امتحان كورونا.. التضامن الإنساني زمن الجائحة

بقيت أساليب العيش المبتكرة والموروثة محل رهان ظرفي وزماني بسبب الأزمات المتتالية على البشرية، وإلى يومنا هذا ظل الإنسان يقدم ضحاياه قربانا من أجل أن تستمر الإنسانية في البحث عن مستقر، يحفظ لها قيم العيش والمصير المشترك، وكانت الطبيعة بوصفها نتاج تكوين قديم يحيط بعالمنا، تمتحن خبراتنا تجاهها وهي ترصد قوتنا إزاء التحديات التي تفرضها، محدثتا فراغات متسلسلة حول علاقة الإنسان بالطبيعة وضرورة الحفاظ على الحياة البشرية، وإذا كان مصير الخلق مرهون بالتخلّص من عقدة الإندثار التي يحملها لنا الموت كل لحظة، فإنّ البعض ممن آثروا العيش البسيط بدل التكلّف كما يراه المتنعمون ضرورة، لا تهمهم "حوادث الدهر" بقدر ما تشغلهم مراتب الحسنى التي يطلبونها بالرضى، ولولا الملمّات ونوائب السنين وعواقب الخلق المختلفة، لأفشى الزمان أسراره فما أبقى لأحد منا خليلا ولما اجتبى للبعض منا صديقا.

وحال قلب الإنسان عند نزول مصاب به، كأرض تستغيث لماء طيب يصيبها وقومها اليائسون من رحمات السّماء، فلما أُمطروا وفاضت الأرض عن ميزانها واقتدرت السّماء بقطرها، تباكى الناس وفزعوا من هول ما ساقته الرياح إليهم، وتناسوا أنّ "القسمة العادلة" لا يملكها إلا من أرسل الرياح لواقح لتثير سحابا مركوما؛ وهذا الإنسان آية الدهر الأبدية وصورة الله في كونه، ما كان له أن يبلغ درجات الثبات والتجلد لولا أنّ المحن والفتن تخيط صبره وتصقل خُلقه، كي يستعيرها الزمان منه للأجيال المتلاحقة وينتحتها في جبين الإنسانية، ولولا أنّنا نملك طبائع تخرق عزيمتنا مؤكدة جهلنا بحقيقة الأشياء ومآلاتها، لاهتدى الإنسان إلى سبيل الرشد من الحكمة في تسيير معاشه وأنشطته المتنوعة، غير أنّ طبيعة الإنسان التي ثقّفت علاقته بذاته ومحيطه تطفو بمجرد أن تصيب البشرية نوازل تعيب عليها توغل الإنسان الموحش تجاهها، كالكوارث والأوبئة المهددة للتواجد البشري، ولكن ثمة تهديدات من داخل المصفوفة البشرية ذاتها، حيث يصبح الإنسان العدو الأبدي للإنسان في وقت يتعرض له لجوائح تجتبي منه ما تشاء للموت، وسبب ذلك شعور الأمن/الخوف الذي يفرض البحث عن معنى الإنسانية كجوهر لكونية مشحونة بأخلاقها غير المستدامة، وسيرة البشرية ونضالها ضد الأوبئة مليئة بتسلّط أمراء الحروب والجوائح ما يشيب لها الولدان، وتنفطر لها السّماء من سوء ما اقترفه الإنسان تجاه "ضحايا الطبيعة" باستغلال مآسيهم ومحنهم، وما من حضارة إنسانية إلا شيّدت فوق مقابر غيرها صروحا بأسوار طينية وبنايات زجاحية، من دون أن تكترث أنظمتها المتسيّدة ضوابط الارتباط البشري بالمجموعة، فالقبلية والأمة والدولة والحدود المفتوحة "تاريخ أسطوري" للوحة بشرية تلونت بالصراعات والرغابات المتضاربة، فقصص الأوبئة والحروب كانت ومازلت تشكل قلقا لاستمرار الحياة الإنسانية.

وقفوهم إنّهم مَحجُورون.. مالكم لا تَسلمون؟!
بعد انتشار جائحة كورونا وتضارب حول ماهية فيروس المسبب لها، أعلن "المجتمع الغربي" عن خطط دولية لمحاسبة الصين، التي تحوم حولها الشكوك في استحداث فيروس كوفيد-19 وتماطلها في احتواء الكارثة الناجمة عن تسرب الفيروس المستجد من أحد مختباراتها

عندما تجتاح الأوبئة منطقة ما يؤمر الناس بالتفرق عن بعضهم البعض والتجرد من العلاقات الاجتماعية واللقاءات، حتى كادت تعرف أعوام الجوائح باسم "سنين الرماد" لما تخلفه نار الأوبئة من يتامى وأموات، وكان التداوي بالحجر والمكوث بالبيوت شرعة الأولين ممن خبروا الطاعون والجذام وسيء الأسقام، للحفاظ على تداول أموالهم وحياة أهليهم، من أجل ذلك يلتزم الإنسان بالحجر على نفسه في مكان ما ولمدة زمنية لا يعرف مقدارها، إلى تنجلي محنة الطبعية وينقضي قدر الله ويسير العهد إلى أوله، وبينما الناس موقوفين ومحصنين في بيوتهم وسرابيلهم مكتفين بما غنموه من صحة واقتدار في الأبدان زمن العافية، إذ تصيبهم ذائقة المكوث الطويل بين جدران ما ألفوا لونها الواحد زمنا، وأبناء انشغلوا عنهم بالسّعي خلف مشقة العمل، ومنهم من تخلّف عن صلة الأرحام وطواف الجيران حتى اعتذر له الوباء فأراه العلّة، وآخرون اكتفوا بصنائع قد مهروها سنينا وحرفا خبروا صبغتها، فأسلمتهم الجوائح إلى التقاعد وانتظار المتسابقين لفعل الخيرات، حتى بات التزامهم بالحجر الصحي سببا لدفع ضرر ما لا يملك الانسان القدرة على الاحاطة به.

غير أنّ الخوف من أن يسير الفقر والجوع إلى ركاب الناس وبيوتهم، وجهل الكثيرين ممن عمدوا على كسر قواعد حفظ الفرد والمجتمع من المرض، دفع الناس نحو الجزع إلى اقتناء ما لا يستدام صلاحه مخافة المنع ونفاذ ما يستهلكونه، وهم بذلك إنّما يظهرون "عجلة الكسب" التي تمنع الضعفاء وقليلي الحيلة من الوصول إلى ما يحتاجونه، فترى الناس مُقترين يتدافعون ما فاض عن حاجات حجرهم الصّحي، من سوء ما اعتقدوه أنّه التصرف الذي يدفع عنهم الوباء، حيث تقف السّلامة الاجتماعية متوسّلة الممارسات الفردية من تحرير رغابتها اللامتنهاية، وأن يكتفي العاقل بما يتشاركه مع المجموعة المتضررة للخروج الآمن من الوضع القائم، وأن يُلزم نفسه "قدرا كافيا" من المسؤولية الاخلاقية والتضامن الانساني تجاه ذاته ومجتمعه، وحجرها بحدود طارئة تنتقص من حركته وحريته، وبدل أن يفعّل الأفراد ثقافة "السّلامة المشتركة" لبعث تعددية صحية داخل المجتمعات، يصبح "الواقع الأخلاقي" المتراكم تاريخيا اللحظة المفصلية التي من خلالها يتقرر مصير المجتمع والمحجور عليهم، وعلى هذا تتأسس الاجراءات الشعبوية لتصير حجر عثرة من أجل تحقيق رعاية صحية آمنة للمجتمع، مفرزة نزعة استهلاكية جشعة تحجب الرؤية عن الحلول الوقائية، فالسلطة التي لا تحتكم إلى قرار يلزم المجتمع بالركون إلى فقه السّلامة العامة، تواجه مشكلة أخلاقية لوضع حد للمارسات الشعبوية الناجمة عنها، فقرارتها العشوائية المخالفة للمعايير الصحية الوقائية لم تكن سببا في تحجيم حرية الأفراد بقدر ما كان تلاعبها بمصير المجتمع موضع تساؤل أخلاقي وتاريخي، وهذا ما عملت عليه كثير من الدول العربية التي تألق اسمها في العبث، ولعل قلق الإنسانية من سطوة الأوبئة لا يضاهيه خوفها من سوء وهوس استغلال الإنسان للنوازل الطبيعية وعدم تقاسمه للمسؤولية الجماعية.

سحابة كورونا.. إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا

بعد انتشار جائحة كورونا وتضارب حول ماهية فيروس المسبب لها، أعلن "المجتمع الغربي" عن خطط دولية لمحاسبة الصين، التي تحوم حولها الشكوك في استحداث فيروس كوفيد-19 وتماطلها في احتواء الكارثة الناجمة عن تسرب الفيروس المستجد من أحد مختباراتها، رفضت الصين الاتهامات الغربية معتبرة إياها "تصدير الحكومات الغربية" عجزها تجاه الوباء، في وقت أرسلت الصين مساعدات إلى دول جنوب الاتحاد الأوروبي والعالم العربي، مدعومة بتقارير دولية لمنظمة الصحة العالمية عن كيفية احتواء الفيروس، وهي تدعوا العالم إلى مزيد من التعاون لتحقيق شراكات دولية لصد الوباء، فالإنسانية على خطوة من قرار سياسي يمكن أن تعتمده المنظومة الدولية لزيادة/تخفيف من معاناة الشعوب، ولولا سياسات الحجر الصحي التي تبنتها حكومات وشعوب عدة لكانت أعداد المصابين والموتى تفوق التقديرات الطبية، متجاوزة بذلك ذروة تفشي الوبـــاء، معززة فكرة الحصانة الاستباقية للمجتمع بالرغبة في الحياة، إلى جانب تكاتف دولي لرسم خطط استعجالية للصحة العالمية والبحث عن لقاح، فما أتاحه الوباء وهو يحصد الآلاف من الناس للعالم الإنساني ليست أرقام الخوف المتتالية لسلسلة العدوى، بقدر ما منح "التضامن الإنساني" أن يرسم الأمن العالمي بطريقة فاعلة تبدأ من صحة الفرد.

وإذا كان الصراع المحتدم بين القوى الكبرى حول تحميل النظام الصيني انتشار الوباء، إلى جانب تسابق محموم للوصول إلى لقاح فعال تعتريه الكثير من التحدياث الأخلاقية تجاه الأمن الصحي والنمو الاقتصادي، صراع تعيد القوى العالمية الكبرى "مفاهيم المسؤولية الأخلاقية" تعريفها وتطويعها تجاه الأزمات التي تحيط بالإنسانية، علينا أن نتذكر حادثة الممرضون البلغار الذين حقنوا أطفالا ليبيين دما ملوثا عام 1999، التي آلت إلى صندوق التعويضات المشترك بين الدول المعنية، ودفع منح "مالية سخية" لعائلات الضحايا بعد تسوية أحكام الاعدام المقضية في حق الممرضين، كان ذلك بقرار سياسي تجاوز "التضامن الإنساني" المؤسس للقانون الدولي الذي يعتبر انتهاك "حق الحياة والتملك" في حال افتعالها جرائم ضد الإنسانية، كما أنّ أهل الضحايا فقدوا الحيلة والقوة في رد شبهات "تسويات السياسة الدولية" على حساب حقوق الفرد الأساسية، وذلك بسبب استغلال نظام شمولي لها بغية عقد صفقات سياسية مع المجتمع الدولي، فلطالما قرع النظام العالمي طبول الحرب ضد ممن اعتبرهم "محور الشر العالمي" معلنا عن تفشي الإرهاب وتدني مستويات حقوق الإنسان بمجتمعه، بينما تتمادى آلة القتل الصهيونية في تجريد مئات الفلسطينين من حقهم التاريخي والإنساني، مجتمع لطالما افتخر بقوانينه المؤسساتية الرافضة لتقارير الخبراء والمراقبين التي تسجل قصف وكالات الإغاثة الإنسانية، وبدل أن يتكاتف العالم لمحو آثار الوباء والحروب المهلكة للنسل البشري، تتوجه أصابع الاتهام المتبادلة بين وصفاء الرأسمالية المتوحشة ومؤسساتها الامبريالية، للظفر بتعويضات بعدما تكبد اقتصادها خسائر فاذحة، ومثلما امتحنت الجائحة ارتباط الفرد بالمجتمع ومسؤوليته تجاهه، كان على العالم أن يثبت إلتزامه بإنسانيته لتجاوز الوباء بروح تضامنية تتجاوز التنمر الاستعماري.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة