مسلسل الاختيار بين الحقيقة والخيال

طالما كان وعي الإنسان وما اتصل به مَحط بحث شاق، وعمل يدأب فيه الطالب ويجد ليل نهار، للذين يريدون تغييره، وتشكيله بما يُماشي عقيدتهم التي يؤمنون، ومنهجهم الذي ينشرون، بيد أنَّ طُرُق ذلك ووسائله متعددة كشِعاب مكة، كثيرة كنجوم السماء، لكلٍ منها نسقٌ مميز، ومُنجزٌ معلوم، فالكُتُب وسيلتهم عندما يرغبون في التأثير على المثقف المُطَّلِع، والدراما الفنية طريقتهم إذ ينشدون التأثير على جموع العامة، ممن يسلمون عقولهم، وعيونهم طواعية إلى التلفاز، والهاتف، وهي على كلٍ وسيلة ذات أثر كبير، وانتشار واسع.

   

تغير مفهوم التلفزة من جهاز ضخم، مثقول بالأسلاك والأدوات إلى سنتيمترات قليلة تنحسر فيما ينحسر في كف اليد، بعدما بات للإنترنت منزلته بين الناس، وليس بجديدٍ على المشاهد العربي ذلك النوع من الأعمال التي يُراد بها مرادًا يستهدف الوعي والفكر في صورة ناعمة، تتسلل خُفية، إنما الجديد في بسط النفوذ، وتذليل العقبات، وتيسير الطرق، ودعم السلطة المُطلق لتشكيل فكرة غير مشوبة، مقدم كل مطلوب لإنجازها على كل مطلوب وطني آخر، خدمةً لنظام معلوم مكانه من الإنسان وحقوقه، حتى وإن كان ذلك على حساب من ضحى بنفسه في سبيل هذا الوطن.

  

وفي مسلسل الاختيار الذي من المفترض أن يقدم سيرة الضابط أحمد منسي الذي استشهد في سيناء، نشاهد خليطًا من الشخصيات التي تخدم فكرة واحدة يؤصل لها العمل خطوة بخطوة؛ رغبة في تغيير الفكرة التي استقرت في أذهان العامة عن ضباط الجيش منذ أن كان لهم الحكم في مصر، فهذا هو بطل المسلسل "منسيِّ" يظهر في كل مشهد وحدث مرتديًا ثوبًا ملائكيًا، تكاد معه أن تنسى نسبته إلى بني البشر؛ إذ يُغلَّف حديثه بالحكمة المغرقة طويلًا، والخفة والمزاح كثيرًا، غير أنَّها حكمة مدفوعة، لا تخلو من زيفٍ بين، وتكلُّف مُتكشِف، لا تردد فيه، بيد أن العلاقة بين الجندي والضابط ليست على هذا النحو من الكمال والألفة، وكثيرًا ما يحكمها التسلط والمهانة، وما أكثر الحكايات الشائعة بين الناس عن سوء غضبة الضابط، وتكديره للجنود، بل ما أنطق الطرق، والمصالح الحكومية التي تفرق بين من هو عسكري، ومن هو دونه في الخدمة، والاهتمام!

  

أمَّا عن هشام عشماوي، فلا يخفى الغلو في تصوير الغضب والكره على وجهه مبالغة لا تفيد السياق الفني، ولا تزيده في شيء؛ إذ من المعلوم موقف العامة منه، وموقفه منهم، إنما يظهر جليًّا ما اعتادت الدراما أن تصوره لبسًا وخلطًا، فتلصق كل ذنب وخطيئة بملتحٍ أو بمنتقبة، وهي نقطة لا شك في سوء مقصدها، فكما أن في الضباط الصالح والطالح، في هؤلاء أيضًا أهل السماحة، وصاحب التزمت، من هنا يتكشف غالب العمل وجوهره الذي يقوم على تقديم الشخصيات الأخرى التي تتصل بمنسى وعشماوي تقديمًا يدفعك في غفلة إلى شيطنة جانب على جانب، رُغم أن الجانبين في نهاية الأمر أهل صراع سياسي نحن العامة -فقراء مصر- بعيدون عنه تمامًا، فقد شهدنا غلبة السابقين وقربهم ممن ينتسب إليهم وتمييزهم على غيرهم، وغلبة هؤلاء وما يقدمون لداعميهم، ويفعلون بمعارضيهم.

    

   

وفي الريف يصور المسلسل صراعًا آخر، أقرب إلينا -نحن الفقراء والعامة- من صراع الضابط والمنشق، ذلك الصراع الناشب بين "سعد" الريفي الفقير الذي يملك قطعة من الأرض، ويعول أمه، وأخيه -الذي ينتسب بعده إلى الجيش ليقضي فترة تجنيده، فيستشهد- ولا يصفى أو يُسلم للشاب "معتصم" الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان وليس له من رأي ولا فكر حسبه التنفيذ والتهليل، وقد شق جانبه على الناس بعدما فاز حزبه بالانتخابات، والحقيقة أن هذا الصراع حق يراد به باطل، فإن كان معتصم يمثل نسبة كبيرة من أعمال من هم في جانبه زمن 2012، فإن الزيادة والمبالغة في جمله وحديثه إلى سعد الناقم عليه وعلى جماعته، جور ينصر فصيلًا على فصيل دون وجه حق، بيد أن جوهر هذا الصراع أن كليهما لن يغتنم إلا خسارة وأسفًا.

   

ومن حيث الأحداث، فلا ميزان عادل يحكم أيًا منها، إنما نشاهد معالجة مضعوفة تخدم الهدف الأول من هذا العمل؛ إذ يُعرض من التسلسل الزمني للأحداث ما تقوم به الغاية منه، بالنسبة لثورة يناير، ومن كان مشاركًا فيها، كما يظهر منسي بغير رأي كما جاء على لسانه في أحد المشاهد، وحقيقة ذلك معلومة، فقد انحاز الجيش إلى فصيل على آخر، ولم يترك للدستور والقانون دوره، بل وصور العمل على طريقة المناظرة بين الأحداث في عائلة منسي وعشماوي فكرة الشر المطلق والخير المطلق جمعًا لمن هنا ومن هناك، دون تقديم دلالات واضحة لحقيقة ذلك، فالغضب والغباء في جانب، واللين والفطنة في آخر، بينما قد يكون بعض الأول عند الثاني والعكس، لكن أصحاب العمل لا يرضون إلا أن تكون الفكرة المُتجسدة تقدم المطلق الذي يصدره النظام للعالم، رغم أن جوهر الأمر بل وظاهره لا يخلو مما يدحض ذلك مرة واحدة.

    

بل قد ذهب التلبيس والتجني إلى حد توصيف مشاهد محددة للتأكيد على تسلُّح الضعفاء الذين فقدوا أرواحهم أيام الاعتصام والتي ما وقع فيها مصاب واحد للجانب الآخر، وكأن الصور الحية التي قطعت الأرض من مشرقها إلى مغربها ما خالطت أعينهم قط، حتى امتد التهويل ووصلت المبالغة إلى حد رسم صورة لا يمكن أن يصدقها أو يؤمن بها عقل، قد عايش أحداث زمن 2013، ناهيك عن التأكيد على الإعلان الدستوري الأخير الذي قُدم في وقت متأخر لحماية ما تبقى من ثورة 2011، والذي وظف ظهوره بما يخدم الهدف الأول الذي يقوم عليه العمل من جور وإقصاء، وغيرها من الأحداث المنقوصة التي لا ترى الحقيقة إلا بعين واحدة.

  

إن مسلسل الاختيار مهمة دعائية، ليس الهدف منها نصرة شهيد قد ضحى بنفسه فداء وطنه -ضابطًا كان أو جنديًا- إنما تثبيت ركائز نظام قمعي، قد تكشف للناس من جوهره ما لا يُحمد، ولا يُمدح؛ فلا يُفرق بين من يقاتل بالكلمة، ومن يقاتل بالبندقية تحت لوائه نصرة لهذا الوطن المغبون في الفساد، والتأخر، والمحسوبية، الغارق في الجهل والمرض، والفقر بل إن همه الأول السيطرة والغنيمة، حتى وإن كان حساب ذلك مقدمًا على من بذل في سبيله حق البذل، وضحى لأجله أسمى التضحية، وإن القادم من المسلسل لسوف يحمل رسائل كثيرة، متنوعة تضيف إلى الغاية منه، وتزيد في المبالغة والجور، كأن يخرج "معتصم" وهو يقرأ كتاب معالم في الطريق للأديب سيد قطب، بعدما قد قرر الانضمام إلى عشماوي إبان ما حدث في منتصف 2013، وإن العقل المصري ليقع على ذلك وقع فهم، ومعرفة محال أن يكون معهما فريسة لمشهد حماسي، يعلوه الزيف والتكلف، حتى تنقشع الغمة، ويعود للشباب وللشعب من بعده الكلمة المسموعة والرأي المُعلن لا الصمت الخافت، والخوف المتخفي.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة