أن تكون راضيًا مرضيًا.. ومبتعدًا عن الوجاهة الزائفة!

ما أكثرَ السعيَ نحو الوجاهة الزائفة، وما أكثر الزحف إلى حيث الأبّهة الكاذبة، وما أكثر الإغترار والمغرورين، وما أصعب النجاة من مخالب الدنيا وأنيابها، وما أهنأ أولئك الذين يجدون لأنفسهم موطئ قدم وموطن إقامة في ديار الصدق وسلامة الصدور بعيدًا عن ديار الزيف والخداع والرياء. والحشود لا يستهويها ولا يعلو لديها إلا كل ما هو غثٌّ ورثٌّ وهزيل، لكن الميزان لا يرجح فيه إلا كل ما هو سمين وسليم وثقيل. فانظر أتريد قيمتك في عين الحشود أم في كفة الميزان؟ وهل تريد موضعك في الكفة السفلى راجحًا أم في العليا مرجوحًا؟

 

وفي النهاية، سوف تتنهّدُ عميقًا وسوف تسخرُ من نفسك عميقًا لأنّك سمحتَ لها أن يستدرجها القلقُ، وأن تستحوذ عليها المخاوف، وأن تسعى للقبضِ على السرابِ الذي كان سعيُك خلفه لهاثًا مُعْيِيًا. في النهاية، سوف تدرك أن كلمةً واحدةً تبقى لك تغنيك عن كلّ المسرّات والمنغّصات وتنسيك الحلاوات والمرارات، وهي أن يُشارَ إليك في الملأ الأعلى بأنك كنت "راضيًا مرضيًّا". فتأمّل كم من الهراء قلتَ وسمعتَ، وتأمّل ضلالَك الذي كنت تخوض فيه إذ تحمل همومًا لا تعدل عند الله جناح بعوضة وتنوء بأحمالٍ أثقالها كالجبال التي كانت عهنًا منفوشًا منذ بدء الخليقة. فالأجدر بك كان التخفف من كل تلك الأحمال، لأنها لم تكن إلا انحرافًا عن جوهر ما أريد لك من نفس "راضية مرضية".

 

فطوبى لك، أيها العبد الناجي بروحك وبدنك، لأنك أدركت ما أدركت قبل فوات الأوان، ولأنك زكَّيْتَ نفسَك قبل انصرام الآجال، ولأنك أكرمت ذاتك وطهرتها وتنزهت بها وحافظت عليها. وهناك حيث يجر عبيد الدنانير والدراهم تعاستهم، ويعيشون شقاءهم بأرصدة مصرفية خيالية وثروات هائلة، أتيح لك أن تكون من المغبوطين الذين تحصنوا في معقل مكين أمين واعتصموا بركنٍ شديد متين. والدنيا دارُ الامتحان والبلاء وميدانُ الإغواءِ والإضلال، ففيها ما فيها من سُبُل الانحراف، وفي ربوعها تتشعّبُ طرائق الاعوجاج والزيغ. والإنسان تتقاذفه الأهواء وتتحكم بإرادته الإغراءات التي لا تنتهي والتي تتنوع أشكالها وألوانها وأساليبها، فتحاصره حصارًا محكَمًا لا يجد عنه محيصًا أو مفرًّا. وما أقلّ الناجين بيننا نحن معشر البشر، وما أكثر الهالكين الساقطين في أفخاخ تنصبها الدنيا في كل جهة.

 

 

فشهوة السلطة وما يرافقها من جاه عريض ونفوذ واسع أهلكت وتهلك الكثيرين، وقلما يصمد إزاءها إنسان. فمن أجلها تُستَحلُّ الحرمات وتنتَهك الأعراض وتُهْتَكُ الأستارُ وترتكبُ الكبائرُ وتسفكُ الدماءُ غزيرةً وتُزهقُ أرواح الأبرياء. وفي النهاية، ما الذي يحصده طالب السلطة من سعيه المريض هذا غير أوهامٍ تتبعها أوهام سرعان ما تنقضي بانقصاف الأعمار وقدوم الآجال التي لا تترك أي إنسان ولا توفّر صغيرًا ولا كبيرًا؟ فمتى يعقل المتصارعون على السلطة أنهم ما يطلبون إلا سرابًا، وأنهم يفسدون حيث يظنون أنهم يصلحون، وأنهم يسيئون حيث يظنون أنهم يحسنون صنعًا؟

 

وشهوة المال أهلكت من أهلكت من المتقدّمين، وما زالت تهلك من تهلك من المتأخّرين، وعمّت فتنتها السلف والخلف على حدٍّ سواء. فمن أجل المال، قُطِعَت الأرحامُ، وفسدت الذمم، وتعفنت الضمائر، واستبيحت الحمى، وتُرِكَ الصدقُ، وراج الكذبُ، واستفحل أمر المنافقين والمخادعين. فما دخل المال في قطاع إلا وأفسده، وما غلب على علاقة بشرية إلا ودمرها في النهاية، وما ساد حبه أهل بيت إلا وكان عليهم خرابًا ووبالًا. لكن العظات الموجودة بكثرة لم تنفع المتّعظين، والدروس المتوفرة بغزارة لم تنتج مزيدا من المتفكّرين والمتدبّرين. وما زلنا نشهد اقتتال الناس وخصوماتهم من أجل جشعهم في جمع المال وحرصهم عليه وطمعهم الذي ينتج شحًّا هالعًا وبخلًا مقيتا وأثَرةً بغيضةً.

 

ولا يمكن لأي إنسان أن يحوز سلامة الصدر ونقاء السريرة إن غلبت عليه شهوة السلطة أو المال أو الاثنين معًا. فهاتان الشهوتان المهلكتان غالبًا ما تأتيان مترافقتين متآخيَتين. ولو مهما مارس الإنسان من عبادات ظاهرة والتزم بالشعائر بحذافيرها، فهذا كله لا ينفعه بشيء إن تملّك باطنَه حب السلطة واستحوذ على سريرته حب المال. لذلك لا يقاس صلاح المرء بكثرة العبادات من صلاة وصيام وقيام وزكاة وصدقة وحج وعمرة، وإنما يقاس صلاح المرء بصموده أمام إغراءات السلطة والمال وترفعه عن كل ما يطعن في نزاهته وذمته وتنزهه عن إيذاء أي مخلوق من أجل الوصول إلى شهواته المبتغاة.

 

وإذا كان التكافل الاجتماعي والتعاضد بين الناس أمرًا محمودًا ومباركًا في أزمنة الرخاء والبحبوحة والأمن، فإن ثواب حمده وبركته يصبح أضعافًا مضاعفة في أزمنة المِحَنِ والفِتَن والخوفِ والبلاء والغلاء والأوبئة. اللهم ارزقنا قلوبًا رحيمةً ونفوسًا رؤوفةً تشعر مع الآخرين وترفق بهم وتتعاطف مع معاناتهم، واجعلنا وسائط لإسعاد الآخرين ونفعهم، واسبغ علينا من جزيل عطايا محبتك وسترك وعفوك.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة