العلامة حفني ناصف الذي انتقل بالفكر العربي من الموسوعية للأكاديمية

حفني بك ناصف (1855 – 1919) علم سامق في تاريخ الفكر والادب والقضاء واللغة والادب. جميعا، يوصف بأنه شاعر وناثر وخطيب وقاض ولغوي وتربوي وصحفي وثائر من طراز رفيع. ومن الإنصاف أن نقول إنه كل هذا وأكثر من هذا فقد كان رجلًا من رجال الحضارة، الذين ينتقلون بمجتمعاتهم من مرحلة متقدمة إلى مرحلة أرقى، ولا شك في أنه أبرز أبناء جيله من المثقفين الموسوعيين في حقول التربية والتعليم والقضاء والفكر والشعر معًا. وقد تمكن بعبقريته أن يجمع بين الإبداع وبين التفوق في الأداء، كما جمع بين روح المصلح وروح الثائر، وكان ذا تأثير وحضور، كما أنه كان قادرا على الإنجاز والخلود.، وقد مكنته الوظيفة والهواية من أن يرتحل ويزور بلادا كثيرة، حيث زار ألمانيا وسويسرا والنمسا والسويد ورومانيا واليونان الآستانة وسوريا والجزيرة العربية.

 

وهومن حيث تاريخ العلم يمثل آخر نماذج رجال العلم من الرواد البارزين العباقرة، الذين جمعوا بين تولي المناصب القضائية والتربوية مع النبوغ في كليهما، فضلا عن شاعريته وتفوقه الأدبي، ودوره السياسي. ويمكن القول أيضًا بأنه هو أول أساتذة الأدب العربي الجامعيين (أو الأكاديميين) بالمعنى الحديث. كان حفني بك ناصف أيضا أبرز خريجي مدرستي دار العلوم والحقوق في سنواتهما الأولى.

 نشأته

ولد حفني بك ناصف عام 1855، في بعض المصادر أنه ولد عام 1856. وهو بهذا من حيث المولد تال مباشرة للشيخين محمد عبده وحمزة فتح الله (المولودان ١٨٤٩)، وقد كان صديقًا للأستاذ الإمام، وعونًا له، كما أنه صاحب مرثية شهيرة له. ولد الشاعر حفني ناصف ببركة الحج (القليوبية)، ودرس في كتّاب قريته، ودفعه طموحه إلى الالتحاق بالأزهر، فلم يستشر في ذلك والدته ولا خاله الذي كان قد أصبح ولي أمره؛ نظرا لوفاة أبيه وهو طفل صغير، وقضى في الأزهر عشر سنوات، وقبل أن يتقدم للامتحانات تقدم لدار العلوم، فاختير طالبا بها وتخرج فيها بعد نهاية الثورة العرابية، التي كان قد شارك فيها بالخطابة وبتوزيع خطبه الثورية على الخطباء في المساجد والتجمعات والشوارع، كما كان يكتب في بعض الصحف باسم إدريس محمدين.

عقابه على اشتراكه في الثورة العرابية

وبسبب نشاطه في الثورة العرابية وصلته بالشيخ محمد عبده، عين الشاعر حفني ناصف في وظيفة أدنى من شهادته؛ حيث عين في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة كانت تسمى بمدرسة الخرس والعميان، وبقي في هذه الوظيفة حتى أعلن عن حاجة مؤسسة القضاء إلى توظيف سكرتارية تساعد في ترجمة القوانين الأوروبية، فكان حفني ناصف ممن نجحوا في هذا الامتحان، وكانت هذه أول علاقته بالقانون، لكنها توثقت توثقا شديدا حتى أصبح من أكثر الناس إلماما بالقانون، وحتى رشح مدرسا في مدرسة الحقوق الخديوية العليا .

كان لحفني ناصف دور مجتمعي تنويري لا يقل أهمية عن دوره في وضع القواعد والقوانين لتطوير مناهج تعليم اللغة العربية. وقد كان حفني ناصف تنويريا على مستوى الأسرة الصغيرة

وفي مدرسة الحقوق استكمل الشاعر حفني ناصف علمه القانوني، وهو يقوم بوظيفته كمدرس للقانون، أي أنه كان يجمع بين التلمذة والأستاذية بنظام دقيق، حتى أصبح في مستوى أساتذة القانون المجيدين، وجاءته الفرصة مرة ثانية حين عقد امتحان لاختيار القضاة بالمحاكم الأهلية، ففاز في الامتحان وأصبح قاضيا أهليا، وتنقل في وظيفته الجديدة بين مناصب ومواقع متعددة في النيابة والقضاء على مدى عشرين عاما.

اسهامه في الحياة العامة

كان حفني ناصف كاتبًا نشطًا قادرًا على المتابعة والاشتباك مع قضايا عصره، وقد ظل يمارس الكتابة للصحافة وبرز في هذا المجال، حتى إنه رشح ليخلف الشيخ علي يوسف في رئاسة تحرير «المؤيد» (1913). وفي كل الأوقات ظل حفني ناصف حريصًا على هوايته للشعر والأدب ومشاركته في الأحداث الوطنية بآثاره الأدبية. وكانت لحفني ناصف مكانته في المجتمعات الأدبية والثقافية، وقد ساعده على هذا ارتباطه بالأستاذ الشيخ محمد عبده، ومن ثم فإنه ارتبط بصداقة مع الشاعر حافظ إبراهيم، وبمنافسة مع محمد توفيق البكري.

 

كان لحفني ناصف دور مجتمعي تنويري لا يقل أهمية عن دوره في وضع القواعد والقوانين لتطوير مناهج تعليم اللغة العربية. وقد كان حفني ناصف تنويريا على مستوى الأسرة الصغيرة، ويكفي أن نشير إلى أنه هو الذي مهد الطريق لنبوغ ابنته باحثة البادية، كما كانت ابنته الأخرى (التي لا تتمتع بشهرة شقيقتها) هي أول طبيبة مصرية. كان حفني ناصف تنويريا على مستوى كل المجتمعات التي عاشها، وقد بدأ هذا الدور وهو قاض متنور ينشئ المواسم الثقافية في عواصم الإقليم (كقنا وطنطا حيث عمل بهما) ليقدم للجماهير أحاديث أدبية توازي ما كان يقدم في المساجد ودور العبادة من أحاديث دينية.

الأب الروحي لأول مؤسسة نقابية وعلمية: نادي دار العلوم

تبع حفني ناصف خطواته التثقيفية المتعددة بخطوة رائدة تمثلت في إنشائه نادي «دار العلوم» في القاهرة، وهو بلغة عصرنا الحاضر مؤسسة بارزة من مؤسسات المجتمع المدني، وكان هذا النادي من أوائل نوادي الخريجين، لكنه تميز عن هذه النوادي جميعا بطابع فكري وعلمي كان بارزًا إلى حد مذهل، ولا تزال بقايا هذا الدور مستمرة، وكان حفني ناصف في خطوته هذه رائدًا في إعطاء ما يسمي الآن بـ«مؤسسات المجتمع المدني» دورًا كبيرًا في قضايا الفكر وتطوير الحضارة نفسها. ولم يكن حفني ناصف ـ وهو واحد من كبار الموظفين ـ منغلقًا في تصوراته حول حصرية السلطة في الإصلاح، بل إنه كان منذ مرحلة مبكرة في تاريخ نهضتنا مؤمنا بأهمية الدور غير الحكومي في ارتياد مناطق «المخاض الفكري» في قضايا التقدم.

تمثلت الخطوة التنويرية الثالثة لحفني ناصف في مشاركته الفاعلة في إنشاء الجامعة الأهلية القديمة مع سعد زغلول وقاسم أمين ومصطفى كامل، ولم تقف هذه المشاركة عند حدود الإنشاء الإداري أو المؤسسي، لكنها تعدت هذا إلى جوهر الإنشاء الأكاديمي

أول مؤتمرين لقضايا الأمة

وجه حفني ناصف مؤسسته الوليدة المسماة نادي دار العلوم إلى بحث موضوعين فكريين على درجة كبيرة من الأهمية، أحدهما: موضوع الألفاظ الأعجمية التي بدأت تغزو اللغة العربية، وثانيهما: موضوع الربا، والحديث عن دور البنوك الاقتصادية التي أُنشئت في البلاد، ومدى موافقة أعمالها لما تقرره الشريعة الإسلامية، وكأنه كان يعهد إلى هذا النادي الذي رأسه بوظيفة مجمعي اللغة العربية والبحوث الإسلامية اللذين لم تنشئهما الدولة إلا بعد هذا في بداية الثلاثينيات وبداية الستينيات. وفيما يتعلق بمقاومة الألفاظ الأجنبية التي اقتحمت اللغة العربية، عقد النادي ندوة جمعت كبار المفكرين المصريين في ذلك الوقت، وممن شاركوا فيها بالرأي والدراسة الأساتذة: محمد الخضري، وفتحي زغلول، وأحمد زكي باشا، وأحمد الإسكندري، وقدموا أوراقا وبحوثا على أعلى درجات الفهم والاستيعاب، وقد تضمنت هذه البحوث آراء وتوصيات محددة ومتعددة، وإن صدرت عن عقليات مختلفة.

 

وقد اختتم حفني ناصف بحوث الندوة، فلخص آراء زملائه المتعارضة، وأبدى رأيه منتصرا لمَنْ قال بضرورة التعريب، وانتهى الحضور إلى قرار نهائي في تسمية المسميات الحديثة، جاء في نصه: «يبحث في اللغة العربية عن أسماء المسميات الحديثة بأي طريق من الطرق الجائزة لغة، فإذا لم يتيسر ذلك بعد البحث الشديد يستعار اللفظ الأعجمي بعد صقله ووضعه على مناهج اللغة العربية، ويستعمل في اللغة الفصحى بعد أن يعتمده مجمع لغوي سيؤلف لهذا الغرض». وقد صدر هذا القرار بتوقيع حفني ناصف رئيس النادي.

دعوته المبكرة لإنشاء بنك مصري ولدراسة المعاملات المالية

نتناول في مدونة أخرى دعوة العلامة حفني ناصف لدراسة حكم المعاملات الدينية من حيث خضوعها لتعريف الربا، حيث دعا إلى البحث فيما تدل عليه كلمة الربا، وشارك في هذا البحث الشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ عبد الوهاب النجار، والشيخ محمد الخضري والسيد محمد رشيد رضا، ومن المفاخر التي لا يذكرها المصريون المحدثون ولا يقدرونها حق قدرها أن هؤلاء الأعلام الخمسة كانوا أول من نادوا بوجوب إنشاء مصرف مصري، يُنافس البنوك الأجنبية التي ملكت اقتصاد البلاد، وكأنما كان هؤلاء المفكرون الأعلام يرهصون بما أنجزه طلعت حرب باشا بعد سنوات.

إسهامه في انشاء الجامعة ووضع مقرراتها

تمثلت الخطوة التنويرية الثالثة لحفني ناصف في مشاركته الفاعلة في إنشاء الجامعة الأهلية القديمة مع سعد زغلول وقاسم أمين ومصطفى كامل، ولم تقف هذه المشاركة عند حدود الإنشاء الإداري أو المؤسسي، لكنها تعدت هذا إلى جوهر الإنشاء الأكاديمي، ووضع المقررات وبناء المناهج والتوجهات. وقد اختير حفني ناصف ليرأس مجلس إدارة الجامعة، كما عمل أستاذا لتاريخ الأدب العربي بالجامعة. وبهذا فإنه سبق إلى هذه المكانة كلّا من الدكتور أحمد ضيف، والدكتور طه حسين، اللذين عينا فيما بعد كأستاذين للأدب وتدريسه، وكانا متفرغين للوظيفة ويتقاضيان عنها الأجر، وليس كما كان الأستاذ حفني ناصف يقوم بها عن تطوع.

انتبه حفني ناصف بعبقريته إلى ضرورة دراسة اللهجات والبحث في تأصيل الاختلافات القائمة في هذه اللهجات، وكان له جهد رائد في هذا الميدان، حيث تولى في بحثه المعنون «رسالة في المقابلة بين لهجات بعض سكان القطر المصري» إجراء دراسة ميدانية للهجات مديريتي المنيا وبني سويف

ومن أبرز مؤلفات الأستاذ حفني ناصف، التي ارتبطت بهذا التأسيس الأكاديمي: «تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية»، ومن أبرز بحوثه التي أفادته وأفادت الجامعة في تصورها لدورها الوطني، بحثه عن «مميزات لغة العرب»، الذي كان قد تقدم به إلى مؤتمر المستشرقين في فيينا، المنعقد سنة 1886. ومن الجدير بالذكر هنا أن الأستاذ حمزة فتح الله قد اشترك هو الآخر في هذا المؤتمر. وهكذا كان لحفني ناصف دور بارز في العلاقة الفكرية مع المستشرقين، وكما ذكرنا فإنه مثّل مصر في أكثر من مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين ببحوث قيمة، أشاد المستشرقون أنفسهم بقيمتها وأشاروا إلى ضرورة طبعها.

استاذيته لتاريخ الادب

لا شك في أن حفني ناصف بمثابة رائد حقيقي لدراسات تاريخ الأدب العربي الجديدة، وقد ألقى محاضرات مهمة في هذا العلم في الجامعة. وكان صاحب رؤية في الاتساع بمفهوم تاريخ الأدب ليشمل فقه اللغة العربية وأصولها اللغوية، وليشمل البحث فيما سماه حروف الهجاء وطريقة نطقها في القبائل المختلفة، وفي المخارج واللهجات والإمالة والاتباع، ولدراسة الخط العربي في زمنه القديم من عهد عرب الرعاة والنبط والبابليين، ونشأة الشكل والنقط، وأنواع الخط من مُسند ومقوّر وكوفي ومبسوط، وكان حفني ناصف من رواد التوسع في دراسة تاريخ الأدب العربي، وكان هذا الاتساع أقرب إلى مناهج المستشرقين في كتابة تاريخ الأدب. وهكذا فإنه في نظر أساتذة تاريخ الأدب المعاصرين، خلط بالأدب كثيرا مما اصطلح على أنه خارج عن نطاقه، وكأنه امتد بكلمة الأدب من مفهومها الخاص إلى المفهوم العام، وهذا ما صنعه أيضًا مصطفى صادق الرافعي رحمه الله حين كتب كتابه الرائع «تاريخ آداب العرب»، ويرى الدكتور محمد رجب البيومي أن مصطفى صادق الرافعي تأثر في كتابه بمحاضرات حفني ناصف، على حين سار على نهج جورجي زيدان مَنْ تلاه من مؤرخي الأدب على طريقة العصور، كالشيخ أحمد الإسكندري ومصطفى عناني في «الوسيط»، وأحمد حسن الزيات في «تاريخ الأدب العربي»، ومؤلفو كتاب «المفصل» بجزأيه الجليلين.

ريادته الفذة في دراسة اللهجات

انتبه حفني ناصف بعبقريته إلى ضرورة دراسة اللهجات والبحث في تأصيل الاختلافات القائمة في هذه اللهجات، وكان له جهد رائد في هذا الميدان، حيث تولى في بحثه المعنون «رسالة في المقابلة بين لهجات بعض سكان القطر المصري» إجراء دراسة ميدانية للهجات مديريتي المنيا وبني سويف؛ حيث لاحظ فروقا في نطق بعض الحروف بين أبناء المديريتين، وأرجع هذا الاختلاف إلى اختلاف القبائل العربية التي نزلت بالمكانين بعد الفتح الإسلامي، فعرب قريش تتجلي لهجتهم لدى سكان مديرية المنيا، وغير قريش تبدو لهجتهم لدى سكان مديرية بني سويف.

ريادته للنثر الفني الحديث

كان حفني ناصف في جيله أبرز الذين تفوقوا في النثر الفني بمفهومه الأدبي الواسع، ويمكن تصنيفه على أنه صاحب ابرز أسلوب نثري مخضرم يجمع بين الامتداد التقليدي للمدرسة السائدة في ذلك الوقت، والتي كانت تعنى بالسجع والبديع، وبين التطوير في هذه المدرسة الذي جعلها تتحرر من هذا الأسلوب، كما يمكن تصنيفه أيضًا على أنه من طلائع الذين كتبوا بالأسلوب الصحفي المترسل غير مقيدين بالنثر الفني التقليدي، وبالطبع فإن آثاره في الثانية أكبر من آثاره في الأولى، ولكن بعض آثاره في الأولى بقيت ناطقة بعبقرية قادرة على تطويع السجع لغايته التعبيرية، دون تكلف أو شطط. أما شعره فشعر جيد وسهل في الوقت نفسه، ليس فيه تكلف تعبيري ولا فكري، لكنه لا يخلو من لمحات فنية متميزة، وقدرات عالية على التصوير والمجاز، وهو في معظمه بعيد عن الألفاظ المهجورة، وما يمكن تسمينه بالصور الاكلشيهية، كما أنه يمثل صورة مبكرة من شعر الحياة؛ فقد أجاد التعبير بشعره عن كثير من مواقف حياته، وعن أحداث أمته ووطنه في الفترة التي عاشها، وذلك على الرغم من إصراره على الابتعاد عن الفخر والمراثي والمديح، ولم يكن مستواه في أشعاره يبعد كثيرا عن شعراء الصف الأول الذين عاصروه من أمثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، وكان هؤلاء تالين له في السن بسنوات قليلة.

ظهر أثر حفني ناصف المربي في أولاده، فبالإضافة إلى ابنته فائقة الشهرة والتأثير ملك حفني ناصف المعروفة بلقب «باحثة البادية» ، وابته الثانية الدكتورة كوكب حفني ناصف التي هي أول طبيبة مصرية، فإن له ابنين كان لهما شأن كبير في الحياة العامة والفكر السياسي اليساري

اسهاماته الفذة في علوم اللغة

أما قيمة حفني ناصف اللغوية والعلمية، فلا سبيل إلى إنكارها ولا تجاهلها، فقد كانت له إنجازات كثيرة، ومن أبرز هذه الإنجازات وضعه لقواعد الوقف في المصحف الشريف، ورموز السجدات والأرباع، وقد قام بهذا الجهد على مدى سنوات. مع زميليه الأستاذين أحمد الإسكندري، ومصطفى عناني، وقد تولى مراجعة طريقة الرسم لتأتي مطابقة للرسم العثماني الذي التزم به، كما بحث في القراءات والقواعد النحوية، من أجل رسم علامات الوقف والوصل على الوجه الصحيح، وقد تمكن هو وزميلاه من وضع علامات للوقف الواجب والوقف الجائز والوقف الممتنع.. إلخ.

 

وكتب هؤلاء الثلاثة منهجهم في صفحات تحمل عنوان «تعريف بهذا المصحف الشريف» ولا تزال هذه الصفحات تُلحق في نهاية المصاحف المطبوعة التي بين أيدينا، وعلى الرغم من تعدد طبعات المصحف الشريف على النحو الذي أنجزه حفني وزميلاه، والإشارة إلى ما كتبوه عن معنى الرموز التي وضعوها (من قبيل صلي، وقلي، وم، ولا.. إلخ)، فإن أسماءهم لا تذكر في نهاية التعريف برسوم تلاوة المصحف الشريف، وقد كان هذا هو نمط الحياة الحضارية في زمانهم، أما في زماننا هذا الذي يحرص الناس على فرصهم في الذكر، فيُذكر مَنْ قاموا بالإشراف المطبعي فحسب، بينما يبقى التعريف من دون ذكر اسماء الأعلام الثلاثة الذين أنجزوه: الأساتذة حفني ناصف، وأحمد الإسكندري، ومصطفى عناني.

قيمته التربوية

ومن أبرز إنجازات حفني ناصف ريادته في تأليف مجموعة مبكرة من كتب اللغة العربية المدرسية بالطرق الحديثة (يمكن لنا بلغة العصر أن نسميها: الجيل الأول من الكتب المدرسية)، وقد تولى رياسة لجنة علمية تولت تأليف الكتب المدرسية في النحو والصرف والبلاغة على نحو يفيد الطالب المبتدئ، ألفت هذه اللجنة سلسلة «الدروس النحوية» في أربعة كتب، الأول والثاني والثالث للمدارس الابتدائية، والرابع للمدارس الثانوية، كما ألفت كتابا خاصا بالبلاغة وفروعها من معان وبيان وبديع. وهكذا بدأ التأليف المدرسي في علوم اللغة العربية على نحو تربوي حديث يستهدف التلميذ والمدرس ويخاطبهما معا، وقد أخذت هذه السلسلة المدرسية بأسلوب التدرج، بحيث يكون درس أي باب سهلا في الجزء الأول ثم يضاف إليه في الكتب التالية ما يكمله من التقسيمات اللازمة. أما الذين شاركوا حفني ناصف في تأليف الكتب المدرسية فكانوا زملاءه محمد دياب، محمود عمر، مصطفى طموم، وسلطان بك محمد.

 

وقد ظلت سلسلة «الدروس النحوية» تدرس في المدارس المصرية قرابة نصف قرن، حتى حلت محلها كتب الجيل الثاني وأبرزها: «النحو الواضح» و«البلاغة الواضحة» للأستاذين علي الجارم ومصطفى أمين. ولهذا فإني أقول دائمًا إن حفني ناصف وزملاءه هم الجيل الأول من مؤلفي الكتب المدرسية الحديثة، أما الجارم فهو رأس الجيل الثاني، ثم يأتي الجيل الثالث ممثلًا في محمد مهدي علام وأقرانه. وفيما قبل هذه الأجيال كانت قواعد اللغة العربية في المدارس الابتدائية تدرس من خلال كتاب «تقريب فن العربية لأبناء المدارس الابتدائية»، وهو كتابٌ وضعه الشيخ أحمد المرصفي وكان صورة مختصرة للمنهج الأزهري في التأليف، حيث يبدأ بتعريف المصطلح، ثم يأخذ في إخراج المحترزات، ويأتي بالاعتراضات التي يمكن أن توجه للتعريف. أما أبرز جهوده في التأريخ فتتصل بما كتبه عن قرية «مارية القبطية»، وقد توصل إلى معرفة قرية «حفن» حيث بنى عبادة بن الصامت مسجدا تبدد بعد موته، وحيث وجد أبناء تلك القرية يتناقلون الاعتزاز بالسيدة مارية التي كانت من بلدتهم.

ظهور مجده في أبنائه

ظهر أثر حفني ناصف المربي في أولاده، فبالإضافة إلى ابنته فائقة الشهرة والتأثير ملك حفني ناصف المعروفة بلقب «باحثة البادية» ، وابته الثانية الدكتورة كوكب حفني ناصف التي هي أول طبيبة مصرية، فإن له ابنين كان لهما شأن كبير في الحياة العامة والفكر السياسي اليساري وهما عصام الدين حفني ناصف، ومجد الدين حفني ناصف. بدأ عصام الدين حفني ناصف (1899 – 1969) حياته السياسية في الحزب الوطني، ثم أصبح من الوطنيين الذين انضموا إلى مسيرة الوفد بقيادة سعد زغلول، ثم اتجه إلى الفكر الاشتراكي، فكان من دعاته المبكرين، وقد جاء اقتناعه بالفكر الاشتراكي مواكبًا لاقتناعه بنظرية النشوء والارتقاء وبالفكر الحديث في معالجة تاريخ الإنسان والجنس البشري، وعرف بانغماسه في الحركة الوطنية أكثر من شقيقه مجد الدين، وبالطبع أكثر من شقيقته ملك التي لم يتح لها العمر الاشتراك في ثورة 1919 وما بعدها.

وعلى عادة الاشتراكيين والشيوعيين، فإن عصام الدين ومجد الدين تركا عضوية الوفد، في إطار اتهام سعد زغلول بالمساومة على القضية الوطنية. درس عصام الدين في ألمانيا، وفيها أسس جمعية طلابية شبابية، على حين أن أخاه مجد الدين كان يقوم بالدور نفسه في فرنسا، وكان كلاهما مرتبطًا بالحزب الاشتراكي.، وعرف عن مجد الدين علاقته بالسياسي الفرنسي كاشان، الذي أسس الحزب الشيوعي الفرنسي بعد نجاح ثورة لينين، وكان مواكبًا لنشأة الحزب الاشتراكي في مصر على يد سلامة موسى ومحمد عبد الله عنان، وهو الحزب الذي قلد باريس في كل شيء حتى في الانقسام؛ إذ خرج ثلاثة لبنانيين منه ليؤسسوا الحزب الشيوعي المصري في 1923 وهم: رفيق جبور، وأنطون مارون، وفؤاد الشمالي.

 

وقد اتهم عصام الدين بطبع المنشورات في 1919 وحكم عليه بالسجن لثمانية أشهر ثم تكرر دخوله السجن.. وأصدر كتابًا بعنوان «التجديد الاجتماعي» 1931، وكان هو صاحب الاعتراضات الصارخة على الأمير يوسف كمال، الذي صوره في صورة بشعة: يذبح الخرفان لكلابه العشرين التي يستخدمها في الصيد، بينما الفلاحون معدمون لا يأكلون إلا «المش». وبقيت من مؤلفاته: اليهودية في العقيدة والتاريخ، موسي وفرعون بين الأسطورة والتاريخ، اليهودية بين الأسطورة والحقيقة، المسيح في مفهوم معاصر، محنة التوراة على أيدي اليهود، وإلى عصام الدين حفني ناصف يرجع الفضل في جمع ديوان والده، وترتيب كتابة الدكتور طه حسين لمقدمته.

نبله مع الأستاذ مصطفى صادق الرافعي

كان العلامة حفني ناصف إنسانًا نبيلًا منصفًا، وقد ذكر الأستاذ محمد سعيد العريان في كتابه عن حياة الرافعي بعض مواقف نبله مع الرافعي، فعلى الرغم من أن الرافعي كان قد بدأ علاقته مع حفني ناصف بداية جافة، فإن حفني ناصف بما جبل عليه من نبل أعطى الرافعي حقه، ومكّن له في الوظيفة، وحماه من البيروقراطيين ومن حقد مَنْ لا يقدّرون الموهبة حق قدرها.

وفاته وتكريمه

عاش العلامة حفني ناصف حتى شهد بداية أحداث ثورة 1919، وتوفي في ٢٦ فبراير ١٩١٩ أي في أثناء الثورة، فشغل الناس بالثورة عن إقامة التكريم اللائق به عند وفاته. وقد جمع ابنه مجد الدين حفني ناصف شعره في ديوان سماه «شعر حفني ناصف».

تكريم أكبر أساتذة الأدب له

نشر الأستاذان الكبيران محمد خلف الله ومحمد مهدي علام عنه كتابيهما القيم «نثر حفني نصف»، وكتب عنه الشاعر محمود غنيم في سلسلة أعلام العرب، كما خصه الأستاذ محمد رجب البيومي بفصل عظيم في كتابه «النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين»، وكتب الدكتور علي عشري زايد المدخل الجميل الوافي الخاص به في «قاموس الأدب العربي الحديث».



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة