عبد الله الحامد.. المجاهد الأعزل

كتب الروائي النمساوي ستيفن زفايغ:"يحدث -على مَرّ الزمان- أن يختار التاريخُ من بين ملايين الناس الذين يشكلون البشريةَ وجها واحدا ليكون التجسيد الفاصل في الجدل حول النظرة إلى الحياة". (عنف الدكتاتورية، 93). ولعمري لقد كان الشيخ عبد الله الحامد -بحياته الموزّعة بين أعواد المنابر وعتمات السجون- تجسيدا ملحميا لجدل الأمة حول معاني الحرية والكرامة والشورى.

  

ولعل من أهم المميزات الشخصية لذلك الرجل النجدي الصلابة والشجاعة والجَلَد. فمنذ خرج من قرية القصيعة -بمنطقة القصيم- ليبدأ نضاله السلمي مطلع التسعينيات لم تفتر له عزيمة ولا لانتْ له قناة. بل ظلت روح الشاعر تمدّه بالحماس، ونفسية الفارس العربي تدفعه للكفاح، وعقلية الفقيه الأصولي ترشده إلى مكامن الداء في جسد أمته، غير آبه بالمعارك الصغيرة، ولا منشغل بالأعراض عن أصول الأمراض. كان قوي العاطفة حادَّ الشعور بالظلم. وهي سمة من سمات الشخصيات التي تترك بصمتها على جبين التاريخ؛ "فلم يُنجز شيءٌ عظيم في العالم بدون عاطفة وانفعال" كما يقول هيغل. (العقل في التاريخ ، ص51).

    

وكانت رسالته بسيطة محددة. دعا إلى تحوّل بلاده من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية يعيش الناس فيها أحرارا متساوين يملكون السيادة على ولاتهم، مع تركيز على أن الطريق إلى ذلك هو الجهاد باللسان، لا القراع بالسِّنان، اعتُقل الأستاذ المختص في النقد سبعَ مرات وظل ما بين زنزانة وأختها -يلعق جراحَه- حتى توفي في عتمة السجن أول يوم من رمضان (1441هـ) راضيا باسما، ولسانُ حاله يردد الحديث الذي جعله شعار  مسيرته: "سيدُ الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فنهاه فقتله"، لقد كانت الشهادة حاضرة في ذهنه طيلة حياته. لكنه كان يريدها شهادة سلمية تحت راية بيضاء، يلعب فيها دور هابيل مرددا: "لئن بسطتَ إليّ يدَك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدِيَ إليك لأقتلك! إني أخاف الله رب العالمين!".

 

اقتنع الحامد قناعة راسخة أن أجر الجهاد المدني قد يغدو أكثر من أجر من الجهاد العسكري. واحتج لذلك بالقاعدة الأصولية: "الأجر على قدر المشقة". وبهذا "فالجهاد السلمي أشق من جهاد الحرب. فالكلمة وسائرُ الوسائل السلمية الشجاعة أمام الطغاة تعرّض صاحبها للمخاطر والمهالك، أكثر من الحرب.. لأن المجاهد في الميدان ضد العدوان العسكري، يجالد في معركة جلية؛  فالسلاح يكاد يكون متكافئاً، والعدد يكاد يكون متقارباً. والمجاهد العسكري بين احتمالين: نصر وعزة في الدنيا، أو شهادة سريعة، لن يذوق فيها الموت أكثر من مرة واحدة… أما مجاهد الكلمة وسائرُ الوسائل السلمية، فهو فرد أعزل أمام سلطة ذات بأس شديد، كالعصفور الجريح بين يدي قط جائع، وكالحَمَل الوديع أمام نمر كاسر." (الجهاد السلمي الأكبر، 18)، ثم يعلق على هذا التخريج الشرعي قائلا: "ولا يشك في هذه الحقيقة إلا فقيه طوَّعه الاستبدادُ، حتى تآلف مع الفساد".

    

  

والمتتبع لأطروحات أبي بلال يلاحظ تأمله الطويل في أدواء الحضارة الإسلامية وفهمَه لمكامن الداء فيها، وتأثره بخلاصات مفكريها الحضاريين. فتجد في ثنايا نصوصه لغة ابن خلدون ونظرات والكواكبي كثيرا. ففي معرض تفضيله الجهاد السلمي الداخلي يقول إن "الجهاد الداخلي يهدف إلى مقاومة انهيار الأمة الداخلي وانحرا فها، لأن غَيْبةَ روح الشورى تؤدي إلى الاستبداد، والاستبداد يؤدي إلى الاستعباد والاضطهاد؛ فيقتل الحرية والحيوية في الأمة، فتنشل الإرادة وتفسد الإدارة والاقتصاد، فيحدث الخراب والانهيار."، وقد قاد هذا التأمل أبا بلال إلى سبقٍ فكري مقارنة بكثير من نظرائه الإسلاميين. فيوم كانوا -بداية التسعينيات- يتحدثون عن كلمة الشريعة فحسب، كان هو يتحدث عنها في قيمها العابرة الخالدة، لا أشكالها الكاريكتورية المستأسرة لصور التاريخ. كان يدعو لبسط يد المسلم لتأديب الحاكم وصناعة الحياة، وكان بعضهم مشغولا بالدعوة لقطع تلك اليد وجلد ذلك الظهر.

    

إحياء مفاهيم الدين

من المساهمات المميزة لأبي بلال محاولاته إحياءَ مفاهيم الدين للتخلص من المعتقدات البالية "لصناعة قطيعةٍ مع المهترئ والمُتأبّد" (العبارة لفوكو). فكان عليه نحت مصطلحات جديدة وبعث معان في المصطلحات المهترئة لحقن الحقل الديني بالقيم الإسلامية المَنسية أو المغدورة، فقد لاحظ أن كثيرا من القيم والعبادات الإسلامية أصيبتْ بتسمُّم دلالي حوّلها من قيم بناءة باعثة على الحياة وتكريم الآدمي، إلى أغلال تُقعد المسلمَ المتوثب عن مهامه الدنيوية والأخروية. ولذا كان يلح على ضرورة "إعادة الاعتبار لشق العقيدة المدني الذي همّشته الصياغة العباسية والمملوكية للعقيدة". وانتقد المسلمين الذين ينفقون أموالهم على نوافل الحج والعمرة بدل إنفاقها على الفرائض المدنية: "فمِن أكثر الناس إخلالا بالدين، فقيه صالح بنفسه، يهتم بالنوافل الروحية الفردية، ويهمل الفرائض المدنية والسياسية" (الجهاد السلمي، 106).

 

ويخيل إلي أن عبد الله الحامد لو لم يكن في سياقه الخاص لوسّع فكرة التوجس تلك ليستحسن ما استحسنه الإمام الغزالي من ضرورة التوقف عن نوافل الحج والعمرة إذا كان البيت العتيق تحت سلطان جائر يطلب من الحجاج ضريبة مالية. يقول الغزالي: "قال بعض العلماء -ولا بأس بما قاله- إنّ ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة. فإن هذه بدعة أُحدثتْ، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطردة. وفيه ذل وصغار على المسلمين ببذل جزية، ولا معنى لقول القائل: إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر!. فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء!". (إحياء علوم الدين، 1/262). لقد تمتع الشيخ عبد الله الحامد بفهم عميق لروح الإسلام التحررية مما عصمه من الاغترار بموجات الورع الشعبي. بل نبّه إلى أن ذلك التدين إذا لم يكن عن فهم لطبائع العمران ورسالة القرآن وقيم الدين المؤسسة على سيادة الأمة فهو  رهباينة سلبية لا صحوة جدية. فكتب منذرا: "لكيلا نظنّ الغفوةَ الرهابينةَ صحوةً إسلامية!".

 

وهكذا بذل أبو بلال جهودا كبيرة لإعادة الحيوية إلى المفاهيم الإسلامية بعد الغواشي الكثيفة التي رانت عليها، مركزا على مفهوم الجهاد المدني الذي يراه فرض عين عكس صنوه العسكري. "فالجهاد العسكري فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، أما الجهاد السلمي، ففرض عين، لأن استمرار  المواطنين في تقليم أظافر الطغيان كلما طالت، هو صمام الأمان. فاشتراك الناس في المظاهرات والاعتصامات والبيانات والتصويت والترشح والترشيح في الانتخاباتت هو ضمان حقوقهم. فتبين بذلك أن الجهاد السلمي فرض على الأفراد حتى يزول الاستبداد". (الجهاد السلمي الأكبر، ص 8).

   

  

لا.. ليس مانديلا!

رأيت بعض الكتاب يقايسون بين الشهيد الحامد وأيقونة التحرر الإفريقي نلسون مانديلا. وبما أنني أزعم اطلاعا طيّبا على تاريخ النضال في جنوب إفريقيا فإني أود لفت الانتباه إلى فرق ما بين التجربتين والتضحيتين، لقد كان مانديلا يعيش تحت نيْر نظام عنصري مجرم، لكنه نظام له قانون. قانون ظالم، لكنه قانون. فلو اعتدى شرطي على معتقل اعتداء لا يسمح به القانون يستطيع ذلك السجين الشكوى من الشرطي الذي سينال جزاءه بنص القانون الظالم. أما الحامد وأمثاله من مقارعي الظلمة في جمهوريات الخوف العربية فأشد صبرا وأقوى عزيمة وأكبر تضحيات. فالدول التي يقارعون أنظمتها ويدخلون سجونها لا يحكمها قانون مهما كانت طبيعته غير نزوات الحكام.

  

ومن يقرأ مذكرات المساجين في جنوب إفريقيا والمساجين في تونس ومصر وسوريا يعرف فرق ما بين الحاليْن. لقد كان مانديلا يعمل ومن ورائه حزب ضخم منظم له فروعه وسفراؤه في العالم، وكان الحامد يصارع وحيدا، كان مانديلا أيقونة أمة رفعتْه واعترفت بتضحياته واصطفت خلفه. وهذا دافع يتزود منه المناضل ويساعده على طول الطريق وجور السجان. أما الحامد فكان يناضل في سياق آخر. لهذا لم أرتح لتك المقارنة. فنحن نغمط أبطالنا حقهم. ولو أنصف الدهر- وأنصفنا أنسفنا- لطاولنا العالم بمناضلين كعلي العريّض، ومحمد البلتاجي، ومروان البرغوثي، وعبد الله الحامد. فتضحيات هؤلاء والسياقات التي كافحوا فيها أصعب كثيرا من سياق مانديلا. رحم الله أبا بلال. ورحم تيْنك العينين اللتين ظلتا رانيتيْن إلى الأفق انتظارا لبروق العزة والحرية والمساواة. رحمه الله يوم تمتم:

  

رنوتُ إلى رُؤى نجمٍ * يُحدّق في السماواتِ

لنوْء الحكم بالشورى * بصحراءِ العماياتِ!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة