التطوع في زمن الكورونا.. رحلة نحو السعادة

يختصر البعض الحياة بأنها رحلة البحث عن السعادة، رحلة يضع فيها الإنسان هدفاً محدداً ونقطة للوصول بحسب تصوره إلى ذلك الإنشراح والغبطة، ولكن بعد بلوغه القمة والهدف المنشود، سرعان ما يتلاشى التهلل والهناء من فؤاده؛ إذاً أين تكمن السعادة الحقيقية؟ السعادة هي بتلك الرحلة وليست بنتيجة الرحلة، فلا يوجد سعادة مطلقة.. السعادة الحقيقة هي بالسّعي والعمل، فبحسب كتاب "five regret of the dying" البطل وهو على فراش الموت؛ أحد أكثر الأشياء التي ندم عليها هو عدم إدراكه المعنى الحقيقي للسعادة، إنها الطريق وليست الوجهة.. فالحزين هو مجرد إنسان لم يبادر ولم يسعى..

بين الخوف من كورونا واكتئاب الحجر الصحي، هنيئاً لمن اختار طريقاً أو وجهة جديدة للسعادة وهو "العمل التطوعي"، أن تخرج من الصومعة، لترتقي بنفسك وتسمو بروحك بيعداً؛ هو معنى أن ترسم ابتسامة دون مقابل، أن تخفف الألم دون مقابل، أن تضحي بوقتك و جهدك؛ إنه وجه الإنسانية الأكثر إشراقاً في عصر المصالح المادي الشرس، أن تبحث عن بقايا فرح بين بيوت متعبة ونفوس تستغيث. تستغل لحظات الحياة الثمينة، تخاطر في أوقات المرض والأزمة والغلاء، ربما هو الجهاد الأعظم في هذا العالم.

التطوع هو أقرب للعبادة، بل هو من أرقى العبادات وأكثرها تأثيراً، بين صدقة، وجبر خاطر، وشفاء مريض، هي أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، أن لا تنام وبجوارك بيوت تتألم أو حتى جائعة، فما أجمل التطوع عندما يكون خالصاً لوجه لله

كثير من الشباب أثناء الجائحة خسروا وظائفهم، أو في أفضل الأحوال اقتطعت مرتباتهم الى النصف أو دون ذلك، منهم من استسلم للواقع الاستثنائي وراح يبكي على الأحلام والأموال، ومنهم من سلك طريق التطوع، إختار أن يكون رائداً في فضاء الإنسانية، أن يحب نفسه دون أنانية عبر العطاء، إنها نظرية الحب القابع في مهجتنا، نهديه للناس جميعاً عبر مساعدتهم لتجاوز محنتهم وأزماتهم، فتلك الإلتفاتات الطيبة هي بمثابة البذور الصغيرة التي تنبؤ بموسم الحصاد؛ هو حصاد السعادة والمحبة. فلسفة التطوع خلال الأزمات والحروب تحتاج إلى الكثير من الجهد والجهاد، أن تقدم الآخرين على نفسك، أن تعلم أنك ستكون قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، لذلك هي تحتاج إلى جنود من نوع آخر، جنود يواجهون الأزمة بصدور عارية، ربما جيوب خالية من المال وأحلام ضائعة، لكنهم يجابهون بقلوب نقية صافية، بعقول مفكرة وأجساد تعطي ما بوسعها لإسناد كل من مالت مراكبه نتيجة الجائحة، ولم ينبسوا ببنت شفة.

لم أفكر يوماً في خوض تجربة التطوع قبل أن أجد نفسي خالية الوفاض من كل هدف وسعادة وتمني، فالحجر الصحي أطبق خناقه والكارثة حلّت، فاخترت أن أنضم الى حملة V19 كصحفية متطوعة وهي حملة عالمية تسلط الضوء على جهود المتطوعين خلال أزمة كورونا. الحرف V يمثل المتطوع (volunteer)، فهو الفيتامين (vitamin) واللقاح (vaccine)، الذي سنجابه به كورونا وغيرها من الأزمات، فالشباب هم عصب المجتمع وقادته الحقيقيين. فبالتكافل والعطاء نصنع التكامل بل المعجزات داخل المجتمع. أما رقم 19 فهو يمثل عمر الشباب وكذلك عدد الدول التي شاركت في الحملة وهي تضم دول من أوروبا والخليج والمشرق والمغرب العربي كما دولاً من شرق آسيا وأفريقيا. كصحفية متطوعة، مقابلات أجريتها ومقابلات ستجرى بين بلديات انضمت للحملة وكذلك جمعيات تساهم مع متطوعيين لمساعدة الناس عن طريق توزيع طرود غذائية، ناهيك عن الدعم المادي والصحي والنفسي وغيره.

في قرارة نفسي كنت أظن أنني السباقة في كسرد اصفاد الحجر والولوج إلى ميدان العمل، لكنني كنت مخطئة، فعلى أرض الواقع وبكل صراحة كنت الاخيرة، ربما أنا الوحيدة على هذا الكوكب لم أتطوع بعد، فالسّاحات والمكتبات تضج بمئات الشباب والشابات الذين هبوا لخدمة المجتمع، آلاف خرجوا إلى الميادين متحصنين بالنشاط و مفعمين بالأمل، آخذين أقصى درجات إحتياجاتهم الوقائية من المرض، فعدوى التطوع أقوى وأسرع من عدوى كورونا لاسيما في مجتمعنا العربي، الذي لا يزال بألف خير يصدح بالحب والطاقات والتضحية.

نعم تجربة التطوع هذه وأعداد المتطوعيين تبشر بالخير، فكل ما يحتاجه الشاب اليوم هو فرصة، فرصة كفيلة بصنع المعجزات وقلب الواقع، انطلاقاً من طاقاتهم وإحساسهم بالمسؤولية وحب العمل، فرغم الأجواء المشحونة والمرض والبطالة، يصرّ المتطوع العربي أن يجابه ويقاتل المرض بسواعده وعطائه. إن تجربة التطوع هو إدمان لا يمكن هزيمته، لأنك تخوض حرباً طاحنة ضد العجز والأنانية والمرض، متسلحاً بخير الدنيا مدعوماً بابتسامات ودعوات وحب كبير، فالمتطوع لا يندم ولا يتكاسل، وما إن ينتهي من مهمته حتى يبحث عن مهمة أخرى، إنه الانغماس في المحبة، إحاسس ثمين بقيمتك بين البشر، إنها صلة الوصل بين روحك وروح الآخرين دون فرق، تلك هي روح التطوع التي تسقط الجشع والطمع والعنصرية.

التطوع هو أقرب للعبادة، بل هو من أرقى العبادات وأكثرها تأثيراً، بين صدقة، وجبر خاطر، وشفاء مريض، هي أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، أن لا تنام وبجوارك بيوت تتألم أو حتى جائعة، فما أجمل التطوع عندما يكون خالصاً لوجه لله. يعالج التطوع النفوس المريضة المكتئبة، لكل من مل وضجر وهام على وجهه في هذه الحياة، يقربنا التطوع من الناس ويجعلنا اكثر احساساً، أكثر امتناناً لنعم الله، إنها القلوب عندما تتصافى وتتكافل وتُنقّى من زيف الدنيا. لقد علمتنا جائحة كورونا أنه لا فرق بين عربي وغربي، لا فرق بين أسود وأبيض، بين دين وآخر، بين عرق وجنس وجنسية، كلنا واحد، مصير البشرية واحد، نعيش في ذلك الخندق الديق، إما أن نتكاتف لننقذ بعضنا أو نغرق في وحول الأزمات التي ستفتك بنا جميعاً، يعيدنا كورونا إلى سكة الإنسانية، ويذكرنا أن العالم هو وطن للجميع، نتشارك فيه المصير ذاته. أظهر Covid 19 أهمية العيش المشترك وضرورة التعاون للسير بمركب الأرض إلى بر الأمان، والتطوع هو احد طرق الخلاص والنجاة. لقد أدركنا حقيقة؛ أننا في توددنا وتراحمنا وتعاطفنا مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة