هل تتآمر الخرطوم مع حفتر؟

بعد شهرٍ واحد من نجاح الثورة الليبية زار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الإنتقالي الليبي العاصمة السودانية الخرطوم، والتي تعد ثاني زيارة خارجية لإحدى دول الجوار الليبي ولأول رئيس مجلس إنتقالي بعد سقوط نظام القذافي، في تلك الزيارة فجّر عبدالجليل مجموعة من المفاجئات وكشَف الحجب عن قضايا كثيرة تربط الجانبين السوداني والليبي منذ وجود القذافي على سدة الحكم وإلى ما بعد زواله، حيث ذكر عبد الجليل أن السودان كان شريكاً حقيقياً في الثورة الليبية بدعمها سياسياً في الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، ودعمها للثوار بالمال والسلاح، وتعهد بأن يكون التعاون الوثيق والتنسيق المتبادل في القضايا التي تجمع البلدين في المرحلة المقبلة، كان القذافي يأوي ويدعم الحركات الدارفورية المسلحة بالمال والعتاد ضد نظام البشير، فقيادات الحركات كانت تقيم في طرابلس إلى لحظة سقوط القذافي بل دافعت عنه باستماتة وكأنها تردُ له قليلاً من ما قدمه لها، علاقة الحركات المسلحة تطورت مع تيار الثورة المضادة بقيادة حفتر ومجموعته التي حظيت بدعمٍ دولي من أنصار الثورات المضادة.

  

ومنذ وصول السيسي إلى السلطة في مصرعام 2013م عن طريق انقلابه المشهور ودعمه لخليفة حفتر دعماً لم يأتي من فراغ لأن كلاهما يمثل الثورة المضادة المدعومة إماراتياً وسعودياً، أصبحت الخرطوم في كل يوم تصحو على طلبٍ جديد من أنصار الثورة المضادة، طلبٍ عنوانه "ادعموا الجنرال خليفة حفتر كما يفعل السيسي لكي ندعمكم اقتصادياً"، هذا الإبتزاز ظل العنوان الأبرز لعلاقة نظام البشير بالإمارات والسعودية وإن كانت السعودية أقل إلحاحاً بعد أن دعمها السودان بالجنود في حربها على الحوثي. الرفض السوادني لدعم خليفة حفتر على حساب حكومة الوفاق الليبي التي تتخذ من طرابلس مقراً لها أدى إلى تصدع العلاقات الإماراتية السودانية وعجل بزوال نظام البشير، فالإمارات كانت الداعم الأكبر ومهندسة سقوط النظام السابق وهو ما صرح به سفير الإمارات بالخرطوم لاحقاً.

 

بعد سقوط نظام البشير وقعت الإمارات عن طريق إحدى الشركات العالمية عقداً مع الرجل الثاني في السودان الفريق حميدتي، وإن كان عندي يمثل الرجل الأول في البلاد؛ رجل الإمارات وأملها في قيادة الثورة المضادة في السودان، هذا العقد نص على دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر بألفٍ جندي من قوات حميدتي المتمرسة على حرب الشوارع والعصابات بحكم تجربتها في محاربة الحركات المسلحة في إقليم دارفور والتصدي لها، مقابل دعم مادي وسياسي كبير لحميدتي، ومن عجائب الثورات المضادة وشذوذها وتحديداً في ما يتعلق بحفتر أن حفتر جمع بين النقيضين؛ عناصر عسكرية ظلت إلى وقت قريب تقاتل بعضها البعض، فحفتر جمع بين الحركات المسلحة الدارفورية التي تقاتل معه منذ تمرده وبين قوات حميدتي التي قاتلت تلك الحركات المسلحة إلى وقتٍ قريب وهو ما يؤكد بأن المال قادر على فعل كل شيء، تلك القوات السودانية التي اطلق عليها اللبيبون المرتزقة السودانية ساعدت حفتر في تحقيق تقدماٍ كبير نحو السيطرة على طرابلس.

   

  

بعد تدخل تركيا في الشأن الليبي ودعمها لحكومة الوفاق الوطني، أخذ الصراع منحى أخر؛ منحى لعبت فيه التغييرات الدولية دوراً كبيراً، تغييراتٍ أتت رياحها بما لا تشتيه سفن حفتر؛ فأسعار النفط تهاوت وتراجعت مع انتشار كثيف لفيروس كرورنا في المنطقة، هذا الوضع جعل الدول التي تتصدى للثورات المضادة بالدعم عاجزة عن مواجهة إحتياجاتها الإقتصادية المحلية في ظل الإنكماش العالمي للإقتصاد، فالسعودية تأثرت موزانتها من الربع الأول حيث استدانت من النظام المصرفي لتغطية العجز، كما أثرت أسعار النفط أيضاَ على الإمارات الداعم الأكبر للثورات المضادة في المنطقة، هذا الوضع الخارجي أثر في العقيدة القتالية لقوات حفتر مما أدى إلى خسارتها في أرض الميدان مما جعله يطلب هدنة زعم أنها إنسانية.

 

قبل يومين حملت الأنباء العالمية والمحلية خبر وصول وفدٍ إماراتي عالي المستوى إلى الخرطوم بقيادة طحنون بن زايد في زيارة سرية خاطفه ومنها توجه الوفد إلى تشاد، فعندما تربط هذه الزيارة وتوقيتها وعلاقتها المتجزرة من حيث الجيوسياسية بين الدول الثلاثة السودان وتشاد وليبيا، يصبح هدفها معلوماً للجميع وهو توفير الدعم العسكري لقوات خليفة حفتر بالجنود وربما بسلاح الجو من قبل الخرطوم وإنجمينا بعد انشغال الطرف الثالث الداعم لحفتر عبدالفتاح السيسي بصراعٍ شرس في سيناء، هذا الطلب الذي رفضته الخرطوم من قبل في عهد النظام السابق ربما تقبله الآن!، فالنظام السياسي الإسلامي الذي كان يحكم الخرطوم والذي رفض كما ذكرت من قبل أن يساهم في إسقاط حكومة الوفاق الوطني المحسوبة كذلك على التيار السياسي الإسلامي أصبح من الماضي البعيد، فالخرطوم اليوم هي أقرب إلى حفتر ومشروع الثورة المضادة، بعد أن أحكمت عناصر الثورة المضادة قبضتها على السلطة؛ قبضةٌ أكتسبتها بتقديم حلولٍ إقتصادية وسياسية للسودانيين بعد أن فشلت حكومة المدنيين في تقديمها.

 

هذا الوضع ربما يفرز وضع دولياً جديداً في ليبيا بعد أن طلب حفتر تفويضاً شعبياً من الليبين لحكم البلاد والسطو على السلطة في طرابلس، تفويضٌ يشعرك بالإشمئزاز بحكم الوضع الميداني لحفتر الذي ينحسر كل يوم، ولكن يقيني أن هذا التفويض هدفه اكتساب شرعيةٍ مفقودة وتبريرٌ لما يلحق به من عار جراء طلبه وقبوله بقوات خارجية تعينه في تنفيذ ذلك المخطط الآثم، ومراوغة لها ما بعدها؛ مرهونة بوعودٍ إقليمية تظل الخرطوم مركزها الرئيسي والمشارك الأكبر فيها، ولكن يظل هنالك سؤال كبير؛ هل ترضى الخرطوم أن تلعب دوراً ربما أتى عليها وبالاً في المستقبل القريب، فمستقبل الثورات المضادة أصبح في أُفولٍ كبير، هذا الوضع نفسه سيدفع ثمنه الشعبين السوداني والليبي، فإن تآمرت الخرطوم اليوم مع حفتر ضد الليبين، فربما يتآمر عليها آخرون دعماً لمشروع الثورة المضادة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة