العلامة "علي الخفيف" الذي أفتى بأن معظم عقود التأمين حلال

الأستاذ الشيخ علي محمد الخفيف (1891 ـ 1978) واحد من أبرز العلماء الذين دانت لهم ميادين الأستاذية والقضاء والمحاماة والعمل التنفيذي والتشريع والإدارة الجامعية، وهو علم من أعلام كلية الحقوق بجامعة القاهرة على مر تاريخها، وقد شغل مواقع مرموقة متتالية في مدرسة القضاء الشرعي، وفي القضاء الشرعي نفسه، والمحاكم الشرعية، وفي وزارة الأوقاف، وإدارة المساجد، وكليات الحقوق، ومعهد الدراسات العربية، فكان فيها جميعا مثالا للعمل الجاد، والأداء الملتزم بالشريعة الإسلامية، والأخلاق الحميدة، والرقي الحضاري، والتفوق البازغ في الفكر، وكان علي مدي حياته العلمية، واحدا من أفضل المشرعين الذين عرفتهم الحياة القانونية المصرية، وتأثر به وبفكره التَّشريعي عددٌ لا يحصى.

 

كان الشيخ علي الخفيف يتمتَّع في الأوساط العلمية والرَّسمية بمكانةٍ مرموقة وكان ذا سمعة عالية، واسم مستحق للاحترام، إذ كان أستاذا لثلاثة أجيال من القضاة ورجال القانون والمحامين وأساتذة الجامعات، كانوا جميعا يعترفون له بالأستاذية والمقام العلمي الرفيع.، كما كان شخصية محبَّبة تحظى بالتقديرٍ والإجلال، وقد جمع بعض ممن عاشروه ما وجدوه فيه من أخلاق رفيعة فاستخدموا التعبيرات التي أجاد القدماء صياغتها من قبيل: أنه كان طويل الصَّمت، جهير الصَّوت، عفُّ اللِّسان، سمح الخلق، كريم المحتد، هادئ الطبع، لا يدخل في معارك مع مخالفيه، ومن قبيل أنه كان له سمت العلماء، وجلال الفقهاء، وهيبة القضاة. ومن قبيل أنه عرف بجمعه بين الصفات المثلى لرجل الشريعة فهو أصوليٌّ محقِّق ذو رأيٍ صائبٍ ونظرٍ دقيق، وهو فقيهٌ متمكِّن، وإمامً تطلب فتواه، يقرِّب أحكامه للأفهام، ويجتهد في القضايا المعاصرة، وهو لغويُّ مدقِّق وصاحب لسانٍ بليغ.

 

وفيما بين أنداده من علماء الشريعة وجهابذة الفقهاء فقد كان الشيخ علي الخفيف (حتى وفاته) أطولهم عمرا إذ عاش ٨٧ عاما (عاش الأستاذ أحمد إبراهيم ٧١ عاما والأستاذ عبد الوهاب خلاف ٦٨ عاما والأستاذ أبو زهرة ٧٦ عاما والشيخ أحمد هريدي ٧٨ عاما والشيخ عبد الرحمن تاج ٧٩ عاما والشيخ حسن مأمون ٧٩ عاما والشيخ السنهوري ٨٦ عاما) لم يكن الشيخ علي الخفيف قاضيًا أو أستاذًا عاديًا للشريعة، ولكنه كان فقيها نابغة وباحثا متفردًا ومؤلفا متميزا، وقد تملكته وسيطرت عليه وعلى أدائه الملكة الفقهية، وكان من الداعين المبرزين إلى تجديد الفقه الإسلامي قولاً وعملاً، وكان حلقة من حلقات سلسلة ذهبية ضمت أساتذة أفاضل اشتهروا بالتَّمكن من الفقه.

انتقل الشيخ علي الخفيف للعمل قاضيًا بالمحاكم الشرعية في ١٩٢١، وظل كذلك ثماني سنوات، تعرف فيها مباشرة على أحوال الناس ومشكلاتهم وقضاياهم، فأضاف بهذه المعرفة إلى ما عرفه من النظريات والفروض

نشأته وتكوينه العلمي

ولد الشيخ علي محمد الخفيف بقرية الشهداء محافظة المنوفية في سنة 1891، وتلقي تعليما دينيا تقليديا بدأ بحفظ القرآن الكريم في كتاب القرية، ثم التحق بالأزهر فدرس فيه ثلاث سنوات (1903 إلى 1906)، ثم انتقل ١٩٠٦ إلى الإسكندرية للدراسة في مؤسسة علمية جديدة كنت ولا أزال أسميها وأصفها بأنها أولى الجامعات الإقليمية في مصر وهي معهد الإسكندرية الديني الذي تأسس بناء على سعي الشيخ محمد عبده ليؤدي ويوازي دور الأزهر في جميع مراحله حتى إنه كان يمنح الشهادة العالمية، وكان شيخ هذا المعهد هو الشيخ محمد شاكر والذي كان بمنزلة الشخصية الثانية في الازهر وأحيانا الأولى(إذ قام بعمل المشيخة أكثر من مرة )، وكان الامام الأكبر محمود شلتوت ١٨٩٣- ١٩٦٣ نفسه من خريجي هذه الجامعة الإقليمية المبكرة حيث حصل على شهادته العالمية منها، لكن طموح الشيخ على الخفيف سرعان ما دفعه إلى ان يلتحق بمدرسة القضاء الشرعي عند انشائها وافتتاحها في سنة 1907، وقضى فيها ثمانية أعوام وتخرج فيها سنة 1915، في الدفعة التي تخرج فيها أيضا الشيخ عبد الوهاب خلاف ١٨٨٨- ١٩٥٦ زميله الأكبر منه سنا والسابق عليه في سلك هيئة التدريس في الجامعة، والأستاذية، وفي عضوية مجمع اللغة العربية، وفي الوفاة .، وهما سابقان على الشيخ محمد أبو زهرة ١٨٩٨ – ١٩٧٤ الذي تلاهما في الأستاذية في كلية الحقوق، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن من الطريف أن أدبيات عديدة تنقل عن بعضها البعض أن وزير الأوقاف الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري ١٨٩١- ١٩٧٧ كان أستاذا للشيخ على الخفيف وسابقا عليه بينما هو لاحق به فقد تخرج بعده بعامين من مدرسة القضاء الشرعي ١٩١٧ وإن كان الشيخان مولودين في العام نفسه. أي ان الشيخ على الخفيف تخرج مع من هو اكبر منه بثلاث سنوات وولد مع من تخرج بعده بعامين، عين الشيخ علي الخفيف في العام الذي تخرج فيه ١٩١٥ للتدريس بمدرسة القضاء الشرعي نفسها، على نحو ما عين زميله الشيخ خلاف أيضا، وظل يؤدي هذه الوظيفة حتى سنة 1921 حيث نقل إلى العمل في ميدان القضاء الشرعي بسبب ثورة ١٩١٩.

إفادته من عمله بالقضاء

انتقل الشيخ علي الخفيف للعمل قاضيًا بالمحاكم الشرعية في ١٩٢١، وظل كذلك ثماني سنوات، تعرف فيها مباشرة على أحوال الناس ومشكلاتهم وقضاياهم، فأضاف بهذه المعرفة إلى ما عرفه من النظريات والفروض، ونمت فيه القدرة على تقديم حلول عملية مبنية على أصول شرعية.

عمله بالمحاماة

انتقل الشيخ علي الخفيف للعمل وزارة الأوقاف المصرية الذي عينته محامياً شرعياً لها سنة 1929 ليتولى الدفاع عن حقوق الوزارة وتمثيلها أمام المحاكم.

في إدارة شؤون المساجد

بعد عدَّة سنواتٍ من عمل الشيخ علي الخفيف محامياً لوزارة الأوقاف، عيَّنته الوزارةُ مديراً لشؤون المساجد ومشرفاً عليها، وهو المنصب الذي شغله من قبله زميله الشيخ عبد الوهاب خلاف، وظلَّ الشيخ علي الخفيف يتولى هذا المنصب حتى سنة 1939، حيت انتقل للتَّدريس في جامعة القاهرة.

الجامعة

في ١٩٣٩ بدأ الشيخ علي الخفيف عمله بكلية الحقوق بجامعة القاهرة أستاذًا مساعدًا للشريعة الإسلامية، ورقي أستاذًا في سنة 1944، وظل بها حتي بلغ سن المعاش، وبعد ذلك ظل يعمل بالكلية أستاذًا لطلبة قسم الدكتوراه (الدراسات العليا) . من الجدير بالذكر ان الأستاذ الشيخ احمد إبراهيم كان قد عمل أستاذا لكرسي الشريعة الإسلامية منذ ١٩٣٠ وان زميله في التخرج الشيخ خلاف كان قد عمل أستاذا منذ ١٩٣٦ أي من قبل أن يعمل الأستاذ الخفيف أستاذا مساعدا.

دوره في معهد الدِّراسات العربية العليا

وفي القاهرة وخارج إطار الجامعات الحكومية فقد عمل الشيخ علي الخفيف أستاذًا بمعهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية منذ سنة 1953 حين اختاره ذلك المعهد ليكون مشرفاً على قسم الدِّراسات الإسلامية والقانونية، في ذلك المعهد الذي تأسس ليكون بمثابة جامعة صغيرة، وبقي الشيخ يمارس استاذيته في هذا المعهد حتى قبيل وفاته سنة 1978، واليه يرجع الفضل في الطابع الذي انطبعت به الدراسات القانونية في هذا المعهد المتميز الذي ابتعد نوعا ما عن جمود النظم الجامعية المستقرة في جامعة القاهرة وارتباطها بالأحوال السياسية في عهد ٢٣ يوليو، ويذكر للشيخ أن محاضراته التي ألقاها بالمعهد العالي للبحوث والدراسات العربية بعنوان: "الملكية في الشريعة الإسلامية"، كانت من أبرز جوانب إنتاجه العلمي. وقد رأى هذا المعهد في سنة 1990 أن يكرم ذكرى الشيخ بأن يقوم بإعادة طبع كتاب الملكية في الشَّريعة الإسلامية الذي جمع سلسلة محاضراته التي ألقاها على طلاَّب المعهد في عامي 1968 و1969.

في بغداد والخرطوم

علي الصعيد العربي فقد عمل الشيخ علي الخفيف أستاذا زائرا في جامعة بغداد وفي جامعة الخرطوم.

مارس الاجتهاد في القضايا الفقهيَّة المستجدَّة:

مارس الشيخ الخفيف الاجتهاد فيما سمي بالقضايا الفقهيَّة المستجدَّة وهي القضايا التي فرضها العصر الحاضر، أو القضايا التي تغيَّر موجب الحكم عليها نتيجة التَّطور وتغيُّر الظُّروف، أو القضايا التي تحمل اسماً جديداً، أو القضايا التي تتكوَّن من عدةٍ صورٍ قديمة.

أبرز من أفتى بجواز التأمين التعاوني الاجتماعي

كانت للشيخ الخفيف آراء معروفة في ميادين الاجتهاد التي قدر له أن يقدمها لأمته، وقد لقيت اجتهاداته قبول مجتمع العلماء في العالم الإسلامي كله، وعلى سبيل المثال فإنه في أبرز اجتهاداته وهي دراسته للتأمين انتهي إلى الإفتاء بجواز التأمين في بعض أنواعه، دون أن تكون فيه أية شبهة، وقد أجاز التأمين التعاوني الاجتماعي الذي يقوم به وبأقساطه المستأمنون أنفسهم بعضهم ببعض، وأجاز التأمين الاجتماعي الذي تقوم به الحكومة خدمة للمرضي والعجزة والمحالين إلى التقاعد. وفيما يتعلق بالتأمين ضد الحوادث وضد المسئولية، فقد قال: إن الغرر فيه يسير لا يحول دون صحته، وإنه لا ينطوي على مقامرة، ولا على مراهنة، ولا على جهالة أو غبن، لأن أساسه الضمان نظير جعل يدفعه المستأمن، وقد بين ما في هذا الضرب من التأمين من مصالح اجتماعية تدعو إلى جوازه رعاية للمصلحة.

التأمين على الحياة

وفيما يتعلق بالتأمين على الحياة فقد كان رأي الشيخ الخفيف أنه إذا كان مصحوبا بالعزم على الادخار وتنمية المال أو الربح والفائدة فإنه يعد من قبيل المضاربة الشرعية، لأنه عمل في مال الغير باستثماره، والربح فيه يقسم بين صاحب المال والعامل على مقتضي ما يظهر من ربح، أما إذا قام على فائدة معينة محددة فإن هذا يبعده عن المضاربة، لأن اشتراط ربح معين في المضاربة يفسدها، إذ أنه قد يؤدي أحيانا إلى عدم اشتراك الطرف الآخر في الربح الناتج، وأفاض الشيخ الخفيف في إثبات أن الخسارة في عقود التأمين مستبعدة عملا لأن هذا النوع من التجارة يقوم على قواعد اقتصادية ويكفل ربحا يزيد علي الفائدة المحددة لصاحب المال، وهذا يحقق اشتراك الطرفين في الربح دائما، لهذا فإنه رأي جواز هذا النوع من التأمين أيضا بمقتضي العرف، وبمقتضي جواز التعاقد في الإسلام علي الوضع الذي تتطلبه الحاجة دون اشتراط صورة معينة للعقد. وانتهي الشيخ الخفيف إلى أن عقد التأمين عقد جديد جائز شرعا، لخلوه من المحظورات الشرعية.

نظريته في الجذور المجتمعية للشريعة الإسلامية

كان الشيخ الخفيف ينبه بكل ما أوتي من قوة إلى أن الشريعة الإسلامية ليست شريعة جديدة مستحدثة في جميع أحكامها، بل جاءت فأقرت كثيرا "مما كان عليه تعامل العرب قبلها، إذ كان العرب، كأية أمة في مجتمع لهم حياة اجتماعية مدنية ذات ارتباطات سياسية، وصلات اقتصادية، وتعاقدات مدنية، ومعاملات مالية بقدر ما دعت إليه حالتهم الاجتماعية، وكيانهم البدائي، وكانوا يصدرون عن إرادتهم خاضعين لأعراف وعادات جاءت الشريعة فأقرت كثيرا منها، وحرمت ما كان ضارا لا يصلح عليه حال المجتمع"، وكان الشيخ الخفيف يقول في هذا المعنى إن الشَّريعة " حرَّمت من المعاملات ما كان منها ضارًّا لا يصلح عليه حال المجتمع، وفي ذلك إقرارٌ منها لما كان من سلطان كانت تقوم عليه تلك المعاملات والاتفاقات غير أنَّها لم تقرَّها إلا في حدود المصلحة الاجتماعية، ورفع الجور والمحافظة على الحقوق، وعدم الإضرار بالغير، وذلك بالبعد عن الغرر والخداع والغشِّ والغبن الفاحش".

 

وكان الشيخ الخفيف يقول إن رسول الله صلي الله عليه وسلم «جاء وحال هذه الأمة علي ما وصفناه، فلم يعمد إلى هدمها، لكنه حاول إصلاحها، وعني بعلاجها حتي طهرها من الرجس، وخلصها من شوائب الظلم، ونفي عنها بواتق الجاهلية، وأدران الوثنية، فحرم الضار، وأكمل الناقص، وأصلح الفاسد، وأقر الصالح». ثم إنه كان يقول: إن فكرا مثل هذا "… فيه موازنة بين النظر والعمل، وفيه تطلع إلى ما تأخذ به الأقوام الأخرى من نظم وأحكام، وفيه مرونة وتحرر، وفيه فوق كل هذا اهتمام بصالح الناس، وتحقيق تقدمهم، فضلا عن رفع الضيق والظلم عنهم".

دوره في الدراسات القانونية المقارنة

أشار الدكتور حسين خلاف في حديثه عن الشيخ الخفيف حين خلفه في كرسيه في مجمع اللغة العربية إلى أن الفترة التي قضاها الشيخ في كلية الحقوق تميزت بنشاط حركة الدراسات المقارنة فيها، ذلك أن الشيخ علي الخفيف كان من أبرز الفرسان في هذا الميدان، وضرب الدكتور خلاف المثل على هذا بكتابه في «التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة» (1964) وهو بحث مقارن، وكتابه الشهير في «الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية» (1969)، وكذلك كتابه المقارن بين المذاهب الإسلامية في فرق الزواج (1958).

 

أما الشيخ الخفيف نفسه فكان يقول عن فكرة الموازنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية إن الموازنة عمومًا أسلوبٌ قرآني، استعمل للإقناع بإظهار ما يمتاز به أمرٌ على آخر، فلا مانع من استعمال هذا الأسلوب في مجال التَّشريع، وبخاصة أن معظم الدُّول العربية والإسلامية تعاني آثار الاستعمار الذي فرض عليها قوانينه وأنظمته في كل مجال، فلا مانع من الموازنة بين الفقه والقانون لإظهار السمو المميز لشريعتنا والعودة الواعية إليها التزاماً وتطبيقاً وكان الشيخ علي الخفيف يرى كذلك أن المقارنة الفقهية بين المذاهب تتطلب استقصاء الآراء الفقهية المختلفة وتقديرها، والموازنة بينها، بالتماس أدلَّتها، وترجيح بعضها على بعض، وتفيد هذه الموازنة الفقه من حيث الكشف عن مكنون جواهره وعدالة مبادئه ورسوخ قواعده، وتجلِّي ما فيه من روائع الاجتهاد والاستنباط والتَّوليد والتَّخريج. وقد تميزت دراسات وأبحاث الشيخ علي الخفيف التي أعدها خلال فترة وجوده في كلية الحقوق باهتمام كبير بالدراسات المقارنة، وتحديد أوجه الشبه والخلاف بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية.

دراساته الفقهية ودعوته لتجديد الفقه الإسلامي

عني الشيخ علي الخفيف في أستاذيته وتآليفه على حد سواء بتقريب أحكام الشريعة وتنظيم دراستها، واستخلاص نتائج آراء الفقهاء الكبار من بطون الكتب المستفيضة والشروح الواسعة، وتيسير الاطلاع على ما تنطوي عليه وتقديمه في أسلوب سهل يمكن الاستفادة منه ، كان الشيخ علي الخفيف من الداعين إلى صياغة الفقه الإسلامي في ثوب جديد لأن طبيعة العصر حرمت الدَّارسين للفقه من الاستفادة المثلى من كتب الفقه القديمة، بل أثرت على الفهم الصَّحيح للفقه الإسلامي. اعتنى الشيخ بما سمي بتنظير الفقه الإسلامي، بصياغة أحكام الفقه الجزئية وفروعه المتفرِّقة ومسائله المنثورة في أبوابها المختلفة في صورة نظريات كلِّية عامَّة، تصبح هي الأصول الجامعة التي تنبثق منها فروعُها، وتتشعَّب جزئياتها المتعدِّدة وتطبيقاتُها المتنوِّعة..

 

وكان الشيخ علي الخفيف في دعوته لتجديد للفقه يصدر عن تصوره العام للإسلام باعتباره منهج حياة شامل، يشمل العقيدة والعبادة والتَّشريع، ولا يتحقَّق تديُّن الإنسان إلا بالإيمان بذلك. وإذا كانت العقائدُ حقائقَ ثابتة في نفسها لا تقبل التَّغيير والتَّبديل والنَّسخ، وإذا كانت العبادات إنشاءات ربانية أنشأها الله تعالى، ورسم حدودها، وهيَّأها على صورٍ خاصة، وطلب من عباده أن يعبدوه بها، فإن المعاملات تقبل التَّغيير والتَّبديل ويدخل عليها التَّطوير، بعبارة أخرى فقد كان الشيخ علي الخفيف من أبرز مؤيدي صياغة الفقه على هيئة مواد قانونية مرتبة على غرار القوانين الحديثة من مدنية وجنائية وتجارية تسهّل على القاضي الكشف عن الحكم الشَّرعي وتكييف القضية المعروضة عليه. وقد شارك الشيخ علي الخفيف في هذا المجال بفكره وعمله.، بجمع الآراء الفقهية المختلفة، والموازنة بينها، وترجيح بعضها على بعض.

خلاف فقهي مع الشيخ أبو زهرة

كان الشيخ الخفيف المنشور في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية في العدد 85سنة 1392، قد دعا إلى ضرورة التحاكم أمام القاضي عند الطلاق، وإيقاع العقوبة بالسجن والغرامة على المطلق من غير تحكيم للقضاء، فكتب الأستاذ أبو زهرة ردا محكما طويلا، نشره في العدد 87 من المجلة نفسها، وفند فيه هذه الدعوى .

عضويته في مجمع البحوث الإسلامية

في سنة 1962 اختير الشيخ علي محمد الخفيف عضواً مؤسساً ضمن الفوج الأول من أعضاء مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الذي أنشئ في ١٩٦١، وقد كان للشيخ أثره البارز في ذلك المجمع، وشارك في أغلب مؤتمراته ببحوث.

المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وموسوعة الفقه

اختير الشيخ علي محمد الخفيف عضوًا في هيئة موسوعة الفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وقد كتب لهذه الموسوعة عدة مواد في حرف الالف سنورد قائمة بها مع آثاره، كما اشترك في لجنة أنيط بها وضع مشروع لقانون الأحوال الشخصية.

في المجلس الأعلى للأزهر

وفي سنة 1967 في عهد مشيخة زميله اللاحق به الإمام الأكبر الشيخ حسن مأمون اختير الشيخ علي الخفيف عضواً في المجلس الأعلى للأزهر، الذي يختص بالتخطيط ورسم السياسة العامَة لكل ما يحقق الأغراض التي يقوم عليها الأزهر.

عضويته في مجمع اللغة العربية

انتخب الشيخ علي محمد الخفيف عضوًا بمجمع اللغة العربية في سنة 1969، في الكرسي العشرين في المكان الذي خلا بوفاة المرحوم الأستاذ أمين الخولي ١٨٩٥-١٩٦٦، ومن الطريف ان الشيخ الخفيف كان يسبق الشيخ امين الخولي بأربع سنوات في المولد وبخمس سنوات في التخرج في مدرسة القضاء الشرعي، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فمن الواجب التنبيه إلى ان الشيح على الخفيف هو الذي خلف الشيخ امين الخولي في كرسيه وليس الدكتور عبد الحكيم الرفاعي كما ذكر كتاب المجمعيون من باب الاسترسال، وقد أشار كتاب المجمعيون نفسه إلى ان الدكتور عبد الحكيم الرفاعي تحدث في كلمته عن سلفه الشيخ محمد على النجار .

 

ومنذ أن انتخب الشيخ علي الخفيف عضوًا في مجمع اللغة العربية، ظلّ يتابع نشاط المجمع وبخاصة في لجنة القانون والشريعة. وقد ساهم في إخراج المصطلحات التي أخرجتها اللجنة مساهمة فعالة كما أنه ظلَّ يتابع المجمع في مجلسه ومؤتمره ولجانه، وخاصة لجنة القانون والشَّريعة، من الجدير بالذكر والتامل أن المجمع كان في النصف الثاني من الستينيات قد انتخب لعضويته ثلاثة من أساتذة كلية الحقوق وعلما من رجال القضاء، كانوا على التوالي هم: محمد مصطفى القللي في ١٩٦٧ ووعبد الحكيم الرفاعي وعلي الخفيف معا في ١٩٦٨ ثم قاضي القضاة عبد العزيز محمد في ١٩٦٩ وذلك بعد ان كان الاستاذ على بدوي واحدا من المعينين في ١٩٦١ وتوفي في ١٩٦٥ بينما كان الدكتور السنهوري على عضويته منذ ١٩٤٦، ومن الطريف ان الدكتور القللي هو الذي استقبل زميليه (الدكتور عبد الحكيم الرفاعي والشيخ على الخفيف ) الذين انتخبا في العام التالي لانتخابه، وهو الذي استقبل الأستاذ عبد العزيز محمد أيضا، كما انه هو الذي ابّن السنهوري باشا ١٨٩٥-١٩٧١، أما في كلمة استقباله فقد تحدث الدكتور القللي عن سلفه عبد الحميد بدوي باشا .

أول علماء الشريعة حصولا على جائزة الدولة التقديرية

نال الشيخ علي الخفيف كثيرا من التكريم والتقدير وحصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة 1976، وكان ترتيبه السادس والعشرين بين مَنْ حصلوا عليها منذ نشأتها في ١٩٥٨، لكنه من بينهم كان أول علماء الشريعة حصولا على تلك الجائزة.

رواية عن اعتذاره عن مشيخة الازهر

يروى أن مشيخة الأزهر عُرضت على الشيخ علي الخفيف فرفضها، كانت المرَّة الأولى قبل تعيين الشيخ عبد الرحمن تاج، والمرَّة الثَّانية قبل تعيين الشيخ حسن مأمون، ويروى أنه قال تعبيرا غامضا لم افهم المقصود منه في سبب الرَّفض: "هل هناك مسلمون ليكون لهم شيخ؟". ومن الجدير بالذكر أنه عاصر شيخين تاليين لزميليه هذين الشيخين تاج ومأمون وللشيخ شلتوت فيما بينهما، وهما الامامان محمد محمد الفحام وعبد الحليم محمود .

عرف الشيخ علي الخفيف بإنتاجه الفكري المتميز، والغزير، وقد وضع مؤلفات متكاملة، وبحوثاً متميزة نشرت في الدوريات العربية وخاصة الدوريات القانونية، ومنها مجلة القانون والاقتصاد التي يصدرها أساتذة الحقوق بجامعة القاهرة

أبرز المؤتمرات

· أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان الإمام ابن تيمية الذي انعقد في دمشق 1961، وكان من أبرز المساهمين في هذا المهرجان العلمي.

· المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة 1967.

· ندوة التَّشريع الإسلامي التي عقدت في الجامعة الليبية 1972

رأي أنداده فيه

تأبين الدكتور إبراهيم بيومي مدكور فقال: افتتح الدكتور إبراهيم بيومي مدكور حفل تأبينه بكلمة قال :" …… أودِّع علي الخفيف الفقيه والمشرِّع، تمكَّن من الفقه الإسلامي تمكُّناً لا يجاريه فيه كثيرٌ من معاصريه، حذقه في بصرٍ وبصيرة، ومارسه علماً وعملاً، وضمَّ إليه قدراً غير قليلٍ من علوم القانون، فتوافرت له أسبابُ الاجتهاد والفتوى"

.«… وكان يؤمن بأن التشريع إنما وجد ليسد حاجة، ويعين على تنظيم المجتمع، وتدبير شئونه، وليس في تعاليم الإسلام ما يعارض النهوض الصحيح، والتقدم السليم، ومن الخزي أن نعيش عالة على مَنْ سبقونا، وأن نحرم أنفسنا من حق التفكير والتعديل والتصحيح.

العلامة الدكتور مصطفى الزرقا
وصفه الدكتور مصطفى الزرقا ١٩٠٤- ١٩٩٩ في كتابه المدخل الفقهي العام بأنه: "الأستاذ الجليل الفقيه الشيخ علي الخفيف".

الدكتور محمد مصطفي القللي
ووصفه الدكتور محمد مصطفي القللي١٩٠٠-١٩٧٢ في حفل استقباله عضوا في مجمع اللغة العربية فقال: «لست أعدو الحقيقة في شيء إذا قلت بأن الأستاذ الجليل الشيخ علي الخفيف الذي يسعدنا أن نحتفي به اليوم ليس بغريب على أحد منا، فقد ملأ الأسماع منذ زمنٍ بعيدٍ صيتُ علمه، وسري إلينا الحديث عن واسع فضله وعظيم خبرته، قبل أن نحظى بلقاء شخصه وضمه إلى سمط المجمعيين».

الدكتور محمد مهدي علام
وجاء في بداية حديث الدكتور محمد مهدي علام عنه:

"علي الخفيف: تحية إلى من عَلِم وعلَّم، تحية إلى صاحب الرأي الحصيف، والمجتهد الذي له أجران، وبقية الخلف الرَّائق".

الدكتور أحمد الحوفي
جاء في كلمة الدكتور أحمد الحوفي في حفل تَأبينه:" كان من نعم الله عليه أنه كان جليلاً في كلِّ مكان عمل به، فهو في مجمع البحوث الإسلامية ينبوعٌ دفَّاق، وهو موسوعة الفقه الإسلامي سحابٌ غيداق، وفي مدرسة القضاء الشَّرعي وكلِّيات الشَّريعة والحقوق علمٌ خفَّاق، وفي مجمع اللُّغة العربية عالمٌ مرموق، وفي تطوير التَّشريع الإسلامي وتيسيره رائد سبَّاق". "أحسن الانتفاع بالتُّراث النَّفيس الذي خلَّفه أسلافنا من الفقهاء الأجلاء، وتفهَّمه، وأحسن عرضه وتهذيبه وتنظيمه وتبويبه في أسلوبٍ عصريٍّ سهلٍ شائقٍ يجاري المنطق ويسامي القانون الحديث".

الدكتور حسين خلاف:
جاء في كلمة الدكتور حسين خلاف الذي شغل كرسي الشيخ الخفيف في مجمع اللغة العربية: "ولم يقف احترام النَّاس للشيخ عند الذين التقوه، وإنما تعدَّى ذلك إلى كل من سمع به أو قرأ عنه، ولم يكن هذا ليحصل له بمجرد تفوقه في العلم أو في الجسم، وإنما حصل له بالتَّفوق العلمي والخلقي معاً " وقال الدكتور حسين خلاف: "وهو من نعرف جميعاً؛ سموَّ خلق، ورجحانَ رأي، وغزارة علم ززز ومن أخلاقه التي اشتهر بها وأهَّلته لذلك الاحترام والتَّقدير: التَّواضع وخفض الجناح، والشُّعور بالمسؤولية ومراقبة الله في كل عمل يكلَّف به، وفي كل علم يتعلَّمه، والصِّدق وكراهية الكذب."

ابنه الدكتور حميد علي الخفيف
"كان رحمه الله إلى آخر عمره مكبًّا على العلم، منتفعاً به، نافعاً للناس، وكم كان إيمانه بالحقِّ عميقاً، وإيمانه بالخُلق القويم عميقاً، كما كان اقتناعه بأن الدِّين منهج للحياة جميعاً، وكم كان يجتهد في مواءمة ذلك كلِّه مع مقتضيات التَّقدم وسنَّة التَّطور".

آثاره:

عرف الشيخ علي الخفيف بإنتاجه الفكري المتميز، والغزير، وقد وضع مؤلفات متكاملة، وبحوثاً متميزة نشرت في الدوريات العربية وخاصة الدوريات القانونية، ومنها مجلة القانون والاقتصاد التي يصدرها أساتذة الحقوق بجامعة القاهرة، وفي مجلَّة العلوم القانونية والاقتصادية، وجاءت أغلب بحوثه مقارنة بين الشَّريعة الإسلامية والقانون الوضعي. ويذكر له إسهامه البارز في موسوعة الفقه الإسلامي

الكتب المطبوعة:

أحكام المعاملات الشَّرعية.( مختصر المعاملات الشَّرعية).

أحكام الوصية.

أسباب اختلاف الفقهاء.

الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي.

البيع في الكتاب والسنة.

التَّأمين وحكمه على هدي الشَّريعة.(ومن الجدير بالذكر أن كتابه عن التأمين طبع مرات عديدة).

التركات في الفقه الإسلامي (التركة والحقوق المتعلقة بها).

التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة» (1964) بحث مقارن

الحقُّ والذِّمة.

الخلافة.

الضَّمان في الفقه الإسلامي

الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية» (1969)

المواريث.

النيابة عن الغير في التَّصرف (نظرية النيابة عن الغير).

فرق الزواج في المذاهب الإسلامية. 1958.

مكانة السُّنة في بيان الأحكام الإسلامية.

نظام الحكم.

ومن البحوث القيمة التي نشرها في مجلة «القانون والاقتصاد» (وهي مجلة كلية حقوق القاهرة)، وفي مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية :

الاستصحاب.

الاسس التي قام عليها التَّشريع.

التأمين في الشريعة الإسلامية.

الحسبة.

الحكومة الإسلامية الأولى.

الشُّفعة.

الفكر التَّشريعي واختلافه باختلاف الشَّرائع.

المنافع في الشريعة الإسلامية.

الوقف الأهلي: نشأته، مشروعيته، عيوبه، إصلاحه. (الوقف الأهلي وأسانيده في الشريعة.)

تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته (وبعض المصادر تجعل من هذا المدخل مدخلين منفصلين).

رعاية المصلحة في الشَّريعة (رعاية المصلحة الشرعية)

مدى تعلُّق الحقوق بالتَّركة.

ومن مقالاته التي ألقاها في المجمع اللغوي :

الإيجاز بالحذف في القرآن الكريم.

تأبين زميله التالي له في المولد الامام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج.

وقد كتب مجموعة من المواد الموسوعية في موسوعة الفقه الإسلامي:

ـ إجارة.

ـ ارتفاق.

ـ إرث.

ـ استبدال.

ـ استنابة.

ـ استيلاء.

ـ استناد.

ـ إسلام.

ـ إقطاع.

ـ التزام.

ـ انقراض.

ـ إيمان.

ـ أمير وإمارة.

ـ اقتصار.

ـ اعتقال.

ـ اعتصار.

ـ أهل الحل والعقد.

وفاته

توفي الشيخ علي الخفيف في القاهرة يوم 11 يوليو ١٩٧٨ بعد أن صلى المغرب والعشاء جمعَ تقديمٍ بسبب المرض الذي نزل به .

تأبينه

أقام مجمعُ اللغة العربية بالقاهرة حفلَ تأبين للشيخ علي الخفيف، ترأسه الدكتور إبراهيم مدكور رئيس المجمع، وألقى كلمة المجمع صديقه الدكتور أحمد الحوفي عضو المجمع، وتحدث نيابةً عن أسرة الفقيد الدكتور حميد الخفيف.

دراسة عنه

للدكتور محمد عثمان شبير، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، 2002



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة