التجربة الألمانية في التعامل مع جائحة كورونا

مما لا شك فيه أنّ وباء كورونا المستجد قد أثر على حياة البشرية قاطبة، فلا سفر ولا أعمال ولا استثمارات، وقد أغلقت الحدود، وعُزلت الدول، وانهارت اقتصاديات كبرى، جرّاء انتشار هذه الجائحة وفتكها بالآلف المؤلفة من البشر فضلًا عن ملايين المصابين المثبت تشخصيهم وآخرين لا يحصيهم العدّ ممّن لم يتم تشخصيهم حتى الآن. وقد تباين تعامل الدول واختلفت استجابتها لهذا المرض تبعًا لدرجة العدوى وعدد المصابين وإمكانيات الدول ووعي شعوبها. ولا ننسى أنّ شح المعلومات والخبرات السريرية وندرتها فضلًا عن تعمد إخفائها مع عدم وجود دواء فعال حتى الساعة، قد فاقم من هذه المشكلة، وزاد في عمقها، وأظهر أسوأ ما في الرأسماليات الجشعة.

ولن أتحدث اليوم عن آلية المرض، وطرق انتشاره، وفرص شفائه، وعواقب الإصابة به، فضلاً عن التجارب الدوائية الحالية، فالكلام هنا سيطول، لكننّي سأتحدث عن تعامل ألمانيا كدولة وكمؤسسات طبية مع جائحة كورونا، وكيف تفوقت على مثيلاتها من الدول المتطورة، ولمَ انخفضت نسبة الوفيات فيها، وكيف أصبحت أول دولة في العالم تسيطر على هذه الجائحة القاتلة. ولمزيد من الفائدة سأعمد إلى تقسيم الأسباب لأسباب عامة باستطاعة معظم الدول تطبيقها، وأسباب خاصة تميزت فيها ألمانيا بسبب قوة اقتصادها وكثرة مواردها وتجربتها الصناعية الرائدة.

1. الأسباب العامة:

أ- سرعة الاستجابة
فقد قامت ألمانيا منذ دخول جائحة كورونا أراضيها وفي وقت مبكر بوضع خطة طوارئ للتعامل مع المرض وتجنب انهيار القطاع الطبي فيها، وسرعة استجابة ألمانيا تبدو أكثر وضوحًا إذا علمنا بأنّ استجابتها للجائحة كانت قبل ثلاثين يومًا من بدء استجابة بريطانيا لها.

ب- حصار المرض جغرافيًّا

حرصت ألمانيا على توفير الأمن الغذائي وعدم إثارة أي رعب بين المواطنين، فإمدادات الغذاء والمواد الحياتية الأساسية متوفرة كالمعتاد، دون نقص واضح يؤثر على نوعية الحياة والعيش

فقد قامت ألمانيا بتقسيم دول العالم إلى دول خطر عالٍ ودول خطر منخفض، وكانت خارطة هذه الدول تُحدّث يوميًّا، فعلى سبيل المثال اعتبرت مناطق شمال ايطاليا مناطق حمراء وباقي المناطق أقل خطرًا، ولم تلبث هذه الدائرة الحمراء أنْ اتّسعت وشملت ايطاليا كلّها بأسابيع قليلة، والكلام نفسه ينطبق على مصر وإيران والصين وكوريا الجنوبية وغيرها. إضافة إلى ذلك فقد تمّ تقسيم المناطق الجغرافية بألمانيا إلى مناطق خطر مرتفع كولاية بفاريا وولاية شمال الراين، ومناطق خطر منخفض كمناطق شمال ألمانيا.

ج- إغلاق الحدود
لا يخفى على متابع حساسية ألمانيا كبلد يقود الاتحاد الأوروبي الذي لم تغلق حدوده البينية منذ تأسيسه، وكم سيكون لقرار إغلاق الحدود من أثر سلبي على البيت الأوروبي. ولتجنب هذا الإشكال فقد مهّدت ألمانيا لذلك أولًا باغلاق حدودها مع الدول الأوروبية غير المشمولة باتفاقية شنغن، ثم توسعت لإيقاف طيرانها الخارجي وإغلاق مطاراتها، منتهية إلى السماح الفعلي بعبور الإمدادات الغذائية والإمدادات الطبية والتضييق العالي على ما سواها.

د- التباعد الاجتماعي
لم تفرض ألمانيا حتى اليوم حظر التجوال على مواطنيها، لكنّها منعت التقاء أكثر من شخصيين مع المحافطة على مسافة المتريين بينهما، ووضعت غرامات متفاوتة وتهديد بالسجن للمخالفين.

هـ- الإغلاق الكامل
أغلقت ألمانيا جميع المتاجر والمحال والأندية والمقاهي في البلاد واستثنت فقط محالات المواد الغذائيّة والأفران وخدمات النقل والخدمات الطبية، فقلّلت بذلك من احتكاك المواطنين فيما بينهم.

و- خطة الطوارئ الطبية
وهي الخطة الأساسية التي تعاملت بها الدولة الألمانية مع هذه الجائحة، وهذه الخطّة تحتاج لشرح مستفيض، ولكنّ يمكننا تلخيصها بالآتي: فقد أوقفت ألمانيا جميع الإجراءات الطبية الباردة والعمليات الجراحية غير الحرجة، ووجّهت قدرتها المالية والطبية للتعامل مع الخطر الجديد؛ وبذلك أدّى انخفاض العمليات الجراحية الباردة إلى انخفاض الحاجة اليومية لأسرّة العناية، وبهذا تمّ تخصيص أسرة عناية أكثر لمرضى كورونا، إضافة لتخفيف الضغط على الكادر العامل ومن ثم توجهيه للتعامل مع جائحة كورونا بوحدات الإسعاف أو أقسام العزل أو العناية. كما قامت الحكومة الألمانية بمنع دخول أيّ شخص لأيّ منشأة طبية باستثناء الكادر الطبيّ والمرضى أنفسهم فحدّت بذلك من العدوى داخل منشآتها، وخصصت خيمًا معزولة وضعتها أمام المستشفيات والمرافق الطبية، بحيث يتمّ تقييم حالة المريض إن كان بحاجة لدخول المستشفى أو يُكتفى باستشارة سريعة لا تتضمن دخوله المنشأة.

ز- التعامل مع المرضى المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا
التعامل الأول معهم يتمّ مباشرة في الخيم الموجودة أمام المنشآت الطبية، مع الحرص على عدم قبول المريض بالمستشفى إلا للضرورة القصوى، فأي مريض يشتبه به يتم أخذ عينة منه، وإعادته إلى بيته على أن يلتزم الحجر المنزلي إلى أن تتصل به مديرية الصحة وتخبره بالنتيجة، فان كانت إيجابية لزم بيته لمدة أسبوعين، وإن كانت سلبية سمح له بالمغادرة. أما عن المرضى المحتاجيين للإقامة بالمستشفى لأسباب تنفسية أو غيرها، فيتم تقسيمهم إلى قسمين؛ قسم يحتاج للقبول بقسم عزل عادي ولايحتاج تنفس صناعي مساعد، فهذا يدخل للمستشفى بشروط عقامة ونقل صارمة جداً، تتضمن مدخل خاص فيه، ويبقى في المكان المخصّص إلى أن يتعافى، وقسم آخر ينقل حسب الحاجة لقسم عناية معزول، فيه أجهزة تنفس صناعية مساعدة، يبقى فيها إلى أن تتحسن حالته ثم يحول لقسم العزل.

ح- إمدادات الغذاء
حرصت ألمانيا على توفير الأمن الغذائي وعدم إثارة أي رعب بين المواطنين، فإمدادات الغذاء والمواد الحياتية الأساسية متوفرة كالمعتاد، دون نقص واضح يؤثر على نوعية الحياة والعيش.

2. الأسباب الخاصّة:

أ- الفحوص الطبية
إنّ القدرة الطبيّة الهائلة التي تمتلكها ألمانيا في إجراء فحوص للكشف عن فيروس كورونا مكنتها من محاصرة هذه الجائحة بشكل مبكر، وللمقارنة يكفي أن نعرف أنّ بريطانيا في بداية الأزمة كانت قادرة على أن تجري قرابة ثمانية آلاف فحص اسبوعياً للكشف عن كورونا بينما كانت ألمانيا تجري أكثر من ثلاثة وثمانين ألف فحص اسبوعياً، علماً أنّ هذا الرقم تضاعف حالياً بشكل كبير. وليس عدد الفحوص وحده هو الفارق بل سرعتها أيضا، فبينما تنتظر ببريطانيا أربعة أيام لتظهر نتيجة الفحص، كانت النتيجة في ألمانيا تظهر خلال ستة عشر ساعة. أضف إلى ذلك بأن ألمانيا وبعد انتهاء ذروة المرض توجهت لإجراء فحص الأجسام المضادة على عينات مختلفة من المواطنين، بقصد كشف المصابين الذين لم تظهر عليهم أيّة أعراض مرضية.

ب- أسرّة العناية
المحدد الحقيقي لعدد حالات الموت والشفاء من المرض في المرحلة المتقدمة بعد إرادة ربّ العالمين سبحانه هو توفر أسرّة العناية، فأغلب الوفيات تحدث بسبب قصور تنفسي يعزى لآليات عديدة. وفي حال توفر أسرة العناية تتوفر الإمكانية والوقت لعلاج القصور التنفسي، أمّا إن انعدمت فنرى ما رأيناه في إيطاليا والصين من موت الناس على الطرقات. ويكفي أن نعلم أنّ إيطاليا توفر فيها قبل هذه الوباء ما يقارب من 18 سرير عناية لكل مئة ألف مواطن، بينما ألمانيا توفر فيها 35 سرير عناية لكل مئة ألف مواطن، أي حوالي الضعف تقريباً. ومع انتشار جائحة كورونا رفعت ألمانيا عدد أسرة العناية فيها من 28 ألف في بداية شباط إلى ما يقارب 40 ألف بداية آذار، أي زيادة قرابة 12 ألف سرير عناية خلال شهر واحد. وإنّ ممّا أعلنته السلطات الصحية الألمانية والتي جعل العالم يقف باحترام لهذه التجربة الطبية الرائدة بأن المنظومة الصحية قادرة الآن وفي وقت واحد على استيعاب عشرة آلاف مصاب بفيروس كورونا يحتاجون للعناية الطبية الفائقة دون أن تنهار المنظومة الطبية فيها.

ج- المساعدات المالية
جلوس الناس في المنازل مع إغلاق أغلب المحال والشركات هو كارثة اقتصادية على الجميع فضلاً عن محدودي الدخل، لذلك أعلنت الدولة الالمانية عن مساعدات مالية عاجلة للأسرة التي تمتلك أطفالاً، كما قدّمت مساعدات مالية للشركات الصغيرة، أضف إلى ذلك فقد قدّمت مبلغ 50 ألف يورو لكل مستشفى توفر سرير عناية إضافي فيها.

د- خدمات التوصيل المنزلي
ثقافة الشراء عن طريق النت منتشرة بقوة في ألمانيا وتعززت كثيرًا مع انتشار المرض، ولك أن تتصور أن بامكانك شراء أي شيء تحتاجه وسيصلك للبيت.

وأخيراً: هو بركة السوريين
فألمانيا التي استقبلت آلاف المهجّرين من سورية وقبلها العراق وأفغانستان وكوسوفو بدأت تجني ثمار عملها سريعاً، فألوف الأطباء السوريين وغيرهم من العاملين بالمجال الطبي والبحثي يخدمون الآن المنظومة الطبية الألمانية ويعززون قوتها على الصمود، وتراهم مع غيرهم بخطوط الدفاع الأولى في مواجهة هذا الوباء.

ويبقى لهذه التجربة تفاصيل عديدة لا تحتملها مقالة كهذه، من نواحٍ سلبية لم تخلُ منها، أو تجارب بحثية رائدة لإيجاد لقاح للفيروس المستجد تجلت أخيراً ببدء التجارب السريرية على البشر، وهي واحدة من أربعة دول وصلت لهذا المستوى حالياً. ويكفينا الآن أن تستفيد شعوبنا ودولنا من هذه التجربة، سائلين المولى عز وجل أن يرفع عنا هذا البلاء ويكرمنا بالصحة والعافية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة