هل حقاً انتهى الربيع العربي؟

بالقوة والقهر أريد لربيع ديمقراطي كاد أن يزهر في المنطقة، أن يوارى الثرى. هكذا عمدت الثورات المضادة إلى وأد ربيع الحرية في مهده ووأدت معه أملاً لاح في أفق طالما أظلم وحداه اليأس من كل مكان، والمفارقة هنا أن الربيع العربي فعل ما قيل سابقاً – فعلا لا قولا – «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر»، لكن سرعان ما عاد الأمل يأساً والنور ظلمات حين واجهت الانتفاضات العربية انكسارات ليس أولها سوريا ولا آخرها اليمن.

 

لكن ما لم تنتبه إليه الشعوب أن جعل الراية رايات والجماعة جماعات فرق الوحدة، وشق الصف، وترك العيدان مفرقة…. سرعان ما قرضتها قوارض الثورات المضادة، وبعد ثماني سنوات يعود الربيع العربي كما بدأ من مهده الأول – دول المغرب العربي – وهذه المرة من بلد المليون ونصف شهيد من الجزائر الأبية من جزائر العزة والصمود، ليلحق عبد العزيز أبو تفليقة بمن سبقه من الطغاة والعسكر. ثم أتى الحراك السوداني والإطاحة بعمر البشير، قبل أن يبلغ الربيع العربي عامه التاسع، بمحاولة انقلاب فاشلة على ثورة الشعب في تونس الحرية، وعلى الصعيد الآخر ها هي الانتصارات تتلاحق ضد حفتر ممثل وعميل الثورات المضادة في ليبيا.

 

مما يطرح سؤلاً ملحاً: هل عاد الربيع العربي حقاً من جديد، أم انتهى الربيع العربي للأبد، وما هذه الانتصارات هنا أو هناك إلا منازعة أخيرة قبل خروج الروح، يرد البعض هذا ويقول من قال إن الربيع العربي ذهب ليعود؟ ففي علم الشعوب تعرف موجات الحراك بأنها متذبذبة قوةً وضعفاً لكنها ومهما طال أمدها تحقق ما أرادت يوما ما، ولهذا فإن الربيع العربي مستمر من تسعِ سنوات وإلى الآن، فما يحدث في ليبيا من انتصارات كبيرة ونوعية وفي وقت قصير ضد مليشيات حفتر والتي لم تكن لتتحقق دون حاضنة شعبية مؤيدة ومساعده لها، كما حدث في مدن الغرب الليبي "صرمان" و " صبراتة" فإن هذه التحركات الشعبية تعد الموجة الجديدة في محاولة الشعوب لتحرر من قبضة الطغاة والعسكر. وهو ما أعاد إنتاج الوعي لدى الشعوب بضرورة التخلص من هذه الأنظمة الفاسدة، فهو ليس تحركاً أو فعلا فحسب بل هو فكرة ليست محكومة بزمان ولا بمكان، فحسب الظروف والإمكانات تجدها تشتعل هنا أو هناك. وهذا المفهوم ينفي أن الثورات هي تغيير للأنظمة الحاكمة كما يقول بذلك كثير من المحللين السياسيين بل هي أشمل وأعم إذ إنها تمثل ترسيخا لفكر ووعي في اتجاه حصول الشعوب على الحقوق والحريات والتداول السلمي للسلطة.

لكل شعب خصوصيته ..

نجد أصحاب الأطروحات السلبية في هذا الخصوص في محاولة منهم لثني الشعوب عن مطالبها ينسون أو يتناسون قواعد تقييمية مهمة ونجدهم يلمحون إلى التجربة السورية والليبية وحتى اليمنية للشعوب لتثبيط الهمم وتفريق الجماعات، ومن الجدير بالذكر هنا أن التجربة السورية لها ظروفها الخاصة فالدولة قابلة بشكل كبير للنزاعات الطائفية التي لا توجد في معظم الدول العربية، مما ساعد في الحشد الطائفي الشيعي والاستنجاد بإيران أولاً، ثم التدخل الروسي الذي جعل الكفة تميل لصالح النظام ، لكن السؤال الأهم هنا هل التجربة السورية قابلة للتنفيذ في مكان آخر؟

 

الإجابة حتما بالنفي إذ إن روسيا لها مصالح جيوسياسية واقتصادية جعلتها تقبل بالمغامرة في الملف السوري، لكنها وفي الوقت نفسه تكبدت خسائر اقتصادية ضخمة أثرت على اقتصادها الذي يمر بفترات حرجة، إثر العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأمريكية عليها على خلفية احتلالها لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، علاوة على أن الفوضى التي سببتها الأزمة السورية في المنطقة سببت وماتزال إزعاجاً كبيراً للغرب، ولن يقبل الغرب بهذا مجدداً، فموجات اللجوء والفوضى التي وفرت بيئات خصبة لجماعات إرهابية مسلحة كداعش، ليس مرحبا بها إطلاقا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الراهنة والتكاليف الباهظة لمحاولات وقف موجات الهجرة الجماعية وتكاليف الحرب على الإرهاب متمثلا في داعش والنصرة في سوريا. وإن الغرب بات يرى في مصر وتونس طريقة مرنة لضمان مصالحه الخاصة دون ضريبة تذكر كتلك التي في سوريا واليمن وليبيا!

هل انتهت محاولات الالتفاف وفشلت؟

لا أحد يستطيع الجزم بنظرية معينة بهذا الخصوص، إلا أن التجارب السابقة والتاريخية التي حدثت في المنطقة تشكل مادة بحثية متميزة لفهم أعمق للأنظمة الحاكمة والمتنفذة في البلاد والتي عندما تتخلص منها الشعوب، فلا يبقى عائق أمامها نحو النهوض والتقدم والازدهار، وبالرغم من أن لكل بلد خصوصيته إلا أن جميع البلاد تتشابه في نقطتين دائما ما تستطيع الطبقة المتنفذة الالتفاف بها على الشعوب وتتمثل في:

•   " محاربة الإرهاب " متمثلة في فزّاعة الإخوان والإسلاميين

•    خرافة العلاقة الوطيدة بين الشعب والجيش

ولا نتجاهل التدخلات الخارجية والتي تتمثل في الدعم المقدم من الدول التي توصف بأنها عدوة الربيع العربي كالإمارات ومصر السيسي مثلا، وهذا لأن هذا التدخل لا يكون إلا عبر أدوات النظام نفسه الخفية والمتمثلة في المنتفعين ووفقا أيضا لنفس النقطتين السابقتين، فحفتر مثلاً ما هو إلا أداة من أدوات نظام معمر القذافي، وإليك مثال يوضح الصورة بشكل أدق وأعمق، جاء وزير الدفاع هواري بو مدين بانقلاب عسكري سنة ١٩٦٥ على أول رئيس مدني للجزائر بعد الاستقلال، المناضل الذي عرف بتاريخه النضالي ضد المستعمر الفرنسي أحمد بن بله.

 

ورغم أن بو مدين شهد عصره نهضة حقيقية في كافة المجالات وعد عصره العصر الذهبي للجزائر إلا أنه يمثل المؤسسة العسكرية التي تقدم نفسها كوصي على الشعب وهذا يبرر تدخلاتها المباشرة في اختيار الرئيس بعد ذلك، بعد وفاة بو مدين جاء العسكر بالشاذلي بن جديد الذي ما لبث أن ثار عليه الشعب الجزائري لانتشار الفساد والفقر والجوع في عصره. تمخض عن هذا تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ والتي تمكنت في بضعة شهور من كسب ثقة شريحة كبيرة من الجزائريين وعدت قوة كبيرة لا يستهان بها ما مكنها من اكتساح الانتخابات التي حدثت على خلفية الإصلاحات التي وعد بها بن جديد.

 

سرعان ما حدث صدام بينها وبين المؤسسة العسكرية أنتج صراعاً دموياً بين الإسلاميين من جهة والعسكر من جهة أخرى، وبالطبع استخدمت المؤسسة العسكرية فزاعة الإسلاميين ـ رغم أخطاء الإسلاميين التي لا ينكرها أحد ـ في الانقضاض على التجربة الديمقراطية والإصلاحات وعزلت بن جديد، ولامتصاص غضب الشعب جاءوا بالمعارض محمد بو ضياف ليكون رئيساً للجزائر، ولما تجرأ بو ضياف على عزل بعض قيادات الجيش، دبرت له عملية اغتيال وكالعادة فإن الإسلاميين حملوا مسؤولية الاغتيال، ثم جيء بمرشح العسكر عبدالعزيز بو تفليقة بعد أن كان لاجئاً في الإمارات لملاحقته بتهم فساد واختلاس ونهب أموال الشعب ليكون رئيسا للجزائر، والأحداث المماثلة لهذا كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ولعل آخرها ما حدث في مصر من سرقة لثورة الشعب بفزّاعة الإسلاميين أيضا وبخدعة أن "الشعب والجيش يد واحدة".

 

ولعل ما نود قوله هنا أن الثورة هي فكر ووعي وطريق طويل له محطات كثيرة، تبدأ من قبل إسقاط النظام بل من قبل قيام الثورة وتستمر إلى أن يحصل الشعب على كل حقوقه وحرياته، لهذا فإن دراسة التجارب السابقة وتحديد عوامل الفشل وتجنبها هو مفتاح حل اللغز، فتجد أن كثيرا من الثورات بل جلها تقع في نفس الأخطاء ذاتها بل نفس الأخطاء التي جرت في تجاربها هي الشخصية، فمثلا في مصر مرت البلاد في موجات ثورية كبرى من أهمها ثورة الضباط الأحرار كما تسمى وفيها وقع الشعب فريسة نفس الأخطاء التي وقع بها في انقلاب الثلاثين من يونيو عام ألفين وثلاثة عشر ، ولا شك أن التجارب النضالية والإنتاج الأكاديمي الفكري على المدى الطويل يساهم في نضوج الثورة ووصولها سريعاً إلى أهدافها، وبالتالي فإن طريق الثورة هذا يختلف في مدته من مكان لآخر فمثلا الثورة الفرنسية الشهيرة استغرقت مئة عام حتى حققت أهدافها، على عكس الثورة الأمريكية التي استغرقت ثمانية عشر عاما.

 

بات اليوم من المسلم به أن الشعوب إذا ما أرادت أن تنجح ثوراتها أن تبعد الجيش وتحيده عن السياسة تَحِيدَا كلياً، وأن يتم إقصاء كل رموز وأدوات النظام السابق، وعدم الانجرار وراء فزاعات تهدف لشق الصف وتفريق الوحدة، وما دام الشعب متحداً فإن ثورته ستبقى حية ما بقي.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة