. وما إن رفع إصبعه محذِّراً في أحد خطاباته من عنف الشوارع بعد سقوط ضحايا في بورسعيد ضمن تفاعلات قضية "مجزرة الملعب الرياضي"؛ حتى لاحقته النعوت وحاصرته رسوم الكاريكاتير بطرق إيحائية مسيئة. وعندما منحته جامعة باكستانية الدكتوراة الفخرية واعتمر قبّعتها حسب المراسم الأكاديمية؛ تعقّبته صور ورسوم ساخرة مشفوعة بتعليقات لاذعة لإظهاره في هيئة غرائبية.

 

لم تقتصر مساعي التسفيه الدؤوبة على صحف الرصيف، فبرامج الشاشات تجنّدت ضد الرئيس المنتخب بصفة صريحة أو إيحائية وبدا وكأنها ترميه عن قوس واحدة. ظهرت خلال العهد الديمقراطي جوقة من المتحدِّثين والمتحدِّثات اختصّت بمهاجمة مرسي والسخرية منه، علاوة على ممثلين وممثلات ووجوه معروفة سيق بعضهم إلى أداء أدوار موجّهة على هذا النحو. اشتغلت هذه الوجوه في خدمة التعبئة الشاملة لقطاعات الشعب وأوساطه، فمنها من تحدّث لعموم الناس، ومنها من ظهر مخاطباً الأوساط الشعبية والريفية وقاطني العشوائيات، ومنها مَن خاطب الشرائح المدينية الوسطى فما فوقها، ومنها ما أظهر رصانة في الحديث المسدّد في الاتجاه ذاته، مقابل شخصيات مبتذلة من بينها راقصة كرّست إطلالاتها ضد رئيس الجمهورية و"جماعته".

 

من بين هذه الجوقة ظهر باسم يوسف مثلاً كأحد مقدِّمي برامج المساء الحوارية الساخرة في سنة الديمقراطية الفريدة تلك، كرّس نجم شاشة التسلية وقتها قسطاً من برنامجه للتهكّم على "مشروع النهضة"، أي البرنامج الانتخابي الذي صعد به مرسي إلى الرئاسة، والذي لاقى كثيراً من التسفيه على هذا النحو دون أي قراءة نقدية منصفة في الشاشات. ويعبِّر توفيق عكاشة عن نمط آخر حظي بمتابعات واسعة في برامج تغترف من التعبيرات الهابطة المسدّدة ضد رموز العهد الديمقراطي وعلى رأسهم مرسي ذاته. أمّا متحدثو "أفضل أوقات البثّ" فخرجوا على الشعب المصري بألسن متعددة ومضامين متطابقة تقريباً حسب التعليمات المتجددة التي يتلقّونها.

 

على هذا المنوال تضافرت هجمات الانتقاص من المكانة وتقويض الرمزية بما أوحي باشتغال منظومة دعائية متكاملة قعدت للرئيس المرسي كلّ مرصَد، مقابل انهماك المنظومة ذاتها في تمجيد أسلافه المستبدِّين، حتى بلغ الأمر في خواتيم عهد مبارك مبلغ التلاعب المتعسِّف بصور وكالات الأنباء وتحريفها لإبراز مبارك متقدِّماً القادة وفق فضيحة شهيرة في صحيفة "الأهرام" العريقة (سبتمبر/ أيلول 2010).

وصمة "أخونة الدولة" مثالا

اشتدّت الحملات التي تستهدف الرئيس المنتخب واشتدّ القصف عليه بمقولات دعائية ومزاعم ملفّقة تم تقديمها في هيئة حقائق؛ بأسلوب التكرار والتثبيت. نحتت الدعاية المضادة للعهد الديمقراطي مقولة التحذير من "أخونة الدولة" فأحرز المصطلح رواجاً هائلاً في أوساط إعلامية متحفِّزة ضد عهد مرسي، وتسرّب المصطلح إلى أوساط محسوبة على مراكز الفكر وبيوت الخبرة عبر العالم العربي، تشير مقولة "الأخونة" إلى عملية استحواذ مزعومة على الدولة من جانب طرف حقّق فوزاً في الجولات الانتخابية التي شهدتها مصر بعد انتفاضة 25 يناير/ كانون الثاني 2011؛ بدءاً من مجلس الشعب وانتهاء برئاسة الجمهورية.

لقاء الرئيس محمد مرسي بلجنة تقصي الحقائق

تزاحمت الاتهامات والمزاعم وجيء بها أحياناً مشفوعة بوقائع أو معطيات عددية تفتقر إلى التوثيق الجادّ والبراهين القطعية. وسرعان ما تحوّلت اتهامات "الأخونة" إلى حمّى عارمة، عبّرت عن نفسها في شتى القطاعات، فصعدت مقولات ترفض "أخونة المؤسسات" و"أخونة الإعلام"، و"أخونة الثقافة"، إلى حدّ استخدامها في تجاذبات داخلية في الكنيسة القبطية تحت لافتة تمّ رفعها يوماً ما كُتِب عليها "لا لأخونة الكنيسة"، وإن عبّر إطلاق مصطلح "الأخونة" عن مقاصد شتى، كالمخاوف الواقعية أو غير الواقعية من هيمنة تيّار بعينه على مفاصل الدولة؛ فإنّه يشي أيضاً برفض استباقي من جانب "النظام غير المرئي" أو "الدولة العميقة" لأي إصلاحات أو إقالات في مرحلة التحوّل التي كان يُفترَض أن تشهدها مصر في سنة الديمقراطية البائدة.

 

جاءت بعض التحذيرات من هذه "الأخونة" مشفوعة بشواهد ملفقة عن حالات الإزاحة والإحلال داخل المؤسّسات الحكومية، رغم أنها أتت بوجوه من المؤسسات ذاتها وليس من "جماعة الرئيس". حتى أنّ أبرز مُخرَجات هذه "الأخونة" المزعومة؛ إزاحة وزير الدفاع المشير طنطاوي من منصبه، ليحلّ في موقعه الفريق أول السيسي، وهو الذي انقلب في ما بعد على الرئيس والدستور والمؤسّسات الشرعية المُنتَخبة. ولاكتشاف عمق المفارقة؛ يجدر استذكار ما قيل عن السيسي ذاته في محطات سابقة بأنّه "من الأخوان"، وأنه جيء به إلى هذا المنصب ضمن حمّى "الأخونة" ذاتها.

 

تأكد زيف مقولة "الأخونة" مع الفعل الانقلابي الصادم، الذي جاهر بالإمساك بالدولة من شتى أطرافها بشكل سلس ودون الحاجة إلى إجراءات إزاحة تُذكر؛ باستثناء إخراج بعض الوزراء والمحافظين من مواقعهم إلى السجن، علاوة على اختطاف رئيس الجمهورية المُنتخَب، ليظهر في أقفاص المحاكمة لاحقاً وصولاً إلى الإعلان عن وفاته يوم 17 يونيو/ حزيران 2019، تمّ القذف باتهامات "أخونة الدولة" في وجه الدكتور محمد مرسي بينما كان يهمّ بولوج قصر الرئاسة لعرقلة التحوّل الديمقراطي قبل أن يبدأ ولإعاقة أيِّ بوادر إصلاحية في هياكل الدولة والمؤسسات العامّة المترهِّلة. وضَع القائلون بهذا الاتهام "جدول الأعمال" في جوْلات الجدل العامّة ضمن الساحة المصرية خلال عهد الدكتور مرسي، فأرغموا القيادات المنتخبة على الانخراط في مرافعة دفاعية بدلاً من الانشغال بشرح "مشروع النهضة" وتنزيله في الواقع. وكان مثيراً للعجب أن تنزلق أطراف عدّة إلى التورّط في هذه الحملة؛ بما فيها "حزب النور" بدءاً من شهر فبراير/ شباط 2013، وهو الحزب الذي صعد في زمن الديمقراطية ثمّ رهن ذاته لتحالف مستقرّ مع العهد الانقلابي وولاء دائم للسيسي.

 

ولأنّ "الأخونة" تعبِّر عن الاستحواذ على السلطة والاستفراد بالحكم؛ فإنّ الاتهام بها كان يُراد به أيضاً عزل الرئيس المنتخب عن شركاء الساحة وإضعاف قدراته التحالفية، علاوة على تحميله و"الأخوان" مسؤولية الحالة المضطربة في عيون الجمهور. بهذا؛ يمكن اختزال الرسالة التي أُريدَ حشوُها في رؤوس الشعب من مقولة "الأخونة"، بأنها تعبِّر عن نزعة تعطُّش للسلطة تريد أن تصنع في شهور معدودات أكثر مما صنعه "الحزب الوطني" في عقود مديدة؛ وأنّ "هؤلاء" ليسوا جديرين بثقة الناخبين الذين تعاطفوا معهم "بسذاجة" قبل أن "تنكشف حقيقتهم"، ثمّ إنّ إسباغ وصف "الأخوَنة" على الوضع المصري المُفعَم بأعراض الاضطراب والارتباك والقلق؛ كان يدفع باتجاه تحميل الطرف الذي افتُرِض أنه "يهيمن" على الدولة؛ المسؤولية عن هذا كلِّه، حتى إن كان الرئيس "وأخوانه" لا يملكون في واقع الأمر شيئاً ولا يحكمون. وكما هو الحال مع ادعاءات من هذا النوع؛ تأتي قدرة الوعي الجمعي على إدراك هشاشتها متأخِّرة غالباً بعد أن تفعل فعلها في مرحلة مشبّعة بقلق التحوّلات والأحداث المضطربة والتطوّرات الصادمة التي كان بعضها مفتعلاً لإرباك التحوّل الديمقراطي وعرقلته وإنجاز ردّة محبوكة إلى العهد السلطوي.

 

جاء الانقلاب العسكري ليفنِّد عملياً مزاعم "الأخونة" إيّاها بعد أن أدّى الادعاء دوره واستنفد وظيفته، لينقشع المشهد عن حمّى "العسكرة" التي تمسك بتلابيب الدولة المصرية. ومع ذلك؛ انتصبت "الأخونة" ذريعة للعسكرة، حتى أنّ سيِّد الانقلاب استعاد المزاعم بشكل ضمني عندما تحدث في خطابه يوم 24 يوليو/ تموز 2013، عن لوْم وجّهه بنفسه للقيادة الشرعية المُنتخبة من سعيها لإحداث تغييرات متسارعة في صميم الدولة، كناية عن فكرة "الأخونة" ذاتها. ما اتّضح عملياً أنّ الدولة المصرية رازحة في الواقع تحت معادلة حدّد الضبّاط جانباً كبيراً من شروطها؛ وأنّ الوصف الأصحّ للمشهد هو "عسكرة الدولة" وليس "أخوَنتها".

مقولة "فشل مرسي"

بعد شهور معدودة من استلامه المنصب تم استعجال إلصاق وصمة "الفشل" بالرئيس الُمنتخَب، مع تكثيفها تدريجياً وجعلها لازمة للمنصّات الدعائية الموجّهة لإحباط العهد الديمقراطي لتثبيتها كمسلّمة مفروغ منها، استغلّت المنصّات الإعلامية المتحاملة وعوداً بإنجازات إجرائية محددة خلال مائة يوم سبق أن أطلقها مرسي في حملته الانتخابية، قبل أن يتّضح أنّ محاولة تنفيذها تجري في بيئة مناوئة له وتفتعل له العراقيل. تعاملت منصّات الدعاية المضادة مع أول مائة يوم في الرئاسة كما لو كانت عهداً رئاسياً كاملاً يستحقّ وصمة الفشل الذريع، باشرت الدعاية ذاتها تضخيم الإحساس بالمشكلات والأزمات التي كان بعضها مفتعلاً من أذرع الدولة العميقة؛ مثل انقطاع الكهرباء وأزمة الوقود، مع تجاهل مُطبِق للإصلاحات والمنجزات الأوّلية التي تحققت في العام الأوّل رغم الاضطرابات والعراقيل؛ مثل تحسين إمدادات الخبز والقطاعات التموينية وبعض المؤشرات المالية والاقتصادية وآفاق إنعاش علاقات مصر الخارجية خاصة مع مجموعة "البريكس".

لجأت الدعاية المضادة في تلك المرحلة إلى حيلة عقد ارتباط شَرطي بين أزمات البلد من جانب وعهد الحرية والديمقراطية من جانب آخر، وتمّ إلصاق المعضلات المزمنة والمشكلات الاعتيادية والحوادث المتفرقة بعهد مرسي وتصويره شؤماً على مصر، إلى درجة تضخيم الوعي ببعض الحوادث والأعمال الإجرامية وإزاحتها من الصفحات الداخلية أو التغطيات الفرعية لتتصدّر واجهات الصحف مع صور ملوّنة ولتصبح في مركز التغطيات المشبّعة بالتشاؤم الذي يحرِّض عليه قلق التغيّرات الملموسة وهواجس التحوّلات المتسارعة أساساً، بدا أنّ المطلوب تأكيد مقولة "فشل مرسي"، لتبدو حكماَ صارماً ومؤبّداً يقطع الطريق على أي فرصة لتمكين إرادة الشعب مجدداً بقيادة منتخبة بصفة حرة ونزيهة، وليكتسي عام الديمقراطية في وعي الجماهير صفة مشؤومة مكللة بالحظ العاثر، أو هي "سنة سوداء" تمّ الفكاك منها والاستراحة من "العهد النحس" أو "حكم الجماعة"، بما يمثِّل تبريراً استباقياً للانقلاب العسكري.

 

لم تكن هذه التجارب ابتكاراً جديداً، فهي تستعمل مع الجمهور "عقيدة الصدمة" التي تقوم على إخضاع الشعب لتجارب قاسية معنوياً بما يحرِّضه على القبول بما كان يرفضه على أمل الخلاص من ضغوط المرحلة. كان المطلوب استثارة حنين المصريين إلى رئيس ذي سطوة يقبض على السلطة ويفرض الاستقرار بالحديد والنار، ويعيد مصر إلى عهد الضبط والربط مهما كلّف الأمر، إنها وصفة مجرّبة بنسخ متعددة في تجارب الانقضاض على الحكومات الوطنية والزعامات المنتخبة في أمريكا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث. وثمة تناظر نسبي بين تجربة الانقضاض على عهد محمد مرسي وما لقيه رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق وحكومته الوطنية التي لم تستغرق سوى سنة واحدة أيضاً (1952 – 1953) قبل الإطاحة بها في عملية "أجاكس" التي دبّرتها المخابرات الأمريكية والبريطانية لصالح حكم الشاه.

الشنق المعنوي خلال المحاكمات

تبقى الخيانة والجاسوسية أشنع الاتهامات التي يُرمََى بها المسؤولون، فكيف بها إن استهدفت رئيس جمهورية؟ لم تقتصر تهمة "التخابر" بحق الرئيس مرسي على قاعات المحاكم، فوصمة "الجاسوس" شاعت على ألسُن متحدثي الفضائيات ومعلِّقي وسائل الإعلام، وهو ما يمثِّل محاولة للإجهاز على الشخصية وشنقها معنوياً على مدار سنوات ستّ بحيالها، أمّا الدكتور مرسي ذاته فلم يُمنَح طوال سنوات السجن السياسي (2013 – 2019) أدنى فرصة للترافع عن نفسه أو لمخاطبة شعبه أو للحديث إلى وسائل الإعلام أو للقاء الصحفيين. وتمّ تصميم قفص مخصوص لمرسي في قاعات المحاكمة لإحكام عزله وكي لا يظهر من خلال ثقوب الشِباك سوى في هيئة شبح بلا هيئة مرئية أو صوت مسموع، على نحو يحطّ من الكرامة الإنسانية.

 

ثمة مشاهد ذات دلالة خلال ذلك. منها أنّ مرسي استهلّ دخوله المنصب بفتح سترته في مكاشفة مع جماهير شعبه المحتشدة، ثمّ استهلّ دخوله إلى المحاكمات السياسية التي عُقدت للنيْل من شخصيّته بأن هبط من سيارة الاحتجاز التي أقلّته أوّل الأمر وعمَد إلى تهيئة سترته والعناية بهيئتها وإغلاقها حسب "البروتوكول" قبل دخول المحكمة في أول مثول له أمامها، فكانت إشارة إلى تمسّكه بشرعيته الرئاسية وأنه لم يرضخ لحملة الإطاحة به. لكنها كانت الجلسة الأولى، التي أعقبتها جلسات من الزجّ به في أقفاص المحاكمة بملابس السجن ثم بملابس الإعدام الحمراء، إلى أن جاءت رواية منزوية في الأخبار المصرية الرسمية عن "وفاة محمد مرسي العياط" في جلسة محاكمته يوم 17 يونيو/ حزيران 2019. توقّف نبض السجين السياسي الأبرز بعد سنوات من تغييبه عن المشهد ومحاولة اغتياله معنوياً، لم تنتهِ الحكاية بصدور "إعلان الوفاة" المُريب، فالسلطات المهيمنة ودعايتها الموجّهة تعجزان عن احتكار الرمزيات الجماهيرية؛ وبعضها قد يبزغ عالياً بإشعاع مُلهِم بعد أن يُوارى التراب مع أسراره وتضحياته.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة