تصويب نقاش حول أزمة حاكم مصرف لبنان

هذا المقال هو محاولة متواضعة لتصويب النقاش، إن لم يكن الصراع المحتدم، حول أزمة حاكم مصرف لبنان. لاحظ قولي "أزمة حاكم" وليس أزمة "حاكمية" أو "حوكمة"، إذ أننا تعودنا في لبنان، كما هو الحال في غالبية الدول العربية، على إمبريالية تحليلية -على حد تعبير عالمة الإجتماع البريطانية مارغريت آرشر- تختزل الأزمنة والأمكنة والحقب التاريخية المديدة في ذوات أو رجالات أو شخصيات بعينها.

فعلى سبيل المثال، يروق للبنانيين الحديث عن "الشهابية" (والتي تختزل تاريخ نشأة مؤسسات الدولة الحديثة في شخص رئيس الجمهورية الراحل فؤاد شهاب) أو "الكمالية" (والتي تختزل تاريخ الحركة الوطنية اللبنانية في شخص مؤسس الحزب التقدمي الإشتراكي وزعيمه الراحل كمال جنبلاط) أو "الحريرية" (والتي تختزل مرحلة دخول البلاد عهد السياسة الاقتصادية النيوليبرالية في شخص رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري). ويدور الحديث اليوم حول "السلامية"، وهي، كسابقاتها، فرية كلامية، يراد منها اختزال مشكلة اللبنانيين مع الأوليغارشية المصرفية التي تسيَّدت منذ أزيد من ثلاثين عاما في شخص حاكم المصرف المركزي رياض سلامة.

لا شك أن سلامة يتحمل جزءا كبيرا من المسؤوليتين القانونية والسياسية عن تدهور قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد، والأمر لا يتوقف فحسب على النتائج السلبية لهندساته المالية عام 2016، بل يتعداه ليشمل كل جوانب مسيرته المهنية الطويلة، منذ أن قلَّده رفيق الحريري حاكمية المصرف عام 1992. ولكن الرجل لم يكن يوما يقدح من رأسه، إذ أنه من غير الجائز بتصوري، لا نظريا ولا مفهوميا ولا حتى من باب المنطق السليم، الإغفال أو التغافل عن العوامل ما -فوق- البنيوية -الدولة العميقة (حلف رجال السياسة والأعمال والدين) وصراعات الدولة-الدويلة (حزب الله) والتموضع الإقليمي والعالمي (حاليا، في ظل استمرار الصراع في سوريا والإستدارة الإماراتية-السعودية ضد "الإسلام السياسي" وأخيرا وليس آخرا العلاقات التجارية المتأزمة بين الدول الكبرى)- التي تجعل من أية وظيفة عامة في لبنان محط التباسات كثيرة.

دعك إذا مما قيل وحيك من سيناريوهات درامتيكية حول شخص ومصير حاكم المصرف المركزي. فالأزمة التي يعاني منها لبنان هي أزمة ماكرو-كيانية، أكبر وأعقد بكثير مما يمكن أن تستوعبه العقول الإمبريالية الإختزالية ضيقة الأفق

فسلامة لا يعدو كونه عميلا مأجورا، براتب خيالي. يمكن وصفه بالموظف القادر، ذي الذكاء الإجرائي أو التنفيذي، الذي يجيد بإخلاص وأمانة ترتيب وتوزيع وتسويغ مشروعيات كافة الرهانات والأسهم المادية والرمزية التي تقوم عليها "قوانين اللعبة" -على حد تعبير عالم الإجتماع الفرنسي بيير بورديو- التحاصصية الطائفية المتحكمة بزمام الكيان اللبناني ومسارات نشوء وتطور المجالات السياسية والاقتصادية والإجتماعية فيه، منذ ما قبل استقلال عام 1946 وحتى حينه. قد ينتابك وأنت تستمع إليه يقدّم روايته عن الأزمة شعورٌ بالإشمئزاز من موضوعيته المفرطة في التمسك بهذه القوانين وتطبيقها حرفيا. إنه لاعب ماهر، حدّ السفاهة. تذكرني برودته البيروقراطية بمقطع قصير من أطروحة للفيلسوف والقاضي الفرنسي إتيان دو لا بويسيه بعنوان: "مقالة في العبودية المختارة". يقول لابويسيه:

هؤلاء الستة (الإشارة هنا إلى تكتل حاكم يتكوّن من ستة منتنفّذين ويا للصدفة، فإن عدد زعماء الطوائف الأقوى والأكثر تنفذا ونفوذا في لبنان هو بالتحديد ستة!) يشرفون على ستمئة من الأفراد، يتنفَّعون من خلالهم ويعملون معهم لتحقيق مآرب الطاغية. ثم أن هؤلاء الستمئة يشرفون بدورهم على ستة آلاف، يهتمون بشؤونهم ويرعون مصالحهم ويغدقون عليهم من العطاءات المالية والتقديمات الحكومية الكثير، بغية استتباعهم واستخدامهم كأدوات جشع وبطش لتنفيذ الأوامر، كلما دعت الحاجة. ولولا مظلة الدعم والحماية من القانون والعقاب التي يوفرها أولئك الستمئة، لما أمكن لهؤلاء البضعة آلاف أن يحققوا ما يسعون إليه من دمار شامل. (ص 72)

لا وجود لطاغية واحد مستبد، بالعدل أو بالإجحاف، في لبنان، ولكن النظام الاقتصادي النيوليبرالي الذي يملي الترتيبات السياسية، وليس العكس، هو بحق نظامٌ طغياني. وسلامة، من موقعه كحاكم مصرف مركزي، ليس سوى واحد من أولئك الستمئة المسيَّرين، المستظلين بمظلة النظام الطغياني، شأنه في ذلك شأن العديد من النواب والوزراء والمدراء العامّين والمحافظين والقائمقامين والمخاتير ورؤساء مجالس الإدارة والمصلحات الوطنية وهيئات الرقابة والتفتيش. نعم، إذا ما تكالب عليه الستة الكبار باستطاعتهم أن يعزلوه ويأتوا بآخر، من نفس الطغمة، طغمة الستمئة. ليست المشكلة إذا في شخص الرجل، ولا في أوائك البضعة مئات أو آلاف من أدوات الجشع والبطش الصغيرة التي يحميها ويديرها، كالصرافين والمصرفيين وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة من رجال أعمال ونخب سياسية وحزبية وإعلامية. إنما المشكلة تكمن في "الطاغية"، النظام نفسه، الذي قامره سلامة بلا أدنى ترو أو عناد أو تكليف صادق بمراجعة الذات، حتى انتهى به المطاف إلى تسليم روحه -على طريقة فاوست- إليه. وبناء عليه، فإن تصويب النقاش حول أزمة الحاكم المستجدة يقتضي لحظَ أزمةٍ أكبر، تشكلت معالمها سابقا، مع اندلاع انتفاضة السابع عشر من تشرين. إنها أزمة الإنقسام العمودي الحاد بين ثلاث فئات من اللبنانيين:

الممتعضون: هم فريق من الناس، خواص وعوام، عابر للطوائف، لديه ملاحظات حول عمل المصارف والمصرف المركزي ولكنه يرفض (أو أقله يمانع بشدة) أية نية أو توجه أو مقاربة أو خطة إصلاحية يستشعر منها وجودَ رغبة في الإنقلاب على أيديولوجيا العولمة الرأسمالية وتموضع لبنان التاريخي ضمن منظومة الحداثة الغربية بوجهها الاقتصادي الحر. لا تجد في هذا الفريق أيا من الستة الكبار الذين تحدث عنهم لابويسيه، ولكنك قد تجد مجموعة لا بأس بها من عملائهم الصغار، طغمة الستمئة، كبعض النواب والوزراء السابقين والمسؤولين الحزبيين وحتى بعض المصرفيين المخضرمين ممن ينشدون التغيير في قوانين اللعبة التحاصصية، لكن دائما ضمن حدود ما يوصف بالعقيدة الاقتصادية أو "الهوية التاريخية للكيان اللبناني".

المتأملون: هم فريق من الناس، خواص وعوام، عابر للطوائف، يعتبر أن له مهمّة تثقيفية تقوم على مناهضة أيديولوجيا العولمة الرأسمالية، خاصة بما بتعلق بمعاداتها لقيمة العدالة الإجتماعية. يتفق أركان هذا الفريق على التصويب على ثالوث الدولة – المصارف – المصرف المركزي باعتباره "أم المعارك" التي يجب خوضها لأجل بناء الدولة المدنية على سبيل المثال، "حركة مواطنات ومواطنون في دولة" تدعو لإقامة الدولة المدنية كضرورة حتمية، لا خيار أو مجرد منتج مفهومي ترفي. ولكنهم بالمقابل يختلفون على معاني المدنية ذاتها والشكل النهائي لنظام الحكم المرجو. يتكون أغلب هذا الفريق من جمعيات ومنظمات وهيئات تنضوي تحت مظلة المجتمع المدني، بالإضافة إلى أفراد عاديين، مستقلين ومتعاطفين مع القضايا المدنية. (للإشارة، على الرغم من عدم وجود تأييد وازن لهذا الفريق، فإنه قد نجح في تخريج دفعة مميزة من المفكرين والخبراء السياسيين والاقتصاديين الجدد الذين لعبوا دورا بارزا في التوعية، بلغة بسيطة مفهومة، على مخاطر المرحلة الآنية). 

القاعدون: هم فريق من الناس، خواص وعوام، عابر للطوائف، لا يزال عند قناعته بأنه لا بديل عن اللعبة التحاصصية الطائفية التي تكرَّست على مدى عقود، مع انبثاق جمهورية الطائف عام 1989. بالإضافة إلى ذلك، يحاجج أركان هذا الفريق بأن "الديمقراطية التوافقية"، أو مسلّمة أن "لبنان محكوم بالحوار والتشاور بين مكوناته"، ليست بدعة، بل هي فلسفة حكم رشيد قابلة للتحقق. من هنا وصفُهُم بالقاعدين، أي الراضين بالواقع السياسي والاقتصادي والإجتماعي الذي أوجده النظام الطغياني. فهم لا تبدو عليهم علامات القلق على المصير المشترك، وبالتالي لا تبدر عنهم حركة إصلاح جدية أو رؤى بديلة – على سبيل المثال، يقول نائب الأمين العام لحزب الله إن لدى الحزب خطة اقتصادية يفضل عدم الإفصاح عنها. ولكن حقيقة الأمر هي أنه، ما خلا طروحات أهلوية مشبوهة، من قبيل "مؤتمر وطني تأسيسي" يعمد إلى وضع قواعد جديدة لاقتسام كعكة النفوذ بين زعماء الطوائف، ليس في جعبة الحزب أي شيئ يقدمه للبنانيين.

دعك إذا مما قيل وحيك من سيناريوهات درامتيكية حول شخص ومصير حاكم المصرف المركزي. فالأزمة التي يعاني منها لبنان هي أزمة ماكرو-كيانية، أكبر وأعقد بكثير مما يمكن أن تستوعبه العقول الإمبريالية الإختزالية ضيقة الأفق. بل أخشى ما أخشاه أن وضعَ رياض سلامة بالذات، دون غيره من المسؤولين، في قفص الإتهام لم يكن سوى مناورة استطلاعية قام بها الستة الكبار لتلمس وتقدير نوايا القوى الغربية المؤثرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، ثم البناء عليها لتحديد الخطوة القادمة. وقد جرى ذلك بالفعل، إذ وافقت الحكومة اللبنانية في اجتماعها الأخير بالإجماع -إجماع كل القاعدين والبعض من الممتعضين- على طلب مساعدات مالية عاجلة من صندوق النقد الدولي. تدبير "سلامي" الهوى بامتياز!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة