في ظل أزمة الوقود.. لماذا تتجاهل الدول الطاقة النظيفة؟

تونس - منصة بترولية عشتروت 1 -الجنوب التونسي

 

 

تعتبر الطاقة المحرّك الأساسي للاقتصاد العالمي، وذلك منذ الظهور الأوّل للنشاطات الصناعية، الزراعية والخدماتية للإنسان عبر الحقب التاريخية المختلفة، فمنذ اكتشافه للنار وصولا للفحم الحجري ثم النفط والغاز الطبيعي، أدرك الإنسان أنّ الطاقة بمختلف أشكالها وأنواعها لا غنا عنها في عملية المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية وتطورها، وبناء على هذا الواقع، سعت الدول وذلك بطرق مختلفة لتأمين مصادرها من الطاقة لتضمن تواصل نمو اقتصاداتها وتحقيق رفاهية مجتمعاتها، لتتحوّل بذلك هذه المادة الحيوية (الطاقة) لأحد المتغيّرات التحليلية الحسّاسة المساهمة وبشكل مصيري في تحديد اتجاهات العلاقات الدولية وخطط التعاون الدولي بين مختلف فواعل النظام الدولي.

 

وعلى هذا الأساس، كانت ولا تزال الطاقة، أحد المحركات الرئيسية لنشوب الحروب والأزمات الدولية، السياسية والدبلوماسية بين الدول، وذلك في إطار سباقها المحموم للسيطرة على مصادر الطاقة في العالم، هذه الحروب والأزمات التي كثيرا ما تكون دول العالم النامي مسرحا وساحة لها، وقد كان لنا في الحروب والتدخلات بالعراق والسودان وسوريا في الوقت الراهن خير دليل على هذا السباق والحروب الدولية في مساعي السيطرة على منابع الطاقة.

 

غير، أنّه ومع الاستنزاف الكبير الذي حدث في استغلال واستخراج الطاقة التقليدية (الأحفورية) من باطن الأرض، وذلك منذ اكتشاف مادتي الفحم الحجري والنفط إضافة للغاز الطبيعي، أخذ عديد الدارسين والمهتمين بهذا الموضوع، يتساءلون حول فرضية ما إذا كان العالم اليوم وفي المستقبل جاهزا وقادرا على استبدال الطاقة التقليدية (الأحفورية) بمصادر طاقة جديدة نظيفة وغير قابلة للنضوب (الطاقات المتجددة)، خاصة إذا أضفنا إشكالية التلوث البيئي والمناخي الذي ساهمت الطاقة التقليدية في حدوثه.

هناك العديد من العراقيل المرتبطة بالمصالح الضخمة للشركات النفطية العملاقة خاصة الغربية منها والتي لا تقبل بذهاب العالم نحو الاستغلال الفعلي والواسع الانتشار للطاقات المتجددة والنظيفة

لقد استهلك العالم في الوقت الراهن، ما يناهز نصف احتياطاتها من الطاقة التقليدية (النفط، الغاز الطبيعي، الفحم الحجري، …)، إذ أنّه ومنذ القرن الماضي أخذت عملية استهلاك النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري في تزايد مستمر ومتسارع وهو الوضع الذي تمّ تغذيته بالنمو الكبير الذي شهده العالم من الناحية الاقتصادية والديمغرافية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وعلى الرغم من التراجع المتزايد في احتياطيات الطاقة التقليدية، إلا ّأنّ اللجوء نحو اعتماد واستغلال العالم للطاقات المتجددة في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل ليس مطروحا في الوقت الراهن، إذ لا تزال السياسات الطاقوية العالمية في هذا الميدان (ميدان الطاقات المتجددة) في مستوى البحث والتطوير.

 

من خلال جميع ما سبق، نستنتج أنّ الطاقة التقليدية (النفط والغاز الطبيعي خاصة) لا تزال تستحوذ على الحصة الأكبر والأهم من بين كافة أنواع الطاقات الأخرى، فهي التي توفّر الكهرباء لمعظم النشاطات البشرية الاقتصادية منها والخدماتية، إضافة لكون الملايين من المنتجات مصنوعة من مشتقات النفط والتي نوظفها ونستخدمها يوميا، وبالتالي ستشهد السنوات القادمة استمرار الاعتماد على الطاقة التقليدية خاصة في ميدان المواصلات وغيرها، وذلك طالما أنّ البدائل الجادة، الرخيصة والعملية لا تزال غير متوفرة، خاصة وأنّ الطاقات المتجددة وإن أخذت جانبا متناميا من اهتمام دول العالم، إلا ّ أنّ وصولها لدرجة تعويض الطاقة التقليدية وأخذ مكانها وتحوّلها لبديل عنها يبقى غير مطروح في المستقبل المنظور على الأقل.

 

كل هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن هناك العديد من العراقيل المرتبطة بالمصالح الضخمة للشركات النفطية العملاقة خاصة الغربية منها والتي لا تقبل بذهاب العالم نحو الاستغلال الفعلي والواسع الانتشار للطاقات المتجددة والنظيفة وهذا بسبب الأموال الضخمة التي يذرها عليها نشاط استغلال الطاقة الأحفورية، ناهيك إلى أنه حتى بعض حكومات العالم الغربي وبالخصوص منها الإدارة الأمريكية (إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب) ولأسباب مختلفة منها عدم اقتناعها بحقيقة وجود ظاهرة الاحتباس الحراري ودور الطاقة الأحفورية في هذه الظاهرة لا ترى أي سبب وجيه للتعجيل نحو الانتقال الطاقوي سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو في العالم ككل، بدليل أن هذا الأخير (دونالد ترامب) وبمجرد توليه لكرسي الحكم في بلاده سارع للانسحاب من الاتفاقية الدولية لحماية البيئة وتقليص الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون والموقعة في ما يسمى بقمة الأرض بباريس الفرنسية.