محمد شوقي أمين الشاعر الثائر الذي نادى بفكرة الأكاديمية اللغوية وأصبح من رموزها

كان الأستاذ محمد شوقي أمين (1910 – 1992) واحدًا من أبرز علماء اللغة العصاميين المتفردين الذين أدركتهم، ذلك أنه لم يكن من حظي أن أدرك الأستاذ العقاد، وإن كنت قد أدركت الأستاذ محمود شاكر رحمه الله، وقد بدأت معرفتي بهذا العلم الجليل حين بدأت التردد على مجمع اللغة العربية لأنتهي من إعداد كتابي عن الدكتور محمد كامل حسين، وقد وجدته للوهلة الأولى، وقبل أن أعرف اسمه، شيخًا شابا يملأ الدنيا بشرًا وحبورًا، يوزع ابتساماته وتعليقاته وتصويباته وطرفه وتحياته في صوت خفيض، أو مسموع، أو مرتفع بعض الشيء، ويتلقى من زملائه وأبنائه وبناته تعليقاتهم وتلميحاتهم واستفساراتهم بنفس هادئة رضية، وبقريحة وقادة . ثم كان من حظي أن نهلت من علمه، فوجدته يتمتع بطيف واسع من القدرات العقلية التي مكنته من كثير من التفرد في تفكيره اللغوي وفي تعبيره الأدبي على حد سواء، فمن إلمام عميق وعريض وممتد بمتن اللغة ومفرداتها وأوابدها، إلى ذكاء فطري، إلى حافظة نقية، وذاكرة صافية، إلى خفة دم ملحوظة ومحبوبة، إلى منطق مستقيم، وأفق واسع.. لهذا كله كان شوقي أمين حفيا بأن يصل في حياته إلى ما وصل إليه من مكانة مما لم يسبقه إليه عصامي مثله.

 

وعرفت بعضًا من حياته حين جلست إليه، فإذا هو راض كل الرضا عن جميع مراحل حياته. ولو أتيح لهذا الرجل أن ينشر مذكرات على نحو أو آخر لأدهشنا ما احتوته حياته من جهاد وكفاح ونجاح، ويكفيني أن أشير إشارة عابرة إلى ما ليس مشهورًا من قبيل أنه في بدايات حياته ألف كتابا في نقد الأزهر بعنوان الأزهر فوق المشرحة، وإلى أنه هو الذي قدم لقصيدة البارودي في مدح الرسول حين نشرت، وإلى أنه هو الذي اختار المختارات المنشورة مبكرا من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.

جهاده المتصل

كان الأستاذ محمد شوقي أمين يدرك مدى ما كان في فتوته من عنفوان أقرب إلى الطيش، إلى الحد الذي كان يدفعه ـ على ما روى لي ـ أن يكتب في الصحافة أن أحد الأعلام الكبار من مشايخ الأزهر (واللغة) يخطئ حتى في كتابه اسمه، وكان الأستاذ محمد شوقي أمين في شبابه ينتهز مثل هذه اللمحة ليهاجم مثل هذا الشيخ العلم، وكان الأستاذ محمد شوقي أمين يعتز بهذه الفترة وبما أنجز فيها، من دون أن يدعي لنفسه بطولة، ومن دون أن يندم على ما فعل، ومن دون أن يشكو الزمان الذي لم ينصفه في ذلك الحين بما يستحقه من إنصاف، كان الأستاذ محمد شوقي أمين واحدًا من الذين شرفوني بمنحي جائزة مجمع اللغة العربية في الأدب 1978، وكان لتقديره لي ولبحثي مذاق خاص لا أزال أحس بمذاقه الباعث على النشوة، رغم مضي ما يزيد على أربعين عامًا

حبه للتيموريين

كان الأستاذ محمد شوقي أمين يتحدث عن الأسرة التيمورية بحب حقيقي، مع أنه لو سلك سلوك الأكاديميين المعاصرين لكان في وسعه أن ينسب بعض أمجاد هذه الأسرة إلى نفسه، فهو الذي تولى تحقيق ديوان الشاعرة عائشة التيمورية في طبعة منقحة، كما أنه هو الذي تولى إخراج عدد مهم من مؤلفات العلامة أحمد تيمور، ومنها كتب أعلام الفكر الإسلامي، والتذكرة، وأسرار العربية، والسماع والقياس، وفضلًا عن هذا وذاك، فهو ذلك الرجل الذي لا يعرف بعض الناس أنه تولى ما قد يطلق عليه مصطلح تفصيح ما نشره محمود تيمور من أدب قصصي استخدم فيه العامية!!

 

كان الأستاذ محمد شوقي أمين يظهر اعتزازًا بالأسرة التيمورية كواحد منها لا كواحد من أصحاب الفضل في تكوين صورتها الأدبية على النحو الجميل الذي صورت به، وخلدت في الأدب العربي الحديث، ومثل هذا فقد كان الأستاذ محمد شوقي أمين يتحدث عن الأستاذ أحمد لطفي السيد باعتزاز يفوق ما يتوقعه الإنسان من مثله، وهو الأزهري المنشأ والمهتم بسلامة اللغة، الحريص على الصواب، أي على القديم لا على الجديد، ولكنه كان يتحدث عن الأستاذ أحمد لطفي السيد بحب ووله شديدين، وكان في هذا الحب وهذا الوله ما هو أكبر من معنى الوفاء بدرجات كثيرة، وكذلك كان موقف الأستاذ شوقي أمين من أسرة عبد الرازق ومن غيرها من الأسر التي أتيح له بحكم العلم والأدب أن يتصل بها، سواء في مطلع حياته كأسرة القاياتي وغيرها.

كنت عندما أطالع نصوص الأستاذ محمد شوقي أمين، أدرك كما كان هذا الرجل يتمتع بعقلية منظمة إلى أبعد الحدود، وكيف كان هذا النظام العقلي يفرض وجوده على فكره وعلى لسانه حين يكتب أو يتحدث

عائلته التي كان هو عميدها

كان اسمه الكامل: محمد شوقي أمين العالم (فقد كان العالم هو لقبه الذي لم يستخدمه كثيرًا لأن اسمه كان أكبر من الألقاب، وفيما يبدو فإن الأستاذ شوقي أمين خلافا لأفراد أسرته آثر أن يكون اسمه بدون لقب العالم، لأنه كان يعرف في قرارة نفسه أن هذا اللقب سيسبق اسمه ليكون معروفا بإنه العالم محمد شوقي أمين، وهذا عنده أولى من أن يكون اسمه محمد شوقي أمين العالم، كان الأستاذ إذاً ينتمي إلى عائلة العالم، وهي أسرة عربية الأصل، استوطنت صعيد مصر من مرحلة مبكرة وظلت حريصة على الفخر بعروبتها، وقد ولد بالقاهرة سنة 1910، وكان والده السيد أمين محمد العالم من رجال الأزهر، وكانت عائلته تحتفظ بهذا اللقب منذ مرحلة مبكرة كان فيها اسم المهنة يستخدم لقبًا للعائلة.. العالم.. الشيخ.. النجار.. الحداد.. الزيات.. الفلاح… إلخ،

 

ومن الجدير بالذكر أن أسرته نفسها كانت أسرة متميزة من حيث علاقتها بالعلم واللغة والثقافة والأدب، فكما كان والده من رجال الأزهر، كان هو مرشحا لهذا، وكذلك كان شقيقه الأصغر منه الشيخ أحمد الذي حصل على الشهادة العالمية، وكان الأستاذ محمد شوقي أمين بمثابة الأب الروحي لشقيقه اليساري الأشهر الأستاذ محمود أمين العالم، وكان أحد أبناء أشقائه وهو الأستاذ سعد زغلول العالم واحدًا من أبرز محرري مجمع اللغة العربية، أما ابنته السيدة شادية فقد شغلت منصب مدير عام المجمعات والشئون الثقافية في المجمع.

عقليته المنظمة

كنت عندما أطالع نصوص الأستاذ محمد شوقي أمين، أدرك كما كان هذا الرجل يتمتع بعقلية منظمة إلى أبعد الحدود، وكيف كان هذا النظام العقلي يفرض وجوده على فكره وعلى لسانه حين يكتب أو يتحدث، فإذا هو يكتب كلاما مستطردًا مستساغا، ولكنه حافل بكل ما يحفل به الشعر من اقتناص القافية والألفاظ، ولست بقادر على أن أمنع قلمي من أن يشير إلى بعض أمثلة على هذا الخلق الواضح في نصوصه، وسأقتصر على بعض الجمل أنتزعها من سياق حديث شوقي أمين في الكلمة التي ألقاها في حفل استقباله عضوًا في مجمع اللغة العربية.

 

يقول أستاذنا في جمل متفرقة:

ـ اختلفت إلى كراسي المجمع ومنصاته أبلوها وتبلوني ولا أقول أبليها وتبليني.

ـ أصبحت بحمد الله عضوًا بعد إذ أمسيت نضوا.

ـ فلا أنا جني ولا أنا ابن جني.

ـ البلورة التي جمعت الشتات، وانتظمت الإشعاعات.

ـ نتمثل اللغة وقد جل فيها ما قل، وغزر ما ندر، وبذ ما شذ.

ـ كان يأنس بي منازعا.. أنسه بي متابعا.

ولعل هذه الأمثلة الستة التي أوردتها تدلنا على مدى ما كان يتمتع به من سمات عقلية ونفسية أشرت إليها في مطلع حديثي عنه.

لم ينفصل محمد شوقي أمين في شبابه عن الحياة السياسية، وإنما عاشها مضطربة مضطرمة كما يعيش الشباب، وفيما بعد وفاته روى الأستاذ إبراهيم الترزي مشاركاته في الثورة على صدقي باشا في الثلاثينيات

شاعريته ومجلة الشاعر

أما محمد شوقي أمين الشاعر فلا يزال في حاجة إلى استكشاف شاعريته هو ومجلة الشاعر التي أصدرها. ولست أظنني في هذا المقام قادرًا على هذا، وإنما يكفيني لتصوير شاعريته أن أنقل أبياتا أنشدها مناجيا ربه في أخريات حياته، حيث قال:

حَسْبِـي دُعائِــىَ (يـا ربـَّاه) إيمانــا                   فامْنُــنْ بعفـــوِكَ يـــا ربـَّاه إحســانـا

إن كان ذنبـي عظيـمًا فـي مُساءلَـــة     فأنتَ أعظــــمُ (يــا ربــَّاه) غُفرانـــا

الذنـبُ: ذنــبٌ على عَمْدٍ لمعصيــةٍ      ومــا تَعَمَّــدْتُ يــا ربــَّاه عِصيانــــا

النفـس أَمــّارةٌ بالسُّــوءِ إن ضَعُفـَتْ      والضعفُ عـذرٌ لمنْ سوَّيت إنسانــــا

إنـي إلى رحمِــة الرحمــنِ مُفْتَقــِرٌ                   وقد دَعَـوتُكَ (يا رحمــنُ) رحمانـــا

روحـي تَتــوقُ إلى لقيــاكَ واثقــة                    بــأن سَتَمْنحَنــي رَوْحًــا وريحانـــا

أخْـرَاكَ فيها خَلاصُ الرُّوحِ مِن كَبَـدٍ    فيهــا التَّحــَرُّرُ من أَوهــام دنيانــــا

هـبْ رضـاكَ فما أَرْضـى بـه بَــدَلًا      يا واهبَ الفضلِ، كلّ الفضلِ رضوانا

انصرافه عن الدراسة المنتظمة إلى رحابة الثقافة

التحق الأستاذ شوقي بالأزهر، ونال منه الشهادة الأولية، ولم يلبث في مرحلة تعليمه الثانوي الأزهري إلا قليلًا، إذ تمرد على مناهج التعليم الأزهرية وتفرغ للبحث والدراسة في علوم اللغة والأدب والشريعة، وعرف مبكرا ببقائه لفترات طويلة في كل يوم ملازمًا لدار الكتب والخزانة الزكية بقبة الغوري (مكتبة أحمد زكي باشا شيخ العروبة، التي قصصنا تاريخها في كتابنا عن النهضة الموسوعية العربية الحديثة)، كما نشط أيضا في الكتابة في الصحف، بل انه اصدر مجلة الشاعر 1930، وقد وصف الأستاذ عبد الحميد حسن هذه المرحلة من حياته وصفا بديعا في الكلمة التي أعدها ليوم استقباله، وناب عنه في إلقائها الدكتور محمد مهدي علام فقال: " …. وقد عكف على التحصيل يطرق إليه كل باب، ويتتبع كل مورد عذب فينهل منه ما يروي ظمأه، واستمر ينقب ويبحث ويختزن في ذاكرته اللامعة، وذهنه الخصيب، وقريحته الوقادة، حتى صار بحرًا تتلاطم أمواجه، ويحتفظ في قراره المكين بقدر من طرائف اللغة والأدب وشوارد الحقائق.

اكتوى بنار السياسة

لم ينفصل محمد شوقي أمين في شبابه عن الحياة السياسية، وإنما عاشها مضطربة مضطرمة كما يعيش الشباب، وفيما بعد وفاته روى الأستاذ إبراهيم الترزي مشاركاته في الثورة على صدقي باشا في الثلاثينيات، متصديًا لوزارته التي عَطَّلتِ الدستور، وكادت تُجهِز على التجربةِ الديمقراطية في مَهْدِها، ويعبر الأستاذ الترزي عن هذه المشاركة بعبارات جميلة يقول فيها: "… كان ذلك في العام الثلاثين من هذا القَرن، حين كان شوقي قد بلغ عامه العشرين. ولم يكن بوسعه وهو في عنفوان شبابِه أَن يمسك بزمامِ غضبه وهو يرى مظاهراتِ الشبابِ تجتاح مصر سخطا ونقمة على طغاتها المستبدين، وكان مصيره مع زعماء تلك الانتفاضة الاعتقالَ والسجن، حيث أَمْضى بعض أيام، خرج بعدها من سجْنه ليكتب مؤلفه الأول: مشاهدات سجين: عشرة آلاف دقيقة في سجن مصر" ربما أتوقف هنا لأشير إلى أن هذا المؤلف لم يكن المؤلف الأول للأستاذ شوقي أمين، فقد سبقه كتابه عن الازهر، ثم أصدر في العام نفسِه مجلة الشاعر التي كان مقرها في شارع حسن الأكبر بالقاهرة، بالقرب من دار الكتبِ المصرية منهله الثقافي الذي لم ينقطع عنه طوال حياتِه، وقد كان مقر هذه المجلة، التي لم تعش طويلا، منتدي أدبيًّا لبعض الأَعلام من الأدباء والعلماء.

 

ويروي عنه الأستاذ الترزي فيقول:

ومن الذكريات الطريفة التي حدثني عنها أن مقر مجلة الشاعر، كان من الأماكن التي لجأَ إليها الشاعر الشعبي الكبير بيرم التونسي، ليقيم فيها بعيدًا عن أعين مطارِديه من الشرطة، بعد أن صب على الملك فؤاد جام أزجاله اللاذعةِ الساخرة!.

استاذيته

لم يبخل الأستاذ محمد شوقي أمين بعلمه وفضله على مَنْ أتيح له أن يقوم بواجب الأستاذية المباشرة لهم، فألقى محاضراتٍ في معهد الدراسات الإسلامية، ومعهدِ البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية،، في اللغة وقضاياها كما ألقى محاضراتٍ في معهدي: الخدمة الاجتماعية، والإدارة والسكرتارية للفَتيات، وكعادة المبرزين من أهل اللغة والعلم، فقد امتد نشاطه إلى الموضوعات الفقهية ذات الصلة بالحياة الاجتماعية، وفي هذا المجال صدر له كتاب عن التشريعُ الإسلاميُّ للأحوال الشخصية والتكافُلِ الاجتماعي.

شارَك الأستاذ محمد شوقي أمين في سلسلةِ المَطبوعاتِ التي تُصْدِرُها مطبعة الكيلاني بعنوان: سبيلُ الله، إذ كان صديقا حميما للأستاذ كامل كيلاني، وَخْرَج فيها قُطوفًا من كتاب إحياء علومِ الدينِ للإمام الغزالي

جهوده في متن اللغة

عُني الأستاذ محمد شوقي أمين بمتن اللغة وأساليبها عناية فائقة فقد ظل، ولم يكن غريبا على تكوينه واهتماماته، ونشاطه الفائق في لجنتي أصول اللغة والألفاظ والأساليب حيث عُني مبكرا بدراسة تسويغ الألفاظ والأساليب الشائعة في الحياة الحديثة، وقد عهد إليه معهد الإنماء العربي في المراجعة اللغوية لنحو 15000 مصطلح وتعريفاتها في مجال التكنولوجيا.

دوره الذي لم يكتمل في التأريخ الثقافي

اختير الأستاذ محمد شوقي أمين عضوًا في لجنة الدراسات الأدبية في المجلس الأعلى للثقافة ( وفيما قبل ذلك: المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية) واشترك في بدايات العمل العظيم الذي وضعت اللجنة خطة لإصداره وهو سجل الأدباء، الذي كان يستهدف أن يقدم تعريفا بالأدباء والمفكرين في القرن العشرين بمصر.وفي هذه اللجنة كان بذاكرته القوية عونا في إبداء الرأي في معظم الأدباء الذين تعرض اللجنة أسماءهم.وكان يمتلك بالطبع رصيدا هائلا من المعلومات الدقيقة الوافية التي كانت نتيجة طبيعية لمعايشته الحياة الثقافية طيلة حياته المباركة. بيد أن جهده في هذا المجال لم يثمر ثمرته المرجوة، نظرا لما يعتري أعمالنا المؤسسية في مصر من غلبة الأهواء، وغرام اللاحقين بقطع أوصال جهود السابقين.

جهوده في النشر

شارَك الأستاذ محمد شوقي أمين في سلسلةِ المَطبوعاتِ التي تُصْدِرُها مطبعة الكيلاني بعنوان: سبيلُ الله، إذ كان صديقا حميما للأستاذ كامل كيلاني، وَخْرَج فيها قُطوفًا من كتاب إحياء علومِ الدينِ للإمام الغزالي. وكما ذكرنا من قبل فقد قَدَّمَ لقصيدةِ محمود سامي البارودي: كَشْفُ الغُمَّة في مدحِ سيد الأُمَّة. وتولى إخراج كثير من مؤلفات أحمد تيمور ومنها:  التذكرة، وأسرار العربية، والسماع والقياس، وأعلام الفكر الإسلامي.

اسهاماته الصحفية

واظب الأستاذ محمد شوقي أمين على تقديم مقالات صحفية ممتعة في اللغة، وطرائف اللغة، وقد نشرت له مجلة الهلال بابًا شهريًّا منذ 1952 حتى سنة 1961 بعنوان أدب وفكاهة، وقد صدرت بعض مقالاته في الهلال في الكتاب الذي أشرنا إلى عنوانُه: طرائف وفكاهات من تراثنا العرب.

دعوته إلى إنشاء مجمع اللغة العربية

كان الأستاذ محمد شوقي أمين من أبرز الكتاب الصادقين في دعوتهم إلى إنشاء مجمع اللغة العربية أيا ما كان اسمه، وقد كتب بجريدة الأهرام في أوائل العام الثاني والثلاثين من القرن الماضي مقالا بعنوان حاجة اللغة العربية إلى أكاديمية: "أَشرق الأهرام في صباح اليوم حاليًا (أي مُحليًا: على نحو ما نقول الآن من التحلية والتزيين) صدره بمقالٍ كريم، من قلم حضرة صاحب السعادة زنانِيرِي باشا، أعرب فيه عن حاجةِ العصر الحالي إلى معهدٍ لغوي يأخذ على عاتِقهِ أن يوجد مستحدثات من الألفاظِ العربيةِ الفصحى، تدل على مستحدثاتِ المعاني العاليةِ العامة. ولا أنسى في مقتبل حديثي أن أشكر لسعادةِ الباشا تنويهه باسمِي في مقتبل حدثِه، فلقد ذكرني في معرض ذكره لمن يقرأ لهم تعليقاتهم على أَغلاط الكتاب".

 

"والواقع أن الحاجة إلى المعهدِ اللغوي حاجة ماسة لا يمدها إلّاهُ… فعند المعهد اللغوي يصِيب الأدباء والصحافيون ما يذللون به تلك العقباتِ التي تعترضهم في حياة الأدبِ والصحافة. ومِن العجب العاجِب أن يبقى المعهد اللغوي إلى الساعة التي نحن فيها: فكرة تتماوج بها الرؤوس، وأمنية تختلج في النفوس، ولا هو شأن ينتطح فيه عنزان، ولا هي مسألة فهِا قولان.. ونضرب في خطل: حين نظن أن الجهود الفردية التي يبذلها أنصار اللغةِ تورث كفاية وعناء، والحق أن أثرها وقتي إن صح أن يكون لها أثر. فهذه الجهود الفردية يعوزها النظام المعنوي الذي يسعى سعيه لدى الأدباء، وتنقصها القوة الروحية التي تؤتي أكلها عند الكتاب، ولن يكون ذلك النظام، ولا تلك القوة، إلا حيث المجامع النبيلة الموصوفة التي تترامَى إليها العيون، في تقديرٍ لها، واعتداد بها."

كان الأستاذ محمد شوقي أمين بحكم إخلاصه وحبه مستودعا للتاريخ العلمي للمجمع اللغوي ونشاطه، ولولا أنه شغل باللغة وعلومها لكان له شأن في كتابه تاريخ الحياة العلمية المرتبطة بعلوم اللغة وتطويرها

" أمامنا: المعهدُ اللغوىّ، وفينا بحمد الله رجالات: في ملكهم (أي في إمكانهم) أن ينشئوه إنشاءً طيبًا، وينُبتوه نباتًا حَسَنًا، فيؤتي أُكُلَه بإذن الله.. إذًا: فليس يبقى إلا الجُودُ والعزم، فهْل ينقص رجالاتِنا هذان؟

أَلاَ نفـوسٌ أَبِيـَّاتٌ لها هممِ                 أَمَـا على الخيرِ أنصـارٌ وأعـوانُ؟"

 

هكذا كان الأستاذ شوقي أمين داعية للإصلاح الاجتماعي واللغوي، وكان دائب الدعوة إلى إنشاء المجمع اللغوي، ولذلك فقد عين محررًا بالمجمع منذ الدورة الأولى لانعقاده في سنة 1934، وبعدها عمل محررًا لمكتب الرؤساء الثلاثة: محمد توفيق رفعت، وأحمد لطفي السيد، فَطَهَ حسين، وقد طلب إحالته على المعاش قبل بلوغه السن القانونية بعام، وعين بعدها مباشرة خبيرًا للجنة الأصول، ولجنة الألفاظ والأساليب، ولجنة إعداد الطبعة الثانية للمعجم الوسيط.

انتخابه لعضوية مجمع اللغة العربية

انتخب الأستاذ محمد شوقي أمين لعضوية مجمع اللغة العربية في سنة 1974، وشغل الكرسي الثلاثين الذي كان قد خلا بوفاة المرحوم الأستاذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد. ومن الجدير بالإشارة هنا أنه كان أول محرر مجمعي ينتخب عضوًا في المجمع، وإن كان اثنان من مديري المجمع السابقين قد اختيرا لعضوية المجمع بالتعيين في 1961، لكنه كان أول من انتخب لهذه العضوية، وقد نال هذه العضوية مبكرًا عن بعض أقرانه من أساتذة اللغة والأدب في الجامعة ممن كانوا يناظرونه في السن. وبعد انتخابه عضوًا عام بالمجمع في سنة 1974 حرص الأستاذ محمد شوقي أمين، إلى جانب عمله في اللجنتين التي كان خبيرًا لهما، وهما لجنتا الأصول والألفاظ والأساليب، على المشاركة في أعمال لجان أخرى عديدة: في لجنة اللهجات، وفي لجنة المعجم الكبير، وفي لجنة القانون، ولجنة الاقتصاد، ولجنة المعجم الوسيط، وتولى إنجاز بعض مفاخر المجمع فأشرف على طبع المعجم الوسيط والمعجم الوجيز. وكانت له على الدوام آراؤه المتميزة في تيسير الكتابة، وتيسير تعليم النحو، واستخدام اللغة العربية في الحاسب الإلكتروني، واللهجات.

 

وقد كان الأستاذ محمد شوقي أمين بحكم إخلاصه وحبه مستودعا للتاريخ العلمي للمجمع اللغوي ونشاطه، ولولا أنه شغل باللغة وعلومها لكان له شأن في كتابه تاريخ الحياة العلمية المرتبطة بعلوم اللغة وتطويرها، لكن تاريخه لم يخل من مثل هذه المشاركات، فقد كان له نصيب في هذا الميدان:

– اشترك في إعداد كتاب مجموعة القرارات العلمية في ثلاثين عامًا، الذي أصدره المجمع.

– أشرف على إخراج كتابيْ الأصول (ج 1، 2)، والألفاظ والأساليب (ج 1، 2)

– أخرج كتاب مجموعة القرارات العلمية واللغوية، بالاشتراك مع الأستاذ إبراهيم الترزي.

– أشرف على إخراج وطبع محاضر جلسات لدورات للمجمع الأولى التي عطلت الحرب العالمية الثانية نشرها، فنشر المحاضر من الدورة السادسة حتى الثانية والعشرين.

– اشترك في وضع القانون الجديد للمجمع الذي صدر سنة 1982

مؤلفاته القليلة

– كتاب صغير وقيم عن الكتابة العربية كان من أوائل الإصدارات في سلسلة كتابك

– الأزهر فوق المشرحة

– مشاهدات سجين: عشرة آلاف دقيقة في سجن مصر

– طرائف وفكاهات من تراثنا العرب.

– التشريعُ الإسلاميُّ للأحوال الشخصية والتكافُلِ الاجتماعي.

وفي مجال تحقيق النصوص والتراث

اشترك الأستاذ شوقي أمين في تحقيق ديوان بشار بن برد بأجزائه الأربعة.

وللأستاذ محمد شوقي أمين بحوث مجمعية عالية القيمة، منها:

– جواز التعريب على غير أوزان العرب.

– تحقيق القول في ها أنا وهأنذا.

– بواكير الإصلاح اللغوي في العصر الحديث.

– رأي جديد.. من قديم: المؤنث كالمذكر في ألقاب المناصب العامة.

– اللغة العربية، هل هي لغة عصرية؟

– اللغة العربية: مكانتها القومية في القديم والحديث.

– قول في النحو.

– المزيد بالهمز كالمجرد في الأفعال الثلاثية المتعدية.

– قول في الإعراب.

– الملاحم بين اللغة والأدب والتاريخ.

– صيغة الفصحى المخففة كما يراها الدكتور محمد كامل حسين.

– نحو تيسير النحو: قول في خبر كان.

–  مثال أخذ من معجم فيشر.

– في تيسير النحو والصرف.

– من التراث الدَّرْعَمي: حول الألف اللينة.

– قول في قضية جمع الجمع.

– المعجم العربي: متى يستكمل؟ دعوة إلى عمل.

– المفاهيم الاصطلاحية لكلمات: المعرَّب والدخيل والمولَّد والمحَدَّث.

أنشطة المجتمعات العلمية والأكاديمية

كان الأستاذ محمد شوقي أمين ذا حضور واسع المدى في أنشطة المجتمعات العلمية والأكاديمية فقد:

– مَثَّل المجمع في المؤتمر الذي عقدته جامعة عين شمس حول استخدام الحروف العربية في الحاسب الإلكتروني و شارك في مؤتمر اللهجات الذي عقدته جامعة أسيوط، وكذلك في ندوتها العالمية عن جلال الدين السيوطي، ومثَّل المجمع في مؤتمر اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية بالجزائر، وكان موضوعه في تيسير تعليم النحو.

حديث انداده عنه

ننقل هنا بعض الفقرات التي تصور لنا عظمة هذا الرجل بأقلام من عرفوه. هذا هو الأستاذ عبد الحميد حسن (1889-1976) يتحدث عن فضل الأستاذ محمد شوقي أمين في الكلمة التي أعدها لاستقباله عضوًا في مجمع اللغة العربية فيقول: " …. شعاره الذي كان يسعى إلى تحقيقه في جميع أدوار حياته هو أن الحكمة ضالة الباحث يلتقطها أنَّى وجدها، وقد عكف على التحصيل يطرق إليه كل باب، ويتتبع كل مورد عذب فينهل منه ما يروي ظمأه، واستمر ينقب ويبحث ويختزن في ذاكرته اللامعة وذهنه الخصب وقريحته الوقادة حتى صار بحرًا تتلاطم أمواجه ويحتفظ في قراره المكين بدرر من طرائف اللغة والأدب وشوارد الحقائق، التي تتطلب بحثا عميقا وتوفرا على الاطلاع.

 

وقد لخص الأستاذ عبد الحميد حسن رؤيته لحياة الأستاذ شوقي أمين العلمية والمجمعية فقال: أما نشاطه في مجمع اللغة العربية فقد كان حافلا بالإنتاج الغزير ولا يزال كذلك إلى الآن. وفي خلال عمله بالمجمع قامت في سبيله عقبة إزاء وضعه في المرتب الذي تمنحه والدرجة المالية التي توائم ثقافته وتحصيله، ذلك أن القوانين المالية كانت تشترط للتعيين في أولي الدرجات المالية ثم متابعة الترقي، أن يكون الموظف حاصلا على الشهادات الرسمية، لكي يتسنى له التمتع بالرقي المالي المتتابع. "وعلاجا لهذا الوضع كتب رئيس مجلس الوزراء إذ ذاك مذكرة عرضها على مجلس الوزراء في هذا الشأن سنة 1946 جاء فيها إنه على جانب كبير من الثقافة الأدبية واللغوية وله من سعة الاطلاع ما يقوم مقام الشهادات العلمية، وقد استطاع أن يقوم بأعمال فنية بكفاية وإخلاص وجدارة وامتياز. "ولهذه المذكرة قصة طريفة وقد سمعتها من الأستاذ شوقي يرويها من ذاكرته الجيدة الواعية اللامعة، وهي تنطوي على اهتمام ولاة الأمور المختصين من الوزراء وكبار شيوخ الأزهر وأعضاء هذا المجمع بالزميل شوقي أمين وبإعطائه ما يستحقه.  " ويبدو لي أن هذه القصة تتعلق بما كان بين هؤلاء الوزراء والمشايخ من علاقات شابها التوتر أحيانا والتودد أحيانا أخرى بحكم الحياة الحزبية.

شهادة شقيقه

في روايته لتكوينه الإنساني (ضمن السلسلة المعروفة: التكوين) التي كانت دار الهلال تنشرها في عهد الأستاذ مصطفى نبيل، كتب القطب اليساري الشهير الأستاذ محمود أمين العالم (في مجلة الهلال) عن شقيقه كثيرًا من الفقرات المنصفة المحقة، ومن هذه الفقرات قوله: " وأعود إلى أخي شوقي الذي كان في الحقيقة أكثر من أخ، كان العائل الحقيقي للأسرة، وخاصة بعد أن فوجئنا بأن أبانا قد باع بيتنا في حارة القربية، الذي كان يدر علينا بعض الدخل. ولهذا كان علينا أن نبحث عن سكن وعن مصدر للرزق!. " وحمل أخي شوقي العبء، وكنا أسرة مكونة من سبعة أفراد، فإلى جانب الوالد والوالدة وشوقي، كان هناك أحمد وأمة الله وعائشة وأنا.. وكنا نحن الأربعة لا نزال في مرحلة التحصيل العلمي. ولهذا كان شوقي مشغولا بنا دائمًا، ومشغولا عنا دائمًا.  " كان طالبا في الأزهر مثل أخي أحمد، ولكنه وهو ما زال طالبا في الابتدائية ألف كتابا صغيرًا في نقد الأزهر ورجاله بعنوان الأزهر فوق المشرحة. ففصل من الأزهر. وكان محبًا عاشقا للأدب واللغة.. فراح يشق طريقه للعلم والكتابة، وأخذ اسمه يلمع على صغر سنه، وأخذ ينشر مقالاته الأدبية واللغوية في جريدة الأهرام، وكان من أوائل الداعين لإنشاء مجمع اللغة العربية، ولهذا كان أول المعينين فيه عند إنشائه، ثم أصبح بعد ذلك وبعد جهاد علمي طويل عضوًا من أعضائه.

 

" وفي منتصف هذا الجهاد كان عليه أن يحمل عبء أسرة بكاملها ما أكثر ما عطلت مسيرته العلمية الصاعدة!. " كانت مكتبة أخي شوقي، البحر المحيط الذي رحت أنهل منه كنوز المعرفة التراثية القديمة، والجديدة، العربية والغربية المترجمة، والحديث عن هذه المكتبة وعن بعض ما كان فيها، مما كان له أثر عميق في توجيهي وتكويني في هذه المرحلة المبكرة من حياتي، حديث يطول، ولكن حسبي أن أشير إلى أثر واحد هو مجموعة مجلة الرسالة للأديب الكبير أحمد حسن الزيات، وجدت أمامي في هذه المجموعة منذ بدايتها، فضلا عن استمرارها، ما فتح لي آفاق الثقافة الرفيعة في مختلف مجالاتها، وما أكثر ما قرأت فيها من صفحات أرعشتني وهزتني وأقلقتني. " على أن فضل شوقي عليَّ لم يقتصر على مكتبته وعلى شخصه النبيل وعلمه الوافر، وإنما قد أتاح لي أفقا آخر كان له أثر كبير كذلك في تطويري الثقافي المبكر.. كان أخي شوقي صديقا حميما للأستاذ كامل كيلاني نقيب الأدباء، كما كان يلقب في ذلك العهد. وكان كامل كيلاني صاحب المبادرة العظيمة في التأليف للأطفال.. تأليفا موسوعيا متنوعا يجمع بين التراث العربي القديم والحديث والغربي، الأدبي منه والعلمي والتاريخي والجغرافي.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة