كورونا المستجد.. نحو تحول مفاهيمي سيغير وجه العالم؟

بات من الواضح للعيان اليوم، بعد مرور عدة أشهر على بداية أزمة كورونا، بأن هذه الجائحة تمثل حدثا سيغير مجرى التاريخ. فالعالم الذي نعرفه ما قبل كورونا لن يشبه إلى حد بعيد العالم الذي سيتشكل كنتيجة مباشرة وغير مباشرة لهذه الأزمة. هذا ما دأب على تأكيده معظم الباحثين والمفكرين ورجال السياسة والاقتصاد والاجتماع في كل أصقاع المعمورة.

 

وفي الحقيقة، لطالما كان تغيير النظرة العامة بخصوص نظام معين وظهور الخطاب الناقد والنقاش الجريء إلى العلن هو الفتيل الذي يؤدي في النهاية وبشكل حتمي إلى إحداث التغيير… وهذا ما نلحظه جليا اليوم! سنسلط في هذا المقال الضوء على مجموعة من النقاط التي كشفتها أزمة كورزنا والتي تشير إلى اتجاه العالم إلى تحول مفاهيمي واسع النطاق على كافة المستويات والاصعدة.

 

الكثير من الأشياء الممكنة!

أظهرت أزمة كورونا جليا بأن ما كان مستحيل الحدوث، بل قل مستحيل التصور بالنسبة لمعظم البشر في الأمس، قد أصبح واقعا ملموسا بعد الأزمة. فمن جهة أثبتت الجائحة وبالدليل القاطع بأن الاقتصاد العالمي، الذي كان يقال لنا سابقا بأن عجلته لا يمكن أن يتم إبطاها أو حتى إعادة توجيهها إطلاقا، قد توقف فعليا في أجزاء مهمة منه وبشكل متزامن في معظم أصقاع الكرة الأرضية ولمدة ليست بالقصيرة بالمفهوم الاقتصادي والمالي حيث تحسب العائدات هناك بالثواني والدقائق لا بالأيام والأسابيع. من جهة أخرى يرى مجموعة من الكتاب في مقالة نشرتها اللوموند الفرنسية بان أزمة كورونا قد أظهرت فعليا قدرة المجتمعات على الاستجابة والتحول بشكل جذري وسريع للغاية، وأن كل ما ينقص لإحداث مثل هذا التغير هو وجود إرادة سياسية واستجابة جماهيرية[1].

  

  

معاناة الطبيعة من توحش البشر

قدمت أزمة كورونا دليلا عمليا ملموسا لم يسبق له مثيل على مدى الضغط الذي تواجهه الطبيعة على سطح كوكبنا وفي أعماقه من جراء التوحش والإفساد البشري. فبعد أن أجبرت الأزمة اقتصاد الغازات الدفيئة وعوادم المصانع والسيارات على أن يتوقف مرغما لفترة من الزمن، بات من الممكن رؤية الدلافين تمرح من جديد في سردينيا، وأصبح قنوات الماء في البندقية أكثر صفاء بعد أن انقطعت عنها السياحة الجماعية المفرطة. هذه الآثار الواضحة تظهر جليا الأثر الكارثي للنموذج الاقتصادي العالمي على كوكبنا، لكنها تبعث الأمل والتفاؤل بأن الوقت لم يفت بعد على إعادة التفكير ومراجعة حساباتنا مع الطبيعة التي ظلمت كثيرا، خاصة خلال العقود الماضية. ومن الجدير بالملاحظة في هذا السياق، بان أزمة كورونا أظهرت قوة وقدرة الدول على فرض تدابير صارمة وسريعة وفعالة في أوقات الأزمات، فلماذا لا يتم فرض مثل هذه التدابير لحماية البيئة من مزيد من التدهور؟ ربما لان أثار أزمة كورزنا منظورة وآنية، بينما الآثار الكارثية على البيئة تبدو بعيدة وغير منظورة!

 

أهمية الخدمات العامة وكارثية سياسات التقشف

لعل من أهم النقاط التي اثارات انتباه العالم خلال فترة انتشار وباء كورونا المستجد هو ما يتعلق بدور الدولة في تنظيم وإدارة وحماية مواطنيها. فخلال عقود من سيطرة النظام الرأسمالي ومشتقاته السياسية والمالية والاقتصادية على مفاصل عالمنا، بدت الدولة كأنها لاعب يمكن الاستغناء بشكل كبير عن خدماته، أو على الأقل تقييدها في حدودها الدنيا، بينما يقوم اقتصاد السوق الحر بإنجاز كل ما هو مطلوب لخدمة ورفاهية المواطنين.

 

هذه النظرية هي التي أنتجت سياسات الخصخصة المفرطة ونقل قطاعات حيوية وهامة من إدارة الدولة إلى القطاع الخاص وتحويلها بالتالي إلى قطاعات ربحية هدفها النهائي هو المال، لا تحقيق المصلحة العامة. أما بالنسبة لبعض القطاعات التي لا زالت تحت سيطرة الدول فقد طالتها وانهكتها سياسات التقشف الحكومي والتي هي في الحقيقة إحدى المفرزات الناتجة عن النظام الاقتصادي السائد اليوم.

 

إن من أهم الدروس التي تم استخلاصها من أزمة كورونا، وفقا للسيد أريك لامبين، الأستاذ في جامعة ستانفورد، هو أن الدول التي تبنت نظاما رأسماليا غير منظم بشكل كبير هي نفس الدول التي أظهرت أقل قدرة على إدارة أزمة كوفيد 19. لقد أظهرت الأزمة فعليا بان النظام الرأسمالي "المتوحش" الذي يسيطر على مناحي حياتنا ويزيد الفوارق الطبقية بلا رحمة في أوقات الرخاء، لا يشكل بحال من الأحوال بديلا فعالا عن الاستجابة القائمة على التضامن الجماعي والتي تنظمها السلطات العامة في كل دولة.

 

وبذلك أعادت الأزمة التأكيد وبصوت مرتفع على أهمية الدور الذي تلعبه الخدمات العامة للدول في تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين، وبأن ميكانيكيات السوق الحر التي يقوم عليها النظام الرأسمالي لا يمكنها، وفقا لعالمة الاجتماع الفرنسية ايفا ايلوز، أن تنسق أي أزمة ولا تستطيع إدارة الأزمات الاجتماعية، وبأنها في الواقع مصدر انقسامات اجتماعية كبرى. فهل تدفع الأزمة باتجاه إعادة التفكير مليا في سياسات التقشف الحكومي وآثارها الكارثية على المجتمع وعلى كفاءة الخدمات العامة؟

 

  

أزمة كورونا.. جشع الشركات وانعدام العدالة الاجتماعية

من الأشياء، المعروفة سابقا، والتي أظهرتها أزمة كورزنا بوضوح هي جشع كبريات الشركات وانعدام أي حس للمسؤولية الاجتماعية الحقيقية في إداراتها. فلم تكد تمض عدة أسابيع على نشوب الأزمة، التي تضرر منها الجميع، إلا وبدأت الكثير من كبريات الشركات، والتي كانت فقط قبل الأزمة بقليل تحقق أرباحا خيالية، بدأت بتسريح عمالها بشكل نهائي أو مؤقت من أجل وضعهم على عاتق صندوق التأمينات الاجتماعية خلال فترة الأزمة. زد على ذلك تعالي أصوات هذه الشركات طلبا لأموال الإنقاذ الحكومية لحمايتها من الإفلاس، وبالطبع فان الحكومات ليس لديها الكثير من الخيارات، لذلك فإن الكثير من طلبات هذه الشركات يتم الاستجابة لها و"انقاذها" من أموال الخزائن العامة للدول.

 

يتم كل هذا في الوقت الذي يعلم فيه الجميع بان سرعة تأثر مثل هذه الشركات الكبيرة التي تحصي أرباحا فلكية كل عام، إنما يعود بشكل أساسي إلى كرمها الزائد في ادخال الأموال إلى جيوب كبار مساهميها فيما يعرف بإعادة شراء الأسهم، وترك الشركة ككيان معنوي بدون احتياطي استراتيجي من السيولة يمكنها من تخطي الأزمات. أما في المقابل فان الطبقات المتوسطة والفقيرة هي التي تتحمل الفاتورة الأكبر للازمات تحت شعار "التضامن". فهل تدفع الأزمة نحو إطلاق مساءلة مجتمعية عن هذا الجشع الذي يتم غالبا تحت غطاء القانون؟

  

أزمة كورونا ومراجعات في العمق

لقد دفعت أزمة كورونا وما رافقها من شلل اقتصادي مفاجئ ومن أرقام مرعبة لأعداد الضحايا الذي تكدسوا في المستشفيات وشاحنات التبريد في دول توصف ببلاد العالم الأول، إلى ظهور مراجعات فكرية عميقة وموجة كبيرة من النقد الذاتي خاصة في العالم الغربي. يصرح الأستاذ برنادر دلفو، أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوفان البلجيكية، في مقال نشرته صحيفة لاليبر: لقد دفعت هذه الأزمة إلى إعادة التفكير في معنى حياتنا، ماذا فعلنا، وماذا كان بإمكاننا أن نفعل، وماذا يتوجب علينا ان نفعل في الوقت المتبقي لنا في هذه الحياة؟[2]

  

  

أضف إلى ذلك بأن كثيرا من القيم والافكار التي كانت سائدة في المجتمعات الغربية قبل الأزمة باتت اليوم في موضع التساؤل والنقد. فعلى سبيل المثال، تبعا لمقال نشرته اللوموند الفرنسية لعالمة الاجتماع ناتالي هينيش، لم يعد كل شخص هو "الالفا والاوميغا" بالنسبة لحياته الخاصة، بل عادت إلى الحياة مجددا فكرة وجود مصلحة عامة أكثر قيمة واهمية من المصلحة الانانية للأفراد.[3]

 

أما على الساحة السياسية وفي العلاقات الدولية، فقد أظهرت الأزمة الحاجة الماسة للتعاون والتنسيق العابر للحدود والايديولوجيات. كما وضعت الأزمة على المحك مصير تكتلات سياسية واقتصادية كبرى كالاتحاد الأوروبي الذي يخوض اليوم امتحانا وجوديا لم يسبق له أن تعرض لمثله منذ إرساء اسسه الأولى بعد اتفاقية روما عام 1957.

 

ما بعد كورونا.. نحو انطلاقة جديدة

يكاد يجمع الجميع حول العالم بان أزمة كورونا ستغير العالم، وان ما بعد الأزمة سيمثل انطلاقة جديدة لهدا العالم. فالأزمات الكبيرة تشكل غالبا منطلقا لحياة جديدة وسلوكيات واخلاق إنسانية جديدة. فبينما ينتظر الكثيرون انتهاء أزمة كورونا بفارغ الصبر من اجل العودة إلى ما يحلو لهم تسميتها ب"الحياة الطبيعية"، يرى آخرون، ومن بينهم الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي برونو لاتور، بأنه طالما أن كل شيء توقف بالفعل فان وقت الجرد قد حان ولا بد من إعادة الحسابات قبل أي عودة لما كنا عليه سابقا[4]. 



حول هذه القصة

زمنٌ جللْ، زمنُ العِلل، زمنٌ صارَ فيه الشارعُ مملكة، وزمنٌ صارَ فيه المشي ترفاً، زمنٌ فقدنا فيه المساجد، زمنٌ فقدنا فيه التوسّل لرحمةٍ منجيّة، زمنٌ أُسمّيه أحياناً بالزمنِ اللغز.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة