٥ تحولات سيواجهها التعليم التقليدي بعد انتهاء جائحة كورونا

يشهد العالم حالياً ومنذ أسابيع قليلة حدثاً غيّر ملامح التعليم التقليدي المدرسي والجامعي بشكل هائل وهز عرش منظومة التعليم التقليدي الأصعب والأقدم في العديد من الدول العربية. فحتى 28 مارس/آذار 2020 ووفق إحصاءات مجموعة البنك الدولي، تسببت جائحة فيروس كورونا (COVID-19) في انقطاع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم في 161 بلداً، أي ما يقرب من 80 بالمئة من الطلاب الملتحقين بالمدارس على مستوى العالم. مما أدى لأزمة هائلة وغير مسبوقة في القطاع التعليمي الذي يعاني من العديد من المشاكل المتأصلة فيه منذ عقود وأصبح الآن يواجه خطر جديد وتحدي غير مسبوق الزمه تغير العديد من الممارسات والمفاهيم والأساليب التعليمية التقليدية في فترة وجيزة.

قد يرى العديد من المحللين والمهتمين بالشأن التعليمي أن التعليم التقليدي يواجه أزمة هي الأخطر والأكبر في تاريخه لكن دعونا نراقب هذه الحالة بمنظور مختلف وندرس ملامح ما بعد الأزمة وكيف سيكون شكل التعليم بعد انجلاء أزمة فيروس كورونا. ونلخص بعض التحولات الرئيسية التي سيشهدها مستقبل القطاع التعليمي بناءاً على المعطيات المتاحة والاجراءات التي اتخذتها العديد من الدول العربية في المجال التعليمي لمواجهة هذه الجائحة.

١- حتمية التغير والتطور: يواجه التعليم التقليدي حتمية التغير والتطور التي فرضتها عليه كورونا وتبعاتها من اغلاق للمدارس والجامعات والتحول للتعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني وقد يفرز هذا التطور العديد من الابتكارات الميسرة للعملية التعليمية الالكترونية الجديدة ويُوجد حالة من الإبداع والريادة عند فئة كبيرة من الشباب والشركات الريادية الشابة العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والتطبيقات الذكية مما سيدعم بشكل غير مباشر هذا القطاع السوقي الذي يشكل الشباب الفئة الأكبر من العاملين فيه ويمنحهم فرصة جيدة للمساهمة في تطوير قطاع التعليم التقليدي في بلدانهم.

تحديث المناهج وإعادة صياغتها بما يتناسب مع طبيعة التعليم عن بعد والتحول الرقمي وطرق التواصل عن بعد أصبح ضرورة ملحة يجب على الإدارات المسؤولة العمل عليها

٢- إعادة تعريف دور المعلم: أثبت التعليم عن بعد ضرورة تغير دور وصورة المعلم والمحاضر في عصر التكنولوجيا وفي وقت أصبحت المعرفة متاحة للجيمع ويمكن لأي طالب الحصول على المعلومة من مصادر الكترونية متنوعة ولم يعد لديه حاجة ملحة لوجود معلم بصورته النمطية التقليدية لتلقينه المعلومات في غرفة صفية مكتظة بالطلاب في حين يمكنه الحصول على نفس المعلومات وبطرق شرح متنوعة عبر العديد من المنصات الرقمية وفي أجواء قد تكون أكثر راحة وأقل إزعاجاً واكتظاظاً بات من المهم أن نزود المعلم المدرسي والمحاضر الجامعي بالأدوات والمهارات الإلكترونية اللازمة لمواكبة هذا التطور وإعادة تشكيل الصورة النمطية له وللطرق التعليمية التقليدية المحصورة بين الجدران الصفية ليصبح المعلم ليس فقط ملقن للطالب بل ميسر للعملية التعليمية وصاحب مهارات ذكاء عاطفي واجتماعي ومهارات تواصل رقمية تمكنه من التواصل مع الطلاب بلغتهم وبالوسائل التي يتعاطون بها.

٣- تطوير الادارات التعليمية والغرف الصفية: تفرض جميع المتغيرات السابقة على الإدارات التعليمية في الوزارات المعنية والمدارس والجامعات تطوير أدواتها وأساليب تواصلها مع المعلمين والطلاب وذويهم وتفرض على المدارس تغير المفهوم التقليدي للغرف الصفية وتزويدها بوسائل الكترونية حديثة وتعزيز فكرة التعليم المدمج والتعليم الإلكتروني وتعزيز فكرة التواصل الإلكتروني مع الطلاب ومع الأهل أيضاً لنساعد الأهل الشريك الأول في عملية التعليم عن بعد في فهم وتقبل هذه المنظومة الحديثة ولمس مميزاتها، لنقل على سبيل المثال أن جزء من دمج الأهل في عملية التحول الرقمي عقد اجتماعات أولياء الأمور عبر الاتصال المرئي عن بعد باستخدام إحدى تطبيقات الاتصال قد يكون فكرة ناجحة أو تخصيص دورات تثقيفية تضم مجموعة نشاطات وتطبيقات تساعد الأهل على استخدام تطبيقات التعليم عن بعد ومتابعة آداء أبنائهم وغيرها الكثير من الأفكار التي تساعد في قبول هذا التحول الرقمي.

٤- تمكين وتعزيز التطور التكنولوجي لجميع فئات المجتمع لتقليل آثار وتبعات الفجوة الرقمية: وفق بيانات البنك الدولي فإن ٦٠ بالمئة فقط من سكان العالم يستخدمون الإنترنت، وحسب تقرير موقع هوت سويت فإن ٧١ بالمئة من سكان منطقة الشرق الأوسط يصلون إلى الإنترنت، لكن في المنطقة العربية وبسبب تدني خدمات البنية التحتية وشبكات الاتصالات في العديد من هذه الدول بالإضافة إلى تدني مستوى الدخل الفردي والعديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى وما كشفته لنا جائحة كورونا من رداءة مستوى خدمات الاتصال بالشبكة العالمية في العديد من هذه الدول وتكلفته المرتفعة بالاضافة لتكلفة شراء أجهزة الكمبيوتر المحمول والأجهزة الذكية بشكل عام والتي تعتبر مكلفة بالنسبة للعديد من العائلات، كل هذه التحديات تفرض على الدول والوزارات والأجهزة المعنية فيها المساهمة في تعزيز ودعم وصول مواطنيها لجميع الأدوات التكنولوجية اللازمة لتسيير العملية التعليمية سواء للتعليم أو التعلم عن بعد بجودة وتكلفة مقبولة تعزز مبادئ المساواة في الفرص والعدالة الاجتماعية والحق في التعليم للجميع باختلاف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية وبناء خطة طويلة المدى لتحقيق هذه الأهداف ودعم فكرة التحول الرقمي في القطاعات المساندة والخدمات اللوجستية المساعدة في العملية التعليمية وليس فقط في القطاع التعليمي.

٥- تحديث وإعادة صياغة المناهج الدراسية المدرسية والجامعية: تحديث المناهج وإعادة صياغتها بما يتناسب مع طبيعة التعليم عن بعد والتحول الرقمي وطرق التواصل عن بعد أصبح ضرورة ملحة يجب على الإدارات المسؤولة العمل عليها في القريب العاجل لتواكب التغيرات الطارئة التي أحدثتها جائحة كورونا في العالم أجمع وتتماشى مع مفهوم التعليم عن بعد ووسائله والاختلاف الكبير في طريقة العرض والشرح الرقمي عن التقليدي بالاضافة لطريقة تعاطي كل من المعلم والطالب مع المادة المطروحة. من الضروري إعادة التفكير في أهداف هذه المناهج وما هي المخرجات المرجوة منها وإعادة صياغتها وفق ذلك مع مراعاة طبيعة الوسائل الرقمية وأسس عملية التعليم عن بعد والمتغيرات التي سبق ذكرها.

لا تقتصر التحولات والتحديات التي ستواجه القطاع التعليمي بعد الأزمة بهذه النقاط ستنتهي جائحة كورونا ونعود لحياتنا الطبيعية ولكن لن تعود الحياة بمجرياتها الطبيعية كسابق عهدها وسيتوجب علينا مواجهة الحياة بجميع تغيراتها وتحدياتها التي قد تكون فرصة للتغير وبداية لواقع أفضل، نعم فرض علينا وللأسف مع الكثير من الخسائر بسبب هذه الجائحة لكن لكل تغيير وجه إيجابي لا يوجد تغيير سلبي بالكامل ولا يوجد محنة أو أزمة لا تنتهي. ستنتهي ويجب أن نكون قادرين على التأقلم من جديد مع معطيات وواقع جديد وتغييرات قد يكون بعضها إيجابي مثل تطوير وتحديث نظامنا التعليمي التقليدي الذي طالبنا كثيراً بتطويره وتحديثه إلى أن أجبرتنا كورونا على التغيير والتعامل مع هذا التغيير.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة