العلاج المزيف.. لماذا يفضل الكثير من المرضى العلاج بالأعشاب؟!

كيف يجد المدلسون والنصابون أرضاً خصبة في بلاد يؤمن أكثر أهلها بدين تبدأ أول آيات كتابه بـ: "إقراً" .. ولا يقبل نبيه صلى الله عليه وسلم إلا الطبيب الحاذق في مهنته، فعنما يأتيه طبيبان ليختار أحدهما. يكون اختياره له حسب مقدار العلم والمهارة.. فيسألهما: "من أطبكما"؟؟ وعندما يمرض خاله سعد بن ابي وقاص.. يدعو له بالشفاء.. ويستدعي له الطبيب الأكثر علماً ليعالجه – حتى إذا كان على غير دين الإسلام – وهو الحارث بن كلدة – بل ويُحَمّل النبي مسؤولية من يتصدى للعلاج بغير علم نتيجة خطئه، فيقول: "من تطبب ولم يعلم عنه طب فهو ضامن". ورغم ذلك كله نجد الطب دون غيره من المهن قد أصبح في بلادنا مهنة من لا مهنة له!

 

دائماً يجول بخاطري هذا السؤال كلما فكرت لماذا ينفق الكثير من الناس الكثير من المال بمنتهى الأريحية والسعادة عند الدجالين الذين يعالجونهم بممارسات تعود إلى القرون الوسطى التي لم يقم عليها أي دليل ولم تثبت لها أي فائدة، بينما يرفضون أن يتداوو عند الأطباء المتخصصين الذين أفنوا أعمارهم في أبحاث ودراسات تجعل أدويتهم وعلاجاتهم أأمن ما يمكن أن تكون رغم سلبياتها، فترى الرجل يسافر لأقصى الأرض ليدفع ماله طواعيةً لامرأة تعطيه خليطاً عجيباً من منقوع الحشرات يشربه لعلاج الكبد، أو يدفع ماله هديةً إجباريةً لحاجب على باب دجال يقف بقدميه المتسختين على ظهر مريضه بعد أن يجعله ينام على الأرض على بطنه ليعالجه من الام العمود الفقري، أو تراه "يتبرع" بمبلغ متفق عليه سلفا لشيخ معمم تكرم وتفضل بالمجيء لمعالجة ابنته المصابة بالصرع.. وطريقته في علاجها هي الضرب على وجهها وجسدها حتى يخرج الجني من إصبع قدمها الأصغر، ولا يرتاح فضيلته ولا يهدأ له بال حتى يرى إصبع قدمها الأصغر ينزف دماً ليطمئن أن ماله لم يذهب سدى، وأنه حصل على خدمة جيدة مقابل ماله! هو بالتأكيد لا يحب أن يعود للمنزل والجني مازال داخل ابنته!

 

  • "للأسف.. كليتاك متوقفتان تماما عن العمل.. ومعدل السموم بدمك وصل الى درجة خطيرة قد تؤدي خلال يوم أو يومين الى اضطراب بوظائف المخ أو توقف القلب أو تجمع السوائل في رئتيك وفشل الجهاز التنفسي.. تحتاج إلى جلسة غسيل دموي عاجلة لانقاد حياتك" ..
  • كانت هذه هي نصيحة الطبيب استشاري أمراض الكلى والتي قالها بنبرة حزينة للمريض الشاب الثلاثيني الذي بدا أنه لم يستوعب بعد حجم الكارثة وخطورتها.
  • "لا..شكراً.. أنا أعرف رجلاً صالحاً يعالج بالأعشاب، لديه خلطة لعلاج أمراض الكلى، وقد وعدني أنني لن أحتاج إلى الغسيل الدموي"

قالها الشاب بمنتهى الثقة.. وترك العيادة لاعنا في سره هؤلاء الأطباء الجشعين – عبيد شركات الأدوية الدولية المجرمة – الذين لا يفكرون إلا في طريقة يبتزون بها مرضاهم لسرقة اموالهم وربطهم بالأدوية مدى الحياة!

  • "البقاء لله!!"
  • كان هذا هو الرد الذي تلقاه استشاري أمراض الكلى حين اتصل على رقم الشاب بعد ثلاثة أيام ليحاول ثانيةً إقناعه بأهمية عمل جلسة غسيل دموي طارئة للحفاظ على حياته!.. هذه القصة القصيرة الحزينة تتكرر بشكل يومي للأسف!

 

نشر أحد المواقع تقريرا ميدانيا من الشارع اتضح فيه أن أكثر من ستين بالمائة من العينة العشوائية التي تم سؤالها سيتجهون للعطار أو لاستخدام منتج من منتجات ما يسمى بالطب البديل قبل الذهاب للطبيب المتخصص، خصوصا إذا كانت المشكلة بسيطة، لكن المفاجأة الحقيقية كانت أن أكثر من خمسة وعشرين بالمائة سيتجهون لما يسمى بالطب البديل إذا شعروا أن مرضهم معقد وأن الطبيب المتخصص قد قرر لهم عددا من الأدوية ليأخذوها لفترات طويلة! أي أن إيمانهم بقدرة العطار أو غير المتخصص على علاج الأمراض تزيد عندما يتعقد المرض!

 

المثال الشهير الذي يحضرني هنا هو مشكلة ألم الظهر المزمن بسبب الانزلاق الغضروفي. في اللحظة التي يقرر الطبيب فيها مصارحة مريضه أن حالته تقدمت وساءت وأنه الآن يحتاج إلى عملية جراحية أثبتت الدراسات على آلاف المرضى أنها تحمي أعصاب الحبل الشوكي من التلف وتحمي المريض من فقدان القدرة على تحريك أطرافه، هنا يهرع المريض إلى الحاجة "فلانة" أو الشيخ "فلان" الذي يعيش في الصحراء ولديه القدرة السحرية – بعد أن يجلس هو وأولاده على ظهرك أو يطرق عمودك الفقري بمطرقته العجيبة – أن يشفيك تماما من كل آلامك بلا جراحة وبلا أدوية!

 

طبعا لن أتحدث هنا عن أن هذا التأثير هو "بلاسيبو" -وهمي- في الأساس، وأن المريض يذهب لهذا الشخص وهو مؤمن تماما به فيكون التأثير مضاعفاً، لن أذكر البعض الذين تدهورت أحوالهم وعادوا من رحلتهم بفقدان القدرة على التحكم بالبول والبراز للأبد نتيجة ضربة أو جلسة خاطئة من الحاج "المبروك" على عمودهم الفقري، كل ما أريد أن أذكره هنا هو أن الكثيرين من هؤلاء المرضى المغرر بهم قد ارتاحوا من الألم بالفعل بعدها لفترة، لكن السبب الأصلي للألم كان ورماً خبيثاً وانتشر واستفحل لأن الحاج أو الشيخ عالج العرض وترك المرض الذي لا يعلم عنه شيئاً.

 

المشكلة الكبرى هو أن أغلب ممارسات ما يسمى بالطب البديل هي ممارسات لا يقوم عليها اي دليل حقيقي، وتدخل في نطاق العلوم الزائفة التي تبدو لغير المتخصصين علوماً وتستعمل كلمات معقدة من لغات أخرى ووعوداً براقة وآمالاً كبيرة، لكن أي باحث أو طبيب متخصص يمكنه تفنيدها بسهولة.

 

لن احدثك هنا عن الصيدلي الذي كان يعالج مرضى الالتهاب الفيروسي سي – كما ورد حرفيا في الاعلان الذي نشره في جريدة قومية في مصر – ب"زحلقة" الفيروس على صمام الكبد لإخراجه من الجسم عن طريق إعطاء المريض بعض الاعشاب التي لا يعلم سرها إلا هو!!، وأنا هنا اتخيل هنا هذا الفيروس السعيد "سي" الذي يعيش هو وعائلته في بيوت صغيرة جميلة بجوار صمام الكبد. وربما يخرجون في جماعات في مواسم الأعياد "يتزحلقون" على صمام الكبد ويتأرجحون في القنوات المرارية، وأتخيل العلماء منبهرين بهذا الاختراع وهم يشاهدون الفيروسات تحت المجهز "يتزحلقون" بعد أخذ العشبة السحرية!

 

طبعا لن يلقى هذا الإعلان رواجا إلا بعد إضافة التوابل الضرورية لانتشاره، من وجود صورة شخص مبتسم واثق من نفسه يقول إنه "صيدلي مصري" تزين وجهه لحية كبيرة "تؤكد أنه إنسان تقي وورع" مكتوب تحتها جملة مناسبة لدغدغة مشاعر الجمهور المؤمن بنظرية المؤامرة الكونية مثل "الاختراع المصري العربي الذي رفضت عرضاً ب٥ ملايين دولار مقابل بيعه لشركات الدواء الأمريكية" إلى آخر هذه المقبلات التي تثبت نجاحها في كل مرة.

 

وليست هذه المقبلات فقط هي ما يجعل الناس يعزفون عن استشارة المتخصصين ويتجهون إلى هذا الدجل "العلمي"، بل إن هناك أسباباً عميقة كثيرة للمشكلة، يحسن هؤلاء الحواة استغلالها لصالحهم سنتحدث عنها في مدونة لاحقة بإذن الله.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة