الشيخ محمد عياد الطنطاوي.. القمر الأزهري الذي استضاءت به روسيا في القرن التاسع عشر

الشيخ محمد عياد الطنطاوي (1810 ـ 1861) هو النموذج الأشهر لعلماء الأزهر الذين هاجروا بعلمهم كعلماء ومعلمين إلى بلاد الحضارة الأوروبية، وقضوا حياتهم المثمرة فيها وتركوا فيها آثاراً علمية لاتزال باقية إلى اليوم، وقد كان من حظه أن يسافر إلى بلاد الروس، ولو أنه توجه وجهة أخري إلى بلد من البلاد التي لم تمر بالتقلبات التي مرت بها بلاد الروس لكان له مجد أكبر مما كان له بالفعل، وهو مجد كبير. لا تقل أهمية كتابه «تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا» عن كتاب رفاعة الطهطاوي عن باريس لكن التواصل المصري مع فرنسا كان اقوى بكثير فلما جاء العهد الذي قويت فيه العلاقة بين مصر والاتحاد السوفييتي لم يكن للشيخ حظ، فقد كانت الشمولية قد فرضت على الناس الإيمان بأن حياة الاتحاد السوفييتي لا تبدأ الا من ١٩١٧ وأن حياة مصر لا تبدأ الا من ١٩٥٢.

 

كان الشيخ محمد عياد الطنطاوي من أبرز علماء القرن الثالث عشر الهجري، عرف بالتفوق في العلم والفهم، وكان له حظ وافر من العلم بالأدب، كما كان له كثير من الشعر الحسن، والنثر المستحسن، وذلك في وقت كان علماء الأزهر قد انصرفوا عن الأدب وكان المشتغلون منهم قليلين يعدون على أصابع اليد، من أمثال أستاذه الشيخ حسن العطار الذي اختير شيخاً للجامع الأزهر. كان هذا العالم الجليل يعرف بأنه الشيخ الطنطاوي، وذلك من قبل أن يبزغ في حياته نجم آخر يشترك معه في الاسم وهو الشيخ محمد الطنطاوي الفلكي، وهو تال له في الميلاد والوفاة (1825 ـ 1889). أما عياد فهو جده، لكنه عرف هكذا على عادة المصريين في تلقيب أصحاب الألقاب الشائعة بلقب آخر أكثر تخصيصاً، وفي الغالب يكون هذا اللقب هو اسم أحد الأجداد.

 

ومن الطريف أن الشيخ محمد عياد الـطنطاوي في نسبته إلى مسقط رأسه يتمتع أيضاً بالنسبة إلى بلدين، فهو المرحومي نسبة إلى قرية والده «محلة مرحوم» من أعمال الغربية، وهو أيضا الطنطاوي نسبة إلى طنطا التي ينسب إليها أبناء إقليم الغربية جميعاً، ومع هذا فإنه لم يولد في هذه ولا تلك، وإنما ولد في قرية نجريد التابعة لمدينة طنطا سنة 1810.

 

تكوينه العلمي
وصفه المستشرق الروسي الأشهر أغناطيوس كراتشوفسكي عضو أكاديمية العلوم الروسية في رسالة كتبها إلي أحمد تيمور باشا من ليننجراد في 10 أكتوبر سنة 1924 بأنه «الرجل الفاضل الذي خدم الأدب العربي والروسي خدمة تذكر وتشكر»

بدأ الشيخ محمد عياد الـطنطاوي تعليمه في الكتاب ثم تلقي العلم في الجامع الأحمدي بطنطا، ثم تعلم وعلّم بالأزهر، وذاع صيت علمه فعرفه بعض المستشرقين الذين كانوا يقيمون في مصر ويترددون عليها، ورتبوا له دعوة من وزارة الخارجية الروسية لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في بطرسبرج (ليننجراد). سافر الشيخ محمد عياد الـطنطاوي إلى روسيا سنة 1840، وهو في الثلاثين من عمره، وعمل مدرساً للغة العربية في ذلك المعهد، وظل يعمل به إلى أن انتقل إلي رحمة الله ١٨٦١ بعد أن تخرج على يديه عدد كبير من المستشرقين، وقد اصطحب معه إلى روسيا زوجته وابنه، وبقيا بعده في روسيا إلى أن توفيا ودفنا مثله بمدافن المسلمين في بطرسبرج.

 

وقد تخرج على يديه  مستشرقون من الروس ومن غير الروس، ومن هؤلاء المستشرق الفنلندي الأصل جورج فالن المقارب له في السن (١٨١١- ١٨٥٢) والذي توفي قبله، وقد أتم هذا المستشرق العظيم دراسة اللغة العربية على يد الشيخ محمد عياد الطنطاوي، كما تعمق في العامية المصرية على يديه، حتى استطاع كتابة دراسة لغوية عن اللهجة المصرية  وهو نفسه الذي عرف بسياحته في جزيرة  العرب وفي مصر وسوريا سنين عديدة تحت اسمه الإسلامي عبد الولي، وكانت لهذا المستشرق مع الشيخ عياد طنطاوي مراسلات جمعها وطبعها مترجمة إلي اللغة الأسوجية، كما توجد غيرها من المراسلات في عاصمة فنلندا.

 

وقد ظلت روسيا محتفظة بالعديد من مخطوطات الشيخ عياد الطنطاوي في مكتب الكلية البتروسبرجية، وهي لا تقل عن مائة وخمسين نسخة، يوجد بينها كثير من تأليفات الشيخ كتبت أغلبها بخط يده منذ توجه إلى بطرسبرج، وقد ذكر في ختام نسخة «شرح سقط الزند» الموجودة بين مخطوطاته أنه نسخها سنة 1256 من الهجرة وهو في المحجر الصحي بالقسطنطينية. وكانت بين الشيخ الطنطاوي وزميله الشيخ رفاعة الطهطاوي ١٨٠١- ١٨٧٣ مراسلات أدبية، وكان كلاهما من خاصة تلاميذ الشيخ حسن العطار، وقد قال في إحدى رسائله إليه:

 

«أنا مشغول بكيفية معيشة الأوروبيين، وانبساطهم، وحسن إدارتهم، خصوصاً ريفهم وبيوتهم المحدقة بالبساتين والأنهار، إلى غير ذلك مما شاهدته قبل بباريس، إذ بطرسبرج لا تنقص عنها، بل تفضلها في أشياء، كاتساع الطرق، أما من جهة البرد فلم يضرني جداً، وإنما ألزمني ربط منديل في العنق، ولبس فروة إذا خرجت، أما في البيت فالمداخن المثبتة معدة للإدفاء (التدفئة)».

 

حفاظه على دينه

وقد ظل الشيخ محمد عياد الطهطاوي طيلة إقامته في روسيا محافظا على دينه وعقيدته، وقد عبر عن هذا في قطعة شعرية أرسلها إلي أحد أصدقائه بمصر:

           أنا بين قوم لا أدين بدينهم                أبداً، ولا يتدينون بديني

 

تقدير المستشرقين له

وصفه المستشرق الروسي الأشهر أغناطيوس كراتشوفسكي ١٨٨٣- ١٩٥١ عضو أكاديمية العلوم الروسية في رسالة كتبها إلي أحمد تيمور باشا من ليننجراد في 10 أكتوبر سنة 1924 بأنه «الرجل الفاضل الذي خدم الأدب العربي والروسي خدمة تذكر وتشكر». وقد حقق ذلك المستشرق الروسي أن تاريخ وفاته الشائع (1862) لا صحة له، وأنه مأخوذ من كتاب «تاريخ الآداب العربية» للأستاذ بروكلمان، وأن الأقرب منه إلى الصواب ما رواه محمد أمين فكري باشا، مسندا إلي الأستاذ جوتوالد، من أن الشيخ الطنطاوي توفي في 29 أكتوبر سنة 1861، وقد أخذنا بهذا الرأي.

 

آثاره:

كتابه في الرحلات

«تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا»

 

كتبه في العلوم الأزهرية

– «حاشية على الشرح المسمى بالتحفة السنية في العقائد السنية» للعلامة الكبير برهان الدين أبي المعالي إبراهيم السقا، على منظومة محمد بليحة.

– «حاشية على رسالة شيخه العلامة الشيخ إبراهيم الباجور»، يقول فيها مادحاً ومقرظا.

 

إن علم الكلام أفضل علم               فيه وصف الإله والرسل يسرد

فإلى هـــذه الـرســــالة يمم                 فهي حـــــازت لمـــا عليـك تـأكد

 

– «شرح منظومة الشيخ السلموني» وقد التزم السجع في الرسالة كلها.

– «حاشية على شرح الشيخ خالد الأزهري على متنه المسمي بالأزهرية» في علم النحو.

– «حاشية على متن الزنجاني في الصرف».

– «منظومة في البيان نظم فيها متن السمرقندية».

– «شرح على منظومته في البيان».

– «حاشية على منظومة السمرقندية».

– «حاشية على كتاب الكافي في علمي العروض والقوافي».

– «منتهي الآراب في الجبر والميراث والحساب»، مخطوط في ليننجراد.

– «الحكايات العامية المصرية»، مخطوط في ليننجراد.

– «مسودات لتاريخ العرب»، مخطوط في ليننجراد.

– «أحسن النخب في معرفة لسان العرب»، ضمنه جملا وألفاظا ومكاتبات وقصصا وأغاني عامية، مع ترجمتها.

– «حواش وشروح في العقائد، والنحو، والصرف، والعروض، ومنظومة في البيان»

– الباب الأول من «كلستان السعدي».



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

عبدالحليم المصري واحد من ثلاثة شعراء متعاصرين نظموا ثلاثة ملاحم في الخلفاء الراشدين بيد أن اضطراب الوعي العربي بقيمة الفن والشعر ترك ستائر النسيان والتجاهل تسدل مؤقتا على هذه الملاحم.

كان الدكتور إبراهيم العدوي من أنصار القول بأهمية البحر المتوسط بوصفه حلقة اتصال بين الدول الإسلامية المتعاقبة والقوي السياسية المسيحية المعاصرة له، بدءاً من الإمبراطورية البيزنطية، ثم الدول الأوروبية.

الأكثر قراءة