التعلم عن بعد في قطر.. تجربةٌ رائدة

blogs تعليم

رُبَّ ضارَّةٍ نافعةٍ.. قدْ يَعتقدُ البعض أنّ الأزمات تُعيق التقدّم صوبَ النجاح. فعلى العكس، إنَ أضخم النجاحات لا تخرج إلاَّ من رحم المعاناة. لقد عرفت دولة قطر نهضة حضارية اقتصادية، إذ لا نبالغ إنْ قلنا إنَها غير مسبوقة، فواقع الحال يؤكّد ذلك. سيما بعد الظروف السياسية الأخيرة التي عاشتها الدولةُ ومعها الشعب، مما أكسبها مناعة ضد تقلبات الوقائع والأحوال، فانعكس ذلك على الصيغ التدبيرية والخطط الاستراتيجية التي تنهجها الدولة في مواجهة الأزمات والتغلب عليها.

ولعلَّ التجربة الرائدة في التعلم عن بعد، في ظل انتشار فايروس كورونا كوفيد-19، تشهد على نهضة الدولة. وهي التجربة التي اعتمدتها وزارة التعليم والتعليم العالي بتاريخ 29 مارس 2020، باعتبارها إحدى السبل الرامية إلى استمرار الحياة التعليمية من جهة، ضمن خطة الاحتياطات اللازمة للحد من انتشار الفايروس في البلاد ومكافحته. ومن جهة ثانية للتأكيد على قوة النموذج التنموي الناجح، في تدبير الدولة للأزمات. فلم تكن التجربة وليدة لحظة، بل هي تراكم تجارب عديدة، تسعى الدولة من خلالها إلى تحقيق أسمى مراتب التقدم في مجال التعليم. فوزارة التعليم كانت تساير التقدم العالمي قبل تفشي فايروس كورونا، باعتماد منصة تعليم إلكترونية (LMS)، تتيح للطلاب والمعلمين معا، تفعيل الأدوات الإلكترونية المتاحة من أجل التواصل الآني المتزامن، وتبادل الأسئلة والأجوبة عبر البوابة نفسها.

بالإضافة إلى متابعة الدروس عن بعد، التي يعقبها حل الواجبات والاختبارات وفتح المناقشات، وتتيح للطالب تتبع الخطط اليومية للدروس وغيرها من الإمكانات المتوفرة. فهذه المنصة الإلكترونية مَثَّلَتْ بيئة تعليمية تلقَّى من خلالها الطلابُ والمعلمون تدريبا عمليا حول كيفية التعامل مع منصات التعلم عن بعد، واكتسبوا فيها آليات العمل التواصلية. فلم تواجه الوزارة بذلك صعوبة في الانتقال إلى منصة مايكروسفت العالمية Teams، في إطار الشراكة التي تعقدها هذه الشركة العالمية مع معظم وزارات التعليم في دول العالم. باستثناء بعض المشاكل التقنية الواردة في جميع مجالات التكنولوجيا.

تدل المؤشرات الإحصائية من خلال منصة التعلم Teams على أن نسبة تفاعل الطلاب واستجاباتهم للمحتويات التعليمية والتطبيقية والتقييمية التي تقدم لهم، قد وصلت نسبا عالية بلغت المئة بالمئة أحيانا

هذه النقلة النوعية في التعلم عن بعد، وجدت أرضية خصبة في جميع مكونات المنظومة التربوية بدولة قطر، من بنيات تحتية ومؤهلات بشرية تلاحمت تحت سقف واحد لخدمة الدولة والنهوض بها؛ خصوصا في الظروف الراهنة التي يشهدها العالم بأسْره. وحيث إنَّ التجديد والتنقيح والتعديل والتصويب والتخطيط الاستراتيجي، كلها عمليات تربوية تمثل مؤشرا من مؤشرات التقدم في وزارة التعليم، فقد تم الاشتغال على إعادة جدولة الدروس المتبقية في جميع المواد وفي جميع المستويات، بشكل ينسجم مع الفترة الزمنية المتبقية من الموسم الدراسي، وبتخطيط يراعي الظروف الراهنة في زمن انتشار فايروس كورونا. فتجنَّد لذلك مجموعة من الأطر التربوية والإدارية في جميع التخصصات، والتأموا في فرق إنتاجية من معلمين وموجهين وأطر وزارية، لإنتاج محتويات تعليمية ودروس مصورة بجودة عالية، وتقنيات مبتكرة في زمن قياسي، توافق الجداول الدراسية والخطط الفصلية الجديدة التي اعتمدتها الوزارة في جميع المستويات، وتخضع لمراقبة ومتابعة دائمَتيْنِ قَبْل الإنتاجِ وبَعده، من طرف متخصصين أكاديميين وتقنيين، باعتبارها أساسَ التواصل الدائم بين المعلم وطلابه؛ حيث يتم بثها على مجموعة من القنوات التلفزية الرسمية للدولة، وعلى قناة يوتيوب الخاصة بوزارة التعليم.

عرفت هذا التجربة الرائدة والتي تمتد من 29مارس 2020 إلى غاية 7مايو 2020 لمدة سبعة أسابيع، تفاعلا مطلقا من قِبل مختلف الفاعلين في عملية التعلم عن بعد؛ حيث أنشأت المدارسُ صفوفا افتراضية، يُشرف فيها كل معلم على صفه، فيقدِّم لطلابه المحتويات التعليمية وفق الجداول الدراسية المقترحة من طرف الوزارة، ويتابع حل الطلاب للواجبات ويقدم لهم التوجيهات والنصائح الضرورية، ويشرح لهم بعض الدروس من خلال مواد إثرائية أو لقاءات تزامنية تفاعلية بينه وبين طلابه، كما يسهر على تصحيح التقييمات الأسبوعية وإرجاعها لطلابه في إطار تقديم تغذية راجعة، تساعدهم على تجاوز تعثراتهم، وعلى بناء تعلمات ذاتية مستقبلية بالشكل المطلوب. ويعمل المعلمون كذلك على التواصل المستمر مع أولياء الأمور لتبادل الأدوار في حث الطلاب على الجد والاجتهاد لإنجاح هذه المرحلة.

وتدل المؤشرات الإحصائية من خلال منصة التعلم Teams على أن نسبة تفاعل الطلاب واستجاباتهم للمحتويات التعليمية والتطبيقية والتقييمية التي تقدم لهم، قد وصلت نسبا عالية بلغت المئة بالمئة أحيانا. وهذا أكبر دليل على تكاثف جهود الجميع، وعلى ريادة التجربة وتقدمها، سواء تعلق الأمر بالتعلم عن بعد في واقع إلكتروني افتراضي، أو بالتعلم الحضوري في واقع مدرسي حقيقي.

ومحاكاة لهذا الواقع التعليمي الحضوري، فقد عملت الوزارة على مواصلة نهج المتابعة والإشراف والتوجيه في التعلم عن بعد، باعتباره ركيزة من الركائز التي تعتمدها الوزارة لضمان سيرورة النجاح المتواصل. فالصفوف الافتراضية تشهد متابعة يومية من قبل منسقي المواد والنواب الأكاديميين، الذين يقدمون الدعم التربوي والمعنوي للطلاب والمعلمين، ويحثونهم على التفاعل المستمر، ويسهرون على السير العادي لهذه الصفوف الافتراضية، من خلال إعداد التقارير الأسبوعية وتحديث نسب التفاعل ورصد الغياب وغيرها من عمليات المتابعة والإشراف. إلى جانب الأدوار الإدارية الأخرى للمدرسة، والمتمثلة في التواصل المستمر مع أولياء الأمور برسائل نصية، تخبرهم فيها بمستويات تقدم أبنائهم، ومدى تفاعلهم مع معلميهم في مختلف المواد. أو من خلال نشرات إخبارية أو فيديوهات توعوية بهذا المولود الجديد؛ الجديد في حلته القديم في مضمونه، أملا في تحقيق نتائج مرضية تخدم هذه التجربة الفريدة.

كما أن موجهي المواد يواصلون أعمالهم التوجيهية والتأطيرية؛ حيث يشرفون على عملية التأطير عن بعد، لمتابعة أعمال المعلمين والطلاب وجميع الفاعلين في الصفوف الافتراضية، سواء من داخلها أو عبر التواصل المباشر مع المعلمين والمنسقين، وأحيانا مع الطلاب إن اقتضت الحاجة ذلك. دون أن ننسى ما تبذله الوزارةُ في تقديم الدعم الفني للمشاكل التقنية التي تواجه الطلاب والمعلمين داخل المنصة، بتدخلات منسقي المشاريع الإلكترونية في مدارسهم، وكذا بتوجيهات أطر الدعم الفني بالوزارة. كل هذا الخلايا التربوية تعمل كجسم واحد في نسق متكامل، كل يعمل من منصبه ويقوم بدوره، ليجد بجانبه من يكمل السير ويواصل المسير، من أجل إنجاح هذه التجربة والرقي بالمستوى التعليمي بدولة قطر.

ومما يشهد على هذه ريادة التجربة، فتح الوزارة قناة التواصل بين المدارس ومجالس الأمناء وأولياء الأمور، لتزويد الطلاب الذين لا يتوفرون على أجهزة لمتابعة الدروس عن بعد، بحواسيب محمولة تساعدهم على التواصل مع مدرسيهم وحل الواجبات والتقييمات المطلوبة منهم. وهو نظام اعتمدته الوزارة من أجل إعطاء قيمة تعلمية لمكتسبات الطلاب، باعتماد واجبات يومية لكل درس، وتقييمات أسبوعية إلكترونية لمجموع الدروس التي تم اكتسابها خلال الأسبوع، والتي تُعدُّ جزءًا من متطلبات درجة نهاية الفصل الدراسي الثاني. وإن كانت التجربة تُعتبر جديدةً بالنسبة لبعض أولياء الأمور، خصوصا في المستويات الأولى من المرحلة الابتدائية، فإنَّنا وقَفْنا على حسٍّ وطني لدى معظم الأمهات والآباء في إنجاح التجربة وتحقيق أهدافها؛ حيث حرص أولياء الأمور على متابعة أبنائهم في مختلف المواد، وأظهروا تفاعلات مميزة في التواصل مع المعلمين والمعلمات وطرح الأسئلة والاستفسارات الضرورية لاستكمال تعلمات أبنائهم، فصارت التجربة حقيقة تعليمية ناجحة، أظهرت نجاعتها من خلال تحقيق استمرارية للحياة التعليمية رغم الظروف التي تمر منها البلاد.

حقيقة، إنها تجربة رائدة تعكس الرؤية الوطنية التي تبنتها دولة قطر، سواء في مواصلة التقدم الحضاري الذي بدأته، أو في مواجهة الأزمات وتدبير ها على الأصعدة والمجالات جميعها. وتجربة التعلم عن بعد هذه، هي واحدة من التجارب الرائدة التي نجحت فيها قطر في الفترة الحالية وفي الظرف الراهن. فهي تعكس الروحَ الوطنية والإنسانية لجميع الفاعلين في المنظومة التربوية، سعيا منهم إلى تجاوز هذه المرحلة بتحقيق أفضل النتائج، ورسم رؤية تربوية جديدة للتعليم بدولة قطر. فمن المؤكّد، وبعد نجاح التجربة، فإن الدولة من خلال وزارة التعليم، ستدرس مستقبلا إمكانية اعتماد نظام التعلم عن بعد كجزء من المتطلبات الدراسية إلى جانب الحضور الصفي، بعد انفراج أزمة كورونا. ففِعلا، رُبَّ ضارّة نافعة.