عن رواية أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة لستيفان زفايغ

blogs رواية أربع وعشرون ساعة من حياة إمرأة

حاول ستيفان زفايغ عبر روايته أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة معالجة عدة مواضيع تهم الإنسان عموما، والمرأة خصوصا، ذلك أن هذا الكاتب النمساوي يختار مواضيع بسيطة ذات حمولة رمزية لمعالجة قضايا كبرى، قضايا تخص الإنسان ومصيره المحفوف بالغموض، وعبر روايته هذه يناقش زفايغ مسألة أن يقامر المرء بحياته من أجل شيء ما، هذه المقامرة غالبا ما تنتهي بالخيبة والمرارة، ونشر زفايغ هذه الرواية سنة 1927، ونقلها الأسعد بن حسين إلى اللغة العربية، عن دار النشر مسكيلياني للنشر والتوزيع.

 

الرواية عبارة عن سر احتفظت به أرملة لأكثر من عشرين سنة، قبل أن تكشفه لشاب وثقت فيه، ومدة هذا السر هي أربع وعشرون ساعة، هذه المرأة ظلت وفية لزوجها حتى بعد أن مات، لكنها تورطت في لقاء حميمي مع شاب دون أن تدري كيف حدث ذلك، أنقذته من الانتحار بداية، بعد أن فقد كل ماله في كازينو للعب، من هناك خرج دون أن تكون له وجهة محددة، واندفعت نحوه مكرهة، لكي تنقذه، وهو التي اعتقد أنها مومس تريد مرافقته، لكنها كانت تريد إنقاذه وإعادته إلى أهله، وحصل أن رافقته إلى فندق بسيط، من أجل إيوائه، لكنها دون أن تدري دخلت معه.

 

بعد أن استفاقت من سباتها أدركت بشاعة فعلتها، فخرجت مسرعة بعد أن ضربت موعدا معه، لتزوده بكل ما يحتاجه من نقود ليعود إلى أهله، ولعل لقاءهما كان مفعما بالحياة والبهجة، حيث اتجها إلى كنيسة ليعدها فيها أنه لن يذهب إلى الكازينو مجددا، وعبر نزهتهما هاته، تورطت في حبه، رغم أنها كانت تقترب من وداعه، هذا الوداع لم يكتمل بعد أن خان وعده وتركها في محطة القطار، بعد أن قررا أن يلتقيا فيها قبل المغادرة، ولكن تورطها فيه، دفعها لكي تقرر مرافقته، لكنها تأخرت عن القطار، معتقدة أنه تركها بعد أن وهبته الحياة والان صارت متيمة به، لقد أحزنها ذلك فعلا، وقررت أن تتجه إلى الكازينو الذي رأته فيه، وصدمت لما رأته يعود إلى عادته، بعد أن خان وعده، وسيخسر هذه المرأة التي كانت مستعدة أن تهبه كل شيء، سيخسرها بعد أن أهانها هناك، لا لشيء إلا لأنها لم تتركه يلعب، لقد أهانها بشكل مثير للشفقة، وها هي تبتعد عنه إلى الأبد، بعد أن قامرت وغامرت بحياتها من أجله.

 

ناقش زفايغ عبر الرواية مسألة القمار، والتي يصير الإدمان عليها خارجا عن إرادتنا، حيث وصف بالتدقيق طاولات الكازينو، وما يحيط بها من لاعبين، وركز على أياديهم التي تكون أهميتها بما كان خلال أطوار اللعب

لقد ندمت على كل شيء، وتمنت لو تركته يموت، لكنه سيموت بعد ذلك، سينتحر، وستكتشف ذلك بالصدفة، هذا الخبر سيريحها، لأنها لم تكن تريد لقاءه مجددا ولو من باب الصدفة، كما أن هذا السر الذي كشفته سيريحها أكثر بعد ان احتفظت به لنفسها لعقدين من الزمن، لقد أفصحت عنه للشخص الذي اعتقدت أنه يليق بهذا الموقف، وهو شخص تعرفت عليه في الفندق الذي كانت فيه رفقة أشخاص آخرين، وهو الشخص الذي كان له موقف خاص تجاه المرأة التي تركت زوجها في الفندق لتذهب مع آخر بالكاد قد حضر إلى الفندق، ونظرا لدفاعه عن هذه المرأة التي اختارت قرارها بإرادتها بعد نقاش بينه وبين الأرملة، تأكدت أنه الشخص الذي يستحق أن يكتشف سرها ذاك.

 

حاول زفايغ تسليط الضوء على طبيعة المرأة عبر روايته هاته، معتبرا أن المرأة يمكن أن تكون في أي لحظة من لحظات حياتها فريسة لقوى غريبة أقوى من إرادتها ومن ذكائها، وتمت مناقشة هذا الموضوع بعد القضية التي أثارتها زوجة أحدهم بعد اختفائها، ومرد هذا الاختفاء أنها رافقت أحدهم قد حضر لتوه إلى هذا الفندق، وكتب زفايغ يقول: "أعتقد أن امرأة تتبع غريزتها بحرية وشغف أشرف، من تلك التي تختار -كما جرت العادة- أن تخون زوجها عبر إغماض عينيها وهي بين أحضانه". وبعد نقاش بين العجوز الإنجليزية والراوي، توصلوا إلى أن كل حكم أخلاقي يصير دون قيمة، وكل انتهاك للقانون والأعراف يجد مبررا له، كما تم الاستدلال بما يعتبره الفرنسيين بأن جرائم الحب ليست جرائم، وانطلاقا من ذلك لن تكون هناك حاجة إلى المحاكم، ولا يحتاج المرء إلى الكثير من الإرادة الطيبة كي نكتشف في كل جريمة حبا، وبفضل هذا الحب عذرا. وظل الراوي مستميتا في الدفاع عن هنريت التي تركت زوجها في الفندق، معتبرا أنها ذهبت خلف إرادتها بشجاعة، رغم أنها قد تكون تصرفت بغباء.

 

عبر هذا النقاش وجدت العجوز في الراوي أو في الغريب كما كانت تراه ملاذا لكي تكشف عن سرها الذي اعتبرته بمثابة النقطة التي صارت معها حياتها أمرا لا يحتمل، وكتب زفايغ عبر لسان العجوز يقول: "لكن المرء لا يمكنه أن يفلت مما نسميه، وبعبارة مبهمة جدا: الضمير". وظلت بذلك تشعر بالإدانة تجاه نفسها، ولما تعرفت على هذا الغريب قررت أن تضع حدا لهذا الشعور اللامعقول، والذي يعيدها دائما إلى الماضي. هناك في مونت كارلو حدث ما حدث، هناك حيث تتسارع دوامة الحياة، وهناك في أحد الكازينوهات، والذي كانت تلوذ إليه باعتباره متنفسا لها وهي تشتهي رؤية أمواج من السعادة والخيبة وهي ترتسم على وجوه الآخرين، واختارت أن تظل وفية لزوجها عبر ارتياد الأماكن التي يرتادها، في هذا الكازينو انطلقت الساعات الأربع والعشرين التي عكرت مستقبلها لسنوات.

 

ناقش زفايغ عبر الرواية مسألة القمار، والتي يصير الإدمان عليها خارجا عن إرادتنا، حيث وصف بالتدقيق طاولات الكازينو، وما يحيط بها من لاعبين، وركز على أياديهم التي تكون أهميتها بما كان خلال أطوار اللعب، وملامح اللاعبين التي تتبدل بناء على ما يحصل على الطاولة، وكتب يقول: "مئات من الطباع كانت تتكشف هكذا بلمح البصر، في الحركة التي يقوم بها الواحد من أجل أخذ المال". وأضاف عبر لسان العجوز: "القمار يكشف المرء، إنه كلمة سوقية، ويد الإنسان أثناء اللعب هي مرآته التي تظهره بوضوح أكبر. لأن كل مدمني ألعاب الحظ أو جلهم قد تعلموا خلال وقت قصير كيف يتحكمون في تعابير وجوههم… إنهم يغيبون انفعالاتهم بين أسنانهم المصطكة، ويسرقون من أعينهم انعكاس اضطرابهم، ويمنحون وجوههم مظهرا أملس لا تصلب فيه، كاشفين بذلك عن لامبالاة مصطنعة ومتقنعين بقناع الرشاقة". لكن القمار ليس سوى رمز في الرواية، فأن يقامر المرء بحياته من أجل شيء، فذلك لن يجني منه إلا المرارة والخيبة، وهو ما حدث للسيدة الإنجليزية لما قامرت بحياتها من أجل ذلك الغريب، فلم تجني غير الألم.

 

هناك في الكازينو أثارها شاب يخسر متجها إلى حتفه، ولأنها كانت تتأمله بإعجاب مبالغ فيه، وبنظرة مليئة بالشفقة، قررت اللحاق به لتنقذه من الضياع الذي لم يجد بدا من السير نحوه، إنه كان يندفع مباشرة إلى العدم، لم يتبقى له في هذه الخسارة إلى الاتجاه خارج الحياة، ولعل الرهان في الكازينو يتعدى مجرد الربح والخسارة، ولهذا قامت بتصرف غريزي نحوه، وعبر العجوز كتب زفايغ يقول: "وإلا فكيف نفسر ما يقدم عليه أشخاص لا يجيدون السباحة، عندما يقفزون من فوق جسر لإنقاذ إنسان يغرق؟ إنما هي ببساطة، قوة سحرية تقودهم، وإرادة تدفعهم إلى رمي أنفسهم في الماء، قبل أن يجدوا الوقت للتفكير في المجازفة التي أقدموا عليها".

 

لقد تألمت السيدة الإنجليزية وهي تتحدث عن مرارة الخيبة التي تركها فيها ذلك الرجل الذي أنقذته من ضياع أبدي، وما جعلها تتألم هو أن هذا الرجل رحل طائعا دون أي محاولة للتشبث بها، أو البقاء بجانبها، ولم يتردد في الانصراف لما طلبت منه ذلك، ولم يشعرها بأنها امرأة، وقد كانت مستعدة لتهبه كل شيء دون أن تكترث لأي شيء، لقد حصل هذا الشعور لها في المحطة، بعد عزمت أن ترافقه دون تردد، فكانت خيبتها أن وجدت القطار قد ذهب، وستزداد خيبتها عندما ستجد هذا الرجل قد عاد إلى عادته دون اكتراث لوعوده ودون احترام لمواعيده، وها هي تصف مرارتها ويأسها أمام شعور "ألا تكون في نظر إنسان منحته كل حياتك، أكثر من ذبابة تهشها يد كسلى بضجر".

 

بعد أن مضت أربع وعشرون على بداية التعرف عليه، وقد شعرت بألم كبير في اللحظة التي أهانها أمام الحاضرين، أدركت بأن كل ألم جبان إذ يتراجع أمام قوة إرادة الحياة الراسخة في لحمنا بشدة، أكثر من أي رغبة في الموت تسيطر على تفكيرنا. منذ تلك اللحظة لم تفكر في شيء آخر غير الرحيل. وستتعافى من هذه الصدمة بعد أن تكتشف أن ذلك الرجل قد انتحر، وبذلك تأكدت من أنه لم يعد هناك شاهد ضدها. وكتب زفايغ يقول: "فأن يهرم المرء ليس -في الحقيقة- سوى أن يتوقف عن الخوف من ماضيه". ولما رأت بأن هذا الغريب يساند بشغف فكرة أن أربع وعشرون ساعة قادرة على تغيير حياة امرأة كليا، شعرت أنها معنية بذلك، ولذلك قالت "لعل العبء الثقيل والهوس الأبدي بالماضي، يزولان بتحرير روحي عبر الاعتراف".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة