لؤي الأتاسي.. رئيس سوريا الذي حاول اغتياله الناصريون!

الفريق لؤي الاتاسي (1926 ــ 2003) هو ثاني رئيس لسوريا بعد انفصالها عن مصر، أما الرئيس الأول بعد الانفصال فهو الزعيم الوطني ناظم القدسي ١٩٠٦- ١٩٩٨، والشائع أن هذين الرئيسين كانا مع الوحدة، لكن حركة التاريخ تقول بأن الشائع عكس الواقع، وعكس الوقائع، فقد أدى الرئيس ناظم القدسي الدور الذي كرّس الانفصال وعودة سوريا إلى ما كانت عليه قبل الوحدة، ولو أنه كان مع الوحدة حقا لفعل مثل الزعيم رشدي الكيخيا ١٨٩٩-١٩٨٧ ورفض أن يغني للانفصال على حد تعبيري الذي وصفته به في مدونة سابقة من مدونات الجزيرة " الزعيم السوري رشدي الكخيا الذي رفض أن يغني للانفصال" المنشورة في ٨ مايو ٢٠١٩.

 

أما الرئيس لؤي الاتاسي فإنه رأس المجلس الوطني لقيادة الثورة وذلك بعد أن سمى انقلاب مارس 1963 نفسه ثورة على نحو ما هو معتاد في الانقلابات العسكرية العربية منذ 1952 اقتداء بالتجربة المصرية، وكان هذا المجلس مكرسا للانفصال بأكثر من فترة المسئولين السابقين عليه الذين جاءوا للحكم بعد انقلاب عبد الكريم النحلاوي في سبتمبر 1961، لكن لؤي الاتاسي ومجموعة 8 مارس 1963 قدموا أنفسهم على أنهم وحدويون وناصريون، ولا تزال بعض الأدبيات توافقهم على دعواهم هذه، مع أن من الثابت أن الناصريين السوريين بقيادة جاسم علوان ١٩٢٨- ٢٠١٨ قاموا بالانقلاب عليهم في 27 يوليو 1963 في انقلاب لم يكن من حظه النجاح حيث تصدى لهم أمين الحافظ ١٩٢١- ٢٠٠٩ الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في نظام لؤي الأتاسي، ورأى أمين الحافظ أن من حقه أن يكون هو رجل الدولة ورئيس الدولة، واستولى على مقدرات الأمور بذكاء خاطف، فأصبح منتصرا ومستفيدا بعد أن كاد أن يكون ضحية، فلما قبض على زمام الرئاسة بيدية بدأ في صراحة شديدة يعادي الناصريين ويتخلص من وجودهم، مما أدى إلى خلاف بينه وبين رجل الجيش الأول الفريق محمد صوفي (1927 ــ 2018) لكن أمين الحافظ كرس السيطرة والنجاح بعد أن كان قد تمكن بالفعل من كل مفاصل الدولة.

 

من الجدير بالذكر ان الفريق لؤي الأتاسي تخرج في الكلية العسكرية 1948 أي في سن الثانية والعشرين وكذلك تخرج الفريق محمد الصوفي في 1948 في سن الواحدة والعشرين، على حين تخرج الرئيس أمين الحافظ في 1946 في سن الخامسة والعشرين، بالطبع فقد شمل الانقلاب "الناصري" الذي لم يكتب له النجاح محاولة اغتيال فاشلة للؤي الاتاسي، وبنجاته من الاغتيال آثر لؤي الاتاسي السلامة، وبقي رئيسا سوريا سابقا طيلة الفترة من 1963 وحتى وفاته في 24 نوفمبر 2003 بعد أكثر من أربعين عاما (أي أكثر من نصف عمره) في المعاش المبكر كرئيس سابق، تاليا في طول هذه المدة لكل من الرئيس الجزائري بن بيلا (1916 ــ 2008 ) الذي ظل رئيسا سابقا 47 عاما ولخلفه الرئيس امين الحافظ (1921 ــ 2009) الذي قدر له من طول العمر أن يعيش حتى 2009 وان يكون رئيسا سابقا لمدة 43 عاماً.

يرتبط بذكر الرئيس لؤي الاتاسي معنيان يرتبطان باسمه ولقبه، أما الأول فيرتبط بلقبه إذ أنه ثاني رئيس يحمل لقب الأتاسي من ثلاثة رؤساء من نفس العائلة، اما الأول فهو الرئيس السوري المنتخب الأول الزعيم ورجل الدولة هاشم الاتاسي (1875 ــ 1960)

فيما قبل ما سمي بالحركة التصحيحية في 1963 كان لؤي الأتاسي معروفا عن حق بميله إلى الوحدة مع مصر، وفيما قبل الوحدة مع مصر في 1958 1963 قام لؤي الاتاسي بدور تاريخي مرموق ومشرف فيما سمي بانقلاب فبراير 1954 الذي أنهي حكم الرئيس أديب الشيشكلي ومغامراته، وفتح الباب لعودة الديموقراطية أو ما سمي بربيع الديموقراطية إلى سوريا، وهو الربيع الذي استمر منذ ذلك الحين وإلى أن قامت الوحدة مع مصر في فبراير 1958. ومن الجدير بالذكر أن لؤي الاتاسي كان قائداً للشرطة العسكرية في حلب في ذلك الوقت الذي شارك فيه في انقلاب 1954.

 

ونحن نلاحظ دون جهد كبير أن انقلاب 1954 في سوريا الذي أعاد الديموقراطية قد حدث في نفس التوقيت الذي قام فيه الرئيس عبد الناصر بانقلابه الأول على الرئيس محمد نجيب (فبراير 1954) وتولى فيه رئاسة الوزارة للمرة الأولى بدلا من الرئيس نجيب، وهو الانقلاب الداخلي الذي قاد من حيث لم يتوقع أصحابه إلى حدوث ما عرف بأزمة مارس 1954 التي مكنت المصريين من إعادة الرئيس نجيب للسلطة ولرئاسة الوزارة، وإعادة فتح القنوات الديموقراطية والاستمرار المبتهج بما ظنه حسنو النية عودة حقيقية لآليات الديموقراطية منخدعين بما حدث في سوريا من ربيع ديموقراطي أزاح الشيشكلي، ومن دون أن ينتبه الساسة المصريون إلى ما كانت الأيام تخفيه عنهم من التخطيط المحكم المؤدي إلى تغييب تام للديموقراطية، وهو الأمر الذي لم يلبث أن تحقق بسواده كله، ريثما أعاد الرئيس جمال عبد الناصر ترتيب أوراقه، وانهى في نوفمبر 1954 وجود الديموقراطية، كما أنهى وجود الرئيس محمد نجيب في الرئاسة، واعتقله، كما أنهى الوجود الفعلي للأحزاب والاخوان ومشروعات الجماعات الإسلامية فيما أعقب حادث المنشية.

 

وهكذا فإن الدور الناجح للؤي الاتاسي ورفاقه في ربيع الديموقراطية في سوريا ١٩٥٤ لم يتكرر في مصر، بل على العكس أدى إلى أثرين الأول هو تخدير القوى المدنية والثاني هو استفزاز وحرص القيادة المصرية العسكرية الجديدة على نزع كل قدرة فاعلة من أية قوة مدنية ومن أية جماعة من الضباط ذوي التوجهات الوطنية أو المعرفية في سوريا، وهكذا كان الربيع السوري كاللقاح او الطعم محصنا للنظام الناصري من ترك زمام الأمور للحرية، وهكذا فإن مجمل تجربة الرئيس لؤي الاتاسي فيما قبل ١٩٥٨ لم يكن باعثا على أي اطمئنان ناصري لها ولا لصاحبها، حتى وإن لم ينتبه المراقبون لهذا الموقف الناصري الحاسم من الفريق لؤي الاتاسي.

 

يرتبط بذكر الرئيس لؤي الاتاسي معنيان يرتبطان باسمه ولقبه، أما الأول فيرتبط بلقبه إذ أنه ثاني رئيس يحمل لقب الأتاسي من ثلاثة رؤساء من نفس العائلة، اما الأول فهو الرئيس السوري المنتخب الأول الزعيم ورجل الدولة هاشم الاتاسي (1875 ــ 1960)، وأما الثالث فهو الرئيس الدكتور الطبيب نور الدين الأتاسي (1929 ــ 1992) الذي قام الرئيس حافظ الأسد بحركة التصحيح ضده، وأودعه السجن 22 عاما متصلة حتى ما قبل وفاته بشهور قليلة حيث كان السرطان قد استشرى في جسده .

 

ويرتبط بلقب الاتاسي أيضن الفريق لؤي الاتاسي نفسه كان واحداً من ثلاثة ضباط بارزين من عائلة الأتاسي كانوا من المشاركين في انقلاب 1954 الذي أزاح الشيشكلي، وهو ما يجعل بعض الكتابات تطلق على هذا الانقلاب اسم انقلاب الضباط الأتاسيين، اما الآخران فهما العقيد إياد، والعقيد فيصل (1917 ــ 1998) وهو صاحب الدور الأكبر في ذلك الانقلاب كما أنه صاحب الفضل الخلقي والسياسي العظيم الذي لا يتحدث عنه أحد بالطبع، ذلك أنه استقال من الجيش ورشح نفسه ليكون نائبا عن حمص فلما أخفق في الانتخابات ابتعد عن السياسة.

 

أما ما يرتبط باسم لؤي فهو أن المصريين في ذلك الوقت سموا كثيرا من مواليدهم لؤي إعجابا بأناقة وخفة وجاذبية ذلك الاسم العربي الأصيل، الذي أصبح يتكرر بعد ذلك، وذلك على الرغم من أن من النادر أن تجد مصريا ولد قبل 1963 يحمل اسم لؤي، وكان هذا بالطبع استمرارا لتقليد انتشار أسماء فريدة وناريمان وجيهان ومحمد نجيب وجمال، توفي الفريق لؤي الأتاسي في 24 نوفمبر 2003 عن 78 عاماً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة