المقامة الكورونية

blogs كورونا

حدثنا الشيخ الهمام، عن أبيه عن جده بدر التمام، قال:

كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، في العام الواحد وأربعين بعد الأربعمائة والألف من هجرة صاحب الدين الصحيح، الموافق العشرين بعد الألفين من ميلاد السيد المسيح، حيث كانت البشرية قد وصلت إلى مرحلة عظمى في العلم والبنيان، وأسست ما لم يأت في الخلد والحسبان، حتى صار هذا الزمن زمن الآلة لا الإنسان، وفوق مسرح الحياة استقر ذوو المال والسلطان، وامتلأ قاعه بمليارات الفقراء يقفزون كالفئران، فمنها القافز بحثا عن الطعام، ومنها الراضي بفتات الحكام.

 

وفي هذا الزمان علا شأن بني علمان، وصار لهم عسكرٌ وأتباع في كل الأوطان، وبدأ الجميع في هجمة شرسة على كل المقدسات، وكان للإسلام الحظ الأكبر من هذه الهجمات، حتى أصابت أسهمهم شبابه وفتياته فمنهم الضال والحيران، وكل من حاول الدفاع عنه اُتهم بالتخلف والرجعية والنقصان، وأُعلنت صفقة القرن وبيعت القدس، والعالم في صمت كأنهم جميعا خُرس، وعمّ البلاء وكثر الفساد وعلا صوت البهتان، واتُهم الإسلام بأنه لا يعرف سوى الحديث عن الطهارة كلما تم الحدثان، وأين هو ممن حقق الحضارة وصعد القمر وأحاط الأرض بالدوران؟

 

ولو دققوا لعلموا أن هذه ليست مشكلة الإسلام، الذي خاطب بقولة اقرأ كل الأقوام، ولكنها مشكلة أتباعه الذين هجروه، ونسوا تاريخهم وتجاهلوه، وكأنهم ما سمعوا وصايا العلم من لسان النبيّ، وما قرأوا تاريخ ابن الهيثم والبيرونيّ. وبينما الجميع في هذا التيه والأضاليل، وقد كثرت الفتن والأباطيل، وتجبرت دول تسمى بالأكابر، وسالت دماء كل من أطلق عليهم أصاغر، وانطلقت البشرية في غيها، وزخرفت الأرض وأخذت في تزينها، وظن أهلها أنهم قادرون، وفي كل أمورها متحكمون، إذا بجندي صغير قد غاب عن العيان، وانتقل في هدوء بين البلدان، فقلب الموازين، وساوى بين علية القوم والمساكين، فالجميع في ترقب وحذر، والكل يُنتظَر فيه نفاذ القدر.

 

ووسط هذه الأهوال انطلق الكل يردد أهمية الطهارة، مع البعد والمفارقة، وتعجب من هذه التعليمات المسلمون، وتذكروا وصية نبيهم إذا ظهر في بلد فلا تدخلوها ومنها لا تخرجون

ووقفت الدول عاجزة كأنها لا تملك معرفة ولا بيان، وسيطر الرعب على البشرية حد الجنان، وفر الجميع من بعضهم فرارهم من صاحب الجذام، فلا زيارة ولا سلام، وتباعد الأصدقاء والخلان، حتى أن بعض الموتى لم يجدوا من يقمصهم الأكفان، وتقطعت أواصر الأقارب والأصحاب، والكل يهتف نفسي نفسي كأنهم في يوم الحساب. وعم الوباء أرض الإسلام، ومُنع الحجيج زيارة البيت الحرام، وأغلقت المساجد، وحُرم منها الراكع والساجد، حتى صارت أمنية المسلم الصادق لو ظفر فيها بسجدة، ولم يستسلم أهل الإيمان فصاروا في بيوتهم أئمة، أما من كان سمته ترك الجُمع والجماعات، فقد ضيع فرصة الفراغ في تصفح المواقع والمسلسلات.. وفجأة وبلا مقدمات تلاشت أحلام الغربة، وتمنى كل فرد لو كان بين أهله ولو دفع لذلك فدية، ولم تعد أوربا مطمح الشباب، وصار الهرب منها فعل ذوي الألباب، وهذه أمريكا صرخ مجنونها لا هجرة بعد اليوم إلينا، وفجأة بدأ ينادي كل طبيب في العالم إلينا إلينا.

 

ماذا يحدث؟ الكل يتخرص..

ووسط هذه الأهوال انطلق الكل يردد أهمية الطهارة، مع البعد والمفارقة، وتعجب من هذه التعليمات المسلمون، وتذكروا وصية نبيهم إذا ظهر في بلد فلا تدخلوها ومنها لا تخرجون، فهدأت قلوب كادت أن تتبع الشيطان، ورجعت عقول كادت أن تتيه في وسط هذا الهيجان، وسمحت بعض الدول لأول مرة على أراضيها بانطلاق الأذان، وكأن البشرية كلها فاقت من سكرتها تستمطر رحمات الرحمن، وخاطب أهل الإيمان كل ملحد آمن بكورونا لوجود آثاره، أما آن لك أن تؤمن بربك لوجود نعمه وآلائه؟

 

وظل هذا الوباء في الأرض جزءا من الزمان، فقتل وشرد وفتك ببني الإنسان، ثم شاء الله فرفع البلاء، وظلل الأرض بالنعماء، بعدما تخلصت زمنا من الظلم والطغيان، وعادت الحياة كما كانت وفتحت المساجد وعادت تصدح بالقرآن، ورجعت الحركة بين البلدان وخرج الناس من هذه الفتنة صنفان: صنف اتعظ واعتبر وراجع حياته وعلم ضعفه أمام الجبار، وصنف استمر في غيه فكسر الله ظهره وجعله عبرة لكل من نسي الوقوف بين يدي القهار.. وهذه إحدى قصص بني الإنسان، عندما ينسى ويتغافل ويستمرئ الطغيان، وويل له ثم ويل له ثم ويل له إن لم يعتبر بأحداث الزمان..