سير بلا وصول

blogs تأمل

أدركت مؤخراً أن الطريق مهما كان طويلاً فلا ضير في ذلك، وأن تأجيل الاستمتاع غالباً حتى نصل للغاية أو الوصول بشكل عام قد يكون ليس حسنًا دائماً، إذ أنّ فكرة التعب والإسراع على حساب الاستمتاع في الوصول حيث لا مقعد على الطريق، متعبة بحد ذاتها إن لم تكن مميته!، اذ يفوتني الكثير من اللحظات الحيّة، كألوان السماء عند تنفس الصبح.. وسحر الزهور في الربيع.. وشدو الطيور بين الأشجار.. إيقاع الخطوات مع الأصدقاء.. لقاءات الأحباب الماتعة، والكثير من العادات الجميلة.

 

فغياب الاستمتاع بكل ذلك قد لا يساعدني على أن أذوق طعم الرضا، أو لذة الشغف، وكثيرًا ما يكون هذا عائقًا أصلاً عن بلوغ الغاية، ويكأنّ الأمر أشبه كبالون مغرٍ معلق في الهواء يبقى يحرك شهوتي لا يستطيع الطفل الذي في داخلي الإمساك به. لي صديق يحسن الاستمتاع بكل تفاصيل الشيء، مهما كان صغيراً أو معقداً، حتى بشربة الماء!، فمثل هؤلاء أغبطهم لأنهم ينشؤون ذكرياتهم حوله، ويستمتعون به بالوقوف على أدقّ تفاصيل الجمال.

 

نحن اليوم وبكل أسف؛ تُشكّلنا ضوضاء الواقع، تبعثرنا.. تألّمنا.. مات بعض ما فينا.. جلسنا ننثر دقائق العمر وتعب المسير ونحن ننتظر الوصول أو رغبة الوصول بشكل أدق فشاخ العمر بتشتت السبل وطول الفكر وارهاق الروح والعقل وما يميت المرء مثل أن يستجيب لذلك، أليس النور إذا انتشر اتسع! وإذا كثفته في مسار أضاء لك الطريق مهما كان طويلاً! فما المانع أن استمتع في الطريق للوصول من غير أن ألهث! هل نطمئن بمعرفة نهاية الطريق أم نزداد قلقًا؟ هل من الجيد أن أرهق روحي وبدني في بدايات وأوساط الطريق على حساب النهاية؟ هل من الجيد طلب غير حاضر أم الفرح بعدم حضوره؟

العمل مع الله لا يشترط فيه أن تصل للهدف ولكن يكفيك أن تموت وأنت تعمل وتسير في الطريق إليه مادامت نيتك لله ..فنحن مطالبون بالسير لا بالوصول . " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى … "

إنّ سعادة اللحظة في أثناء المسير التي لا تستقبل من السابق ما يؤلمها، ولا ترسل للمستقبل ما يخرجها عن لذته هي وصول بحد ذاته. ما كان كان موت، وما سيكون سيكون تعب. الحياة هي الآن!، ألا تتذكر كم مرة متّ يوم أذنت للتعب أن يقطف جليل لذتك! وكم مرة متّ وأهدرت روحك وبدنك وأنت ما زلت ظّل سواك! كم مرة متَّ وأنت ما زلت تستعير ريشة غيرك لترسم بها بقية عمرك، ان لم تكن ريشته أصلاً؟ وكم مرة متَّ وأنت تذرف غرسك في غير موضعه؟! كم مرة بقيت في السواد المتأخر من الركب ظاناً أنك تشعر بالعارّ بذلك فلم تدرك أنّ الأمير يرعى الساقة (مؤخرة الركب)، وكم وكم.

 

في أثر الصحابي ضمرة بن جندب درس بليغ عجيب يبسط لنا عمق معنى الوصول بشكل مغاير؛ فعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم هو وصحبه من مكة إلى يثرب لم يبقى سوى عدد قليل من المسلمين بقوا في مكة بعضهم بسبب المرض والاخر بسبب كبر السن أو بعض الأعذار المباحة، وكان من هؤلاء ضمرة بن جندب فقد قرر أن يتحامل على نفسه ويتجاهل مرضه وسنه وبالفعل خرج ضمرة بن جندب رحمه الله وتوجه إلى يثرب وأثناء سيره في الطريق اشتد عليه المرض فأدرك أنه الموت وأنه لن يستطيع الوصول فوقف رحمه الله وضرب كف على كف وقال وهو يضرب الكف الأولى اللهم هذه بيعتي لك ثم قال وهو يضرب الثانية وهذه بيعت لنبيك ثم سقط ميتا .. فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما حدث لضمرة ثم نزل قول الله تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجراً الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. " حينها جمع النبي أصحابه وأخبرهم بشأن ضمرة وقال حديثه الشهير " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى … " فأي شرف لم يحزه غيره بأن نزل فيه قرآن وسنة !!فكان درس العمل مع الله لا يشترط فيه أن تصل للهدف ولكن يكفيك أن تموت وأنت تعمل وتسير في الطريق إليه مادامت نيتك لله ..فنحن مطالبون بالسير لا بالوصول . " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى … ". فم الإنسان إلا سوى سعيه.

 

العيش في حدود حواضرنا لا في غيابه، والتعلم من الماضي وعدم الخوف من المستقبل، النظر إلى من هو دونك في الصورة والرزق والعافية ونحوها قدر، ألا تطاوع ذهنك في الذهاب وراء الخيالات المخيفة والأفكار السيئة، العيش بحدود العهد والوعد المستطّاع " وأنّا على عهدك ووعدك ما استطعت "، ألا تطارد ما ذهب ومات، الاستمتاع بتفاصيل البدايات وان طالت، كل ذلك وصول بعمقه فكما قالها وديع سعادة: " الوصول هو التخلّي عن رغبة الوصول؟ أن تصير بلا رغبة في شيء، فقط المقعد الصغير الذي تجلس عليه ربما، أو الشجرة أمامك، أو الفراغ الذي بلا مقعد ولا شجر؟ أن تبقى حيث أنت؟ أن يكون هدفك مكانك بالضبط، حيث أنت هنا والآن؟ أن تتجاوز الرغبة، أليس هذا هو العبور العظيم؟! ".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة