فيروس كورونا من أزمة صحية إلى أزمة أخلاقية

تحول فيروس كورونا المستجد في أشهر قليلة إلى قضية عالمية، هذا الكائن المجهري الذي ظهر لأول مرة في بلاد العم ماوتسي تونع، كسر حدود القارة الصفراء، وكسر معها أسطورة الدول والكيانات السياسية والاقتصادية التي لا تقهر، منظومات صحية عالمية لدول متطورة تهاوت أمام الانتشار الرهيب للوباء القاتل، وأصبحت تعد يوميا مئات الجثث وآلاف الإصابات المؤكدة الجديدة، ونفخ كورونا الكائن غير الحي غريزة حب البقاء، والتمسك بالحياة في ملايين البشر، وعبث الوسواس القهري وهوس الوقوع في شراك هذا الوحش الخفي بعقول جميع الأجناس البشرية، باختلاف ألوانها ومستوياتها المعيشية.

الأزمات مدرسة مفتوحة الأبواب، لكن ضريبة النجاح فيها غالية جدا، وهي النهوض من الرماد، كطائر الفينيق، وتكشف المحن والشدائد عادة معادن الأمم والشعوب، لذلك فقد تحول فيروس كورونا في العالم من أزمة صحية إلى أزمة أخلاقية، وكشف النقاب عن جشع الإنسان وحبه لذاته، وفطرة السطو والقرصنة عند دول كثيرة كانت تتغنى بحقوق الإنسان وقدسية القانون، تخزين وتكديس للمواد الغذائية، ندرة حادة في المعقمات والمواد الطبية الوقائية، وتجار الأزمات تفننوا في استحداث أساليب السرقات المقننة، بروز مرضي للأنا، وخوف من القادم، أدخل البشرية في نفق الأنانية، هذا المرض الأزلي، الذي لم يغادر جسدها، رغم أن أوبئة كثيرة على مر التاريخ، حطت الرحال به، وغادرته.

إن كان للأزمة محاسن أو إيجابيات، فمحاسن وباء كورونا، رغم الأرواح التي حصدها، كثيرة ومتعددة، لأنه أوقف زحف التلوث، وأعاد للطبيعة روحها وأنفاسها، وللسماء ألوانها وصفاءها

يتساءل الكثير منا في السر والعلن، عن التغيرات التي سيحدثها فيروس كورونا في العالم بعد رحليه، وكيف سنمارس الحياة بعد الخروج من هذه الأزمة، وهل سنجد صعوبة في الاندماج الاجتماعي، بعد التباعد وهوس الخوف من الآخر، لكل أزمة إنسانية أو شخصية مهما بلغت حدتها، آثار وعواقب، والصمود أمام مخلفاتها يحتاج إلى إدارة وإرادة لا تقل قوة عن تلك التي كانت سببا في الخروج منها، لكن الآثار النفسية لأزمة فيروس كورونا، ستكون أشد وطئة من آثارها الاقتصادية والمالية، خاصة على الجانب الاجتماعي والفكري للإنسان، وعودة العلاقات الإنسانية إلى سابق عهدها، بعد أسابيع وأشهر من التباعد، ستكون بمثابة التحدي الاجتماعي، لرسم معالم المجتمع وحدوده من جديد.

تختلف فلسفة الموت والحياة، باختلاف المعتقدات الدينية و الفكرية للأمم، وأزمة فيروس كورونا حولت الموت إلى لعبة أرقام، والحياة إلى حالة شفاء، والأمل إلى انتظار للإعلان عن نجاح اختبارات لقاح مضاد للوباء، في أي مكان من الكرة الأرضية، فرهان التغلب على فيروس كورونا، هو رهان بشري، تسقط أمامه جميع الأعراق والانتماءات، ومهما أثقل على صدور البشر سيهزم، وسيجر أذيال خيبته وسيرحل.

وإن كان للأزمة محاسن أو إيجابيات، فمحاسن وباء كورونا، رغم الأرواح التي حصدها، كثيرة ومتعددة، لأنه أوقف زحف التلوث، وأعاد للطبيعة روحها وأنفاسها، وللسماء ألوانها وصفاءها، وللحيوانات حقها في التربع على عرش الغاب، وللمدن سكونها وهدوءها، وأعاد أيضا ترتيب الأولويات عند الكثيرين، وقدم درسا في مفهوم الحياة، وفي نعم الله سبحانه وتعالى، لذلك كن مبشرا في هذه المرحلة، وابتعد عن المتابعة الدقيقة لأخبار الوباء وتطوراته، لأن الصحة النفسية مهمة جدا في تجاوز الأزمات، ولا تخف يا صاحبي، فالزمن قطار يعرف طريقه جيدا، ولن يتوقف طويلا في محطة ينهشها الظلام، خذ نفسا عميقا، واكتب التاريخ، ووقع في نهاية صفحة يومك، سنحيا وستستمر الحياة، وهذه الأزمة التي تقف أماننا كعجوز شمطاء، وقاتلة مأجورة، ستمضي كحلم عابر، وسيبقى الأمل، ستمضي، وسنرمي بذكرياتها إلى سلة المهملات، وستبقى جراحها بداخلنا منتصبة، تنير دروبنا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة