شعار قسم مدونات

أميتُوا السّخافة بالسّكوتِ عن أصحابها

BLOGS مواقع التواصل

يشتكي الكثيرون في أيامنا من سخافة المحتوى وتفاهته مع انتشاره السّريع، ويردّد أغلبُ هؤلاء، بحرقةٍ ودون جدوى: "لا تجعلوا مِن الحَمقى مشاهير"، ويكتبُ البعض منشوراتٍ ومقالات تلو الأخرى سعيا إلى توعيةٍ لا تُشترى بدرهمٍ في سوقِ شباب هذه الأيام الهائم على وجهه، ولا تكادُ تخرج برامج أو وجوه جديدة تسعى للّفتِ الانتباه بما تُقدّمه من تسلية، حتى يأتي الرّد من الطرفِ الآخر، جاهزًا، بأنْ ليس بالضرورة أن يُعجبكَ كلّ المحتوى في العالم، فقد يفيدُ غيركَ من محبّي هذا النوع من التأثير، لذا ما عليكَ سوى إلغاء المتابعة والتوقف عن التذمُّر. ولكن هل يُعتبر ذلك حلا في ظلّ رجحان كفّة المؤثرين التّافهين على حسابِ أصحاب المحتوى المفيد؟ وهل يُعَدُّ ناجعًا مع إقبال وسائل الإعلام على استدرارِ عطفهِم وكسب دعمهم طمعًا في زيادة المُشاهدين وتدفُّق الأرباح؟ وهل إلغاء المتابعة يعني أنّك لن تصطدم بما يقدّمونه هنا أو هناك؟

 

بالتأكيد حلولٌ بسيطةٌ كهذه، لن تفيدَ في شيء، فأنْ تُلغي المتابعةَ لأحدهم، لا يعني أنّ هذا المحتوى سيتوقف عن الانتشار، واستمرارُكَ في إقامة مجالس "لطميّة" إلكترونية، لن يُساهم في ابتعاد هذا الجيلِ عنهم، بل على العكس تمامًا، أصبح يأتي بنتائج عكسية، فمع كلّ تنديد، يزداد عدد الداعمين والمحامين والمتابعين لأصحاب هذا المحتوى التّافه، فتتحوّل من داعٍ للخير، ساعٍ للتوعية، إلى شخصٍ هوايتُه -في نظرهم- رمي الشّجرة المُثمرة بالحجارة، شخصٌ تحرّكه الغيرة، ويقودهُ الحسد، ليس إلاّ.

 

الجميع يدرك أنّ الحديث عن أيّ شيءٍ، يزيدُ من شُهرته وانتشاره فلو قلّبتَ في قصص الذين تحولّوا لأيقوناتٍ عند البعض، لوجدتَ أنَّ عدد متابعيهم تضاعفَ على الرّغم من حجمِ الانتقادِ والفضائح التي تعرّضوا لها

هناك عوامل تدفع بالشّباب لأن يقلّدوا ويسيروا في نفسِ الخط الذي سارَ عليه غيرهُم، فحياةُ الأضواء، وطعمُ الشُّهرة يُغريانِ شريحةً لا بأسَ بها مِن شبابِ مُجتمعنا، فعندما ينظرُ الشّاب العشرينيّ، ويجدُ أنّ أغلبَ المشاهير على مواقعِ التّواصل إمّا مُهرّجون، أو بائعُو وهم، أو مُستعرِضُون لحياةٍ زائفة، أو يتصنّعون الفضائل، وأغلبُهم بلا شهادات، ومع ذلكَ هم يُحقّقون دَخْلا، وتتسابقُ إليهم القنوات، وأصحاب الماركات والمحلات، عندها يقرّر أنّ هذا الطريق هو الأسهلُ لصنعِ اسمهِ في عالمٍ كبيرٍ مليءٍ بأمثالهم، لذا عندما نرى هذا التّهافت الكبير من الشّباب على خلقِ منصّةٍ ترفيهيّة لهم، أو مساحةٍ ينشرون فيها ما وجدوا عليه المؤثرين الآخرين من محتوى يتشابه في كلّ شيءٍ إلاّ الفائدة، ندركُ بأنّنا أمام هوّة كبيرة تفصلنا عن الوعي السّليم، وبأنّنا نسير نحو مستنقعٍ يظنُّ البعض أنّ الخروجَ منهُ سهل، في حين أنّه يلوّث كلّ ما حولهُ، بما فيها المفاهيم الصحيحة. يحتاج صاحبُ المحتوى المفيد إلى عدّة عوامل كي ينجح وينتشر وينافس، أهمّها:

 

الإحسان في صناعة المحتوى:

الإحسان الذي أعنيه هنا، يتجاوزُ المحتوى كمادة أو معلومة، فهو يتعلّق بطريقةِ عرضِها وإيصالها، وكيفية تقديم تلكَ المعلومات، مع تبسيطِها للمتابع الذي ليسَ لديه الوقت لحلّ خوارزميات أو فكّ شيفرات، فالمتابعُ إنسانٌ يبحثُ عن المعلومة البسيطة، المُقدَّمة بأسلوبٍ سَلِسٍ، والبعيدة عن الإلقاء المُملّ.

 

وجود إعلام مؤثر:

يؤثّرُ الإعلامُ على شريحةٍ كبيرةٍ لا تزالُ تتابع كلَّ حدثٍ بعينِ الفضول، وربّما بعين الحرص، ولو أنّ الإعلام توقّفَ عن الاهتمامِ بالأرقامِ والأرباح وكفّ عن تصديرِ وجوهٍ لا تصلُح حتّى للإعلانات، واهتمَّ بمَن يستحق أن يُمنَح فرصةً لارتقى المجتمع، وازدادَ الوعيّ وتحمّس الكثيرون لتقديمِ ما لديهم دون أن يُقارنوا أو يتراجعوا لأنّ فلانًا أخذ فرصةً كانوا يحلمون بالحصول عليها، أو لأنَّ فلانة تبوّأتْ مقعدًا، اجتهدوا كثيرا ولم يصلوا إليه لأنّهم لا يملكون من الأرقامِ ما تملكُه هي.

 

الدّعم المعنوي، وضرورة العلاقات العامة:

العلاقات العامة هنا، هي أنْ تُجيد التّسويق لنفسك بذكاءٍ دونَ ابتذال أو تسوّل، وأن تكون على تواصُلٍ مع كلّ جديد، وأن توسّع دائرةَ معارفك من الأشخاص الذين تجدُ بأنّهم سيقفون إلى جانبك بالدّعم والمُؤازرة والتّشجيع، ومن هنا تأتي أهمية الدّعم المعنويّ الذي يعتمدُ بالإضافة لما سبق، على النُّصح والمَشُورة.

 

وتبقى النصيحة الأهم هي: أميتُوا التّفاهة بالسّكوت عن أصحابها:

فالجميع يدرك أنّ الحديث عن أيّ شيءٍ، يزيدُ من شُهرته وانتشاره فلو قلّبتَ في قصص الذين تحولّوا لأيقوناتٍ عند البعض، لوجدتَ أنَّ عدد متابعيهم تضاعفَ على الرّغم من حجمِ الانتقادِ والفضائح التي تعرّضوا لها، فبعض المتابعين العرب على استعدادٍ أن يستمر في رصد تحرّكات فلان وفلانة، حتّى لو شتموه، ولو بحثتَ عن سببٍ مقنع لذلك لقال لكَ: "إنّه الفضول"، لذا من الواجب أن نلجأَ جميعًا إلي الوعي دون تشخيصٍ أو هجوم، فكم مِن مجهولٍ أصبحَ معلومًا بعد فضيحةٍ أو مُصيبة أو إثارةِ بلبلة، وكم مِن مخطئ بحقّ نفسه وغيره، حصلَ على شهرة وتضامُنٍ بعد أن طمرهُ ذنبه من رأسِه حتى أسفلِ قدميه.

 

في النهاية، لا يكادُ شابٌ في وطننا العربي لم يُصَب بعدوى التأثير التي تتستّر على شكل خُدعٍ سحريّة يتحكّم بها مَن ظنوا أنّ متابعيهم أغبياء لتنطلِي عليهم حيلُهم بتلك البساطة. ولنكُن واقعيين ونعترف أنّ مُؤثري هذه الأيام ينظرونَ لمتابعيهم على أنّهم أرقام يراقبون عدّادها في كلّ يوم، بدعوى النّجاح، وعلى أنّهم أوراق نقدية تتساقطُ على رؤوسهم كالمطر، فتدرُّ عليهم شُهرةً أكسبتهُم غرورًا وخللا في الحكمة، فالمؤثر الحقيقي لا يحتاجُ أن يقدّم نفسَه بصورةٍ مختلفة فقط ليجمعَ ما شاءَ ربُّكَ من المتابعين، ولا أنْ يضحك، باللّعب على العواطف، على مَن وثِقوا به..

 

المؤثر الحقيقيّ يحترمُ جمهوره وإذا احترمَه قدّم له محتوى يدهشُه في كلّ مرة، وابتعد عن كلّ ما يجعلُه سخيفًا تافهًا في نظر الآخرين.. المؤثر الحقيقي ينظرُ لمحتواه على أنّهُ بذرة تريدُ عملا وإخلاصًا كيّ تنمو، ولا يحتاج أن يعرضَ لك "روتينه" اليوميّ، ولا أن يفاجئ متابعيه بجنسِ مولوده الذي لا يهمّ أحدًا سواه، ولا أن يضحكَ عليهم بمُنتجٍ يدري في قَرَارة نفسِه أنّه لا يصلُح للاستهلاك، ولا أن يستعرض حياته الخاصة مع شريكه طمعًا في عددٍ من "اللاّيكات" يعيشُ على أكتافها لسنوات، ولا أن يكذب ويدّعي علمًا لم يحصل عليه. لذا كما قلتُ لك في مقالٍ سابق، قبلَ ضَغْط زرّ المتابعة لأحدهم، راقبهم، واسألْ نفسك: عنْ أيِّ تأثيرٍ يتحدّثُ هؤلاء؟..