التَّعلم المَرن.. الصورة النَّمطية للتَّعلم حين نتجاوزها

كَثيراً مَا كَانت تَطالنا سِياطُ اللوم والتَّوبيخ من ذِوينا حين نَتَحاوَرُ مَع المُعلِّم أو في بَعضِ الأحيان نَتجادل في قضيَّةٍ ما، أَكاديميَّةً كَانت أم غير ذلك رُبَّما لأنَّ المُعلِّمَ كَيانٌ اعتِباريٌّ لا يَجوز هَمزهُ أو لَمزهُ (لا يُخطئ ولا يُخطَّأ)، حتى أن احدى عَجائِزِ مُخيَّمنا الذي أَسكن فيه (مخيم البقعة- الأردن) كَانت كَثيراً ما تَدعو الله لي أن تراني مُعلِّماً (قَدّ الدُّنيا) امعاناً منها في جزيل العطاء لي، لَقد صِرتُ مُعلِّماً لِكنَّها انتقلت الى رَحمة ربِّها قَبل أن تراني مُعلِّماً، لَقد صِرتُ مُعلِّماً وما زال يَرِنُّ في أُذني كلامُ أَهلِنا "أَي جِيلٍ أنتم والذي خلق وبرا وأجرى القلم فجرى لقد كنا اذا رأينا المُعلِّم في رأس الشَّارع نَهرب إلى شَارعٍ آخر خَوفاً واحتِراماً"

  

على المَائدَة مع المُدِير

ذات ليلة دُعِيتُ على مأدبَة عَشاء عِندَما بدأَ صَاحِبُ البيت بِتعرِيفِ الضيوف لي وَصلَ إلى أَكبرِ الحُضور رَجلٌ وَقورٌ احدَوْدَبَ ظَهرهُ واستعانت رِجلاه بعصى يتوكأ عليها وقد كان له بها ذات زمان مضى مآرب أُخرى، الوَالِد عُمر أبو اصبع قال صَاحِبُ البيت، ما دَفعني لسؤال سريعاً المُدِير صَاحِب الصِيت فضَحِك الرجل الكبير قَدراً وسِنّاً وَلَم يَردَّ بشيء لأعرف لاحِقاً أنَّه تَقاعد من إدارة مَدرَسَة البقعة الثانوية في سنةِ دُخولي المَدرَسَة الابتِدائيَّة، لقد سَمعت روايات وأساطِير عَن هذا المُدير الذي كان اسمه يُرعِب أعتى الطَّلبَة شَقاوةً وأجرؤهم على المُخَالَفات، لقد اعتراني ذلك الشُّعور الذي طَالَما سِمعتُ عَنه منِ طَلَبَةِ ذاك المُدِير، فأنا في حَضرَة مالئ الدُّنيا وشاغل الناس لِعَهدٍ طَوِيل فهل العمليَّة التَّعليميَّة تَحتاج هذا الشُّعور خَوفاً، وجلاً ورُعباً، هَل نَحتاجُ رَجُلاً يُغضى من مهابته فلا يكَّلم إلا حين يَبتَسمُ؟

  

صِرتُ استاذاً (قَدِّ الدنيا)

دارَت رَحى الزَّمن ومَضى قِطارُ العُمرِ فاستَجاب الله دُعاء تِلك العَجوز التي رَجت الله أن أكون أُستاذاً فَصرت، لكنِّي عَزَمت أَمري على أن أكون مُعلِّماً مًختَلفاً عن الصورة النمطية للمُعلِّم فكنت أحضُرُ مُبكِّراً لكي ألعب كرة القدَم مع الطَّلبة في مَلعَب المَدرَسَة، وأجمع الأوراق وأكياس الطَّعام مِن سَاحات المَدرَسَة بعد الاستراحة ،بَل وأتصافَح مَعهم بِطَرِيقَتِهم (طُخ كَف) التي تُصدِرُ تَصفيقاً ،أما في الفَصل فَقد سَمَحت للطَّلَبَة بالأكل والشُّربِ بما لا يُزعِجُ العَمليَّة الدراسيَّة في الفَصل كَان شِعاري في الفَصل "أريد عَقلَك فقط"، الفَصل مًستًنبت العلم والمعرِفَة لا سِجناً يلبث فيه الطَّلَبَة بِضعَ سَاعات، لَقد آليتُ إلا أن أكون معَلِّماً مَرِناً، مُتَفاعِلاً مع الطَّلَبَة ولذلك غَايَة في نفسي، حَيثُ إِنَّني في التَّعليم أَذهَبُ مَذهَب يَنُصُّ على أنني لابد أن أسعى إلى أن يُحِبَّ الطَّلَبَةُ المادَّ الدِّراسيَّة ثُّمَّ يُحِبُّوني كَمُلِّم ثُمَّ يأتي ثَالِثُ الأثافي وهو حُبًّ التَّعَلُّم، فصرت أُعطي الطَّلَبَة المَهام وأترك لَهم مَكان التَّنفيذ، أَذهَب لَهَم حَيثُ صَنَعوا تَعلُّمَهم الذي أُريد بالشَّكل الذي يُريدون، وَمِن هُنا بدأَت قِصَّتي مَع المُرونَة.

    

   

المُرونَةُ عَقليَّةٌ قَبلَ الأدوات

عِندَما نَتكلَّم عن المُرُونَة يَقفِز كَثيرٌ مِنَّا إلى الأمام ويُفَكِّرون في التكنولوجيا وأن الطَّالب يَستَطيع أن يدرُسَ متى شاء وأَينما شاء مِن خِلال تلك الأجهِزَة الذَّكيَّة، وهذا جزءٌ صَغير مِن المُرونَة التَّعلميَّة، لا نُنكرِ فَضلَ وَضرورة هذا الجزء لَكنَّ حَقيقة المُرونَة في التَّعلم كما يراها (سميث ٢٠٠٠) هي مرونتين، مُرونَة التَّوصِيل ومُرونَة المُحتَوى وبين المرونتين فرقٌ كبير، فالتَّوصيل المرن يركز على الخيارات المتعلقة بوصول المحتوى للمتعلمين (ماذا وأين ومتى) يحدث التعلم، يتعلق التسليم المرن في المقام الأول بإدارة وتنظيم توفير الوصول، فالتكنولوجيا لست قدراً اغريقياً في العَمليَّة التَعليمية (على أهَميَّتِها)، بل هي لا تَعدو أن تكون وَسيلة تحتاج إلى معلِّم ذو عَقليَّة فذَّة، ما يَعني أن المرونَة ليست مُرادفة للتَّعليم الالكتروني، إنَّما المُرونَة هي أن يَصِلَ المُحتَوى العِلمي للطَّالِبِ في الوَضعِ الذي يُريدُه الطَّالب كَي يتَقبَّله بِقَبولٍ حَسَن، فَمُرونَةٌ أن يَدرُسَ الطَّالب في الفَصل الموجود داخِل حُدود المدرَسَة في وَقتٍ مُحدَّدٍ (الحِصَّة الدِّراسيَّة) لكنَّه يَعلم أنَّ له مُهمِّةٌ مُعيَّنَة تُوفِّرُ له قَرار إنهاءِ فَصله في الوَقتِ الذي يُريد (وَقتَ انتهاء تلك المُهِمَّة) فِمنَ المُرونَةِ أن يَكونَ الطَّالبُ مُرتَبِطاً بِعَملِهِ وَجُهدِه، وبهِ يَكون قَد أخذَ مِن المُعلِّم السُّلطَةَ على الفَصل بِدايةً ونِهايَةً.

  

البيئة التَّعليميَّة المَرِنَة

لابد للتَّصميمات الفصلية والمدرسيَّة في هذه الأيَّام أن تُراعي أساليب التَّعلُّم الحديثة التي تُعِدُّ الطلابَ للحَيَاة المُستَقبليَّة وما بعد المدرَسة من جامعة ووظيفَة ومُجتَمعٍ مُتَفَتِّحِ المَصاريع والآفاق، في القرن الواحد والعشرين يُتوقع من الطلاب إظهار قُدرَةً مَعرفِيَّةً عَاليةً بأشكَالٍ مُختَلِفَةٍ مِثل الأسلوب العِلمي لِحَل المُشكِلات والتَّفكير النَّاقِد وغَيره في ضوء التَّقدُّم المُطَّرِد في العُمرَان والتَّقنيات مما أدى إلى مُرونة في كُلِّ شيء؛ لذلك صار من الضروري توفير بيئات تعلُّم مَرِنةٍ تدعم احتياجات التدريس وتَنَوُّعَهُ، مثل التَّعلُّم القائم على المشاريع ،التَّعليم الشَّخصي، التَّعلُّم التَّشاركي (داخل الفَصلِ وخَارِجَه) والتَّعلم القائم على التَّجربة، يجب أَنْ تكون المساحة قابلة للتَّكيُّف والسَّماح بحدوث أَنشطة تعليميَّة مُتعددة في وقت واحد؛ لأنَّ الفصل الدراسي المرن أمرًا أساسيًا لقدرة الطَّالب والباحث على التَّكيُّف مع الاحتياجات المختلفة. يجب أن يسمح التَّصميم بمجموعةٍ متنوِّعةٍ من بيئات التَّعلُّم وتنسيقات التجميع التي تأخذ في الاعتبار جميع ملفات نمط التَّعلُّم. كَما يجب تصميم الفصول الدراسية التي تركز على المتعلم لاستيعاب أشكَال التدريس والتعلم المختلفة، بما في ذلك الدراسة الفردية والتأمُّل، فغالبًا ما يقوم الطلاب ببناء تعلمهم الخاص فَيبدِعون في يبنون.

  

مبادئ التَّعليم المَرن

تَكتَسِب مُرونَة التَّعلم نَجحَها مِن خِلال التَّفاعُلِ بين جَناحيِّ العَمليَّة التَّعليميَّة (الطَّالب والمُعلِّم) فلا تَعليمات في التَّعلُّم المَرِن بَل اقتِرَاحَات ولا مُسلَّمات فَكلٌّ يُأَخَذُ ِمن قَولِهِ ويُرَد في الفَصل، لكن َّما يُميِّزُ التَّعلمَ المَرن أنَّ التَّركيز على الطالب مبدأٌ أساسيٌّ فيه، يقوم عليه المُحتوى المرن والتعلم المرن الذي هو التعليم الذي يركز على المتعلم. كما يَذكر (تشينغ وأندرسون ١٩٩٩)، فلابُدَّ مِنَ التركيز على اختيارات المتعلم وقرارات المتعلم. فلابُدَّ مِنْ تمكين المتعلمين من اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، كما يشارك المتعلمون بنشاط في القرارات التي يتخذها المعلم في إنشاء تجربة التعلم، ومبدأ آخر يَتَعلَّقُ بالمُعلِّم فَدَورُ المُعلِّم تَوجِيهيّاً اشرافيّاً لا قِياديّاً كَما يَذكُر (حَنَّا فين وهيل ١٩٩٧) فهو يعمل بشكل تعاوني مع المتعلِّم لتطوير فَهْم الكفاءات الرئيسيَّة التي يجب تَعلُّمها، أمَّا عن العلاقَة بين المُعلِّم والطَّالب في التَّعلم المَرِن هي أَنَّ الطَّالب مُفاوِضٌ في كُلِّ القَرارات التي اتخذت قبل دخول الطَّالب حَلَبَة التَّعلم كأنْ يشارك الطَّالِب في دورة أو ورشة عمل ما، فإن بعض القرارات، إن لم يكن كلها، يجب أن تكون مفتوحة للمناقشة. كجزء من المُرونَة، يجب أن يكون كلٌّ من المتعلِّم والمعلِّم مرنَين بالسَّماحِ بالتَّعديلاتِ تلبيةً للاحتياجات الفردية كَما أشار (أنطون، 1999) إلى أن التَّفاوض يمكن أنْ يُساعد في تمكين المتعلمين وتمكين أشكال متعددة من تفاعلات التعلم.

 

التَّعلم المَرن وبِنتي والدَّراجَة

ذَات مَرَّة اشتَريتُ لِبُنَّتي الصَّغيرة دَرَّاجَة، وعِندَما أركَبتُها على الدَّراجة ظَلَّت تَصرُخ أَبتاه لا تَتركني لا تَتركني وإلا سأسقط، بُعَيدَ فَترةٍ لَيست بالطَّويلة تَحسَّنَ أَداؤها تَغيرت صَيحتُها فأصبَحت تَقول ابتاه أُتركني أُتركني وإلا سأسقط، ِنَكُن مَرنين مَع الجَمِيع سيَّما في التَّعليم ذلكَ أن الأولادَ يَكبرون فَيُقرِّرون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

البرمجة تفجر طاقات أبنائنا واستثمارها في مكانها كما أنها تنمي لديهم ملكة التفكير وتجعلهم من مجرد مستهلكين لا يقدمون إضافة غلى مبدعين ومخترعين يساهمون في إثراء زادهم المعرفي.

في كلية دار العلوم؛ كان الإحساس الذي أرعبني، وجعل النفس تتوجس ما هو آت؛ أنني أضع قدما في عالم جديد وغريب، ولم أره في إعلام ما زال مستحيا بذلك الزمان.

الأكثر قراءة