أطباء بمصحّات الحجر الصحّي.. وجهًا لوجه أمام فيروس كورونا

ما زال كثير من الجزائريين إلى غاية اليوم، يُطلقون على الطبيب اسم الحكيم، تقديرًا واحترامًا لمكانته الاجتماعية والوظيفية، ولكن مع انتشار فيروس كورونا في البلاد، مُنحت للأطباء صفة القوّة والصلابة ورباطة الجأش، وأصبحوا يوصفون بـ "الجيش الأبيض"، تقديرًا لتضحياتهم في هذا الأزمة، رغم مخاطرها المختلفة وظروفها القاسية، وتبعاتها النفسية التي أثرت أيضًا على علاقاتهم العائلية، فاجتمعت في الأطباء صفتا الحكمة والقوّة.

حالة تأهّب

وجدوا أنفسهم في مواجهة عدوّ خفيّ، حيث كانت المواجهة في البداية كانت عنيفة جدًا، إذ فجأة بدأ عدد الإصابات يرتفع، وتوسّعت رقعة انتشار الفيروس في كامل البلاد، ما جعلهم يرفعون حالة التأهّب والحذر إلى الدرجة القصوى، تقول الأخصائية في أمراض الأوبئة، سمية عثماني من مستشفى مصطفى باشا الجامعي، موضحة لـ "الترا جزائر"، أنه مع مرور الأيام والأسابيع، "كان كثيرون من أعضاء السلك الطبي، ومستخدمي قطاع الصحّة، لا يغادرون مكان عملهم إلا للضرورة القصوى".

يعيشون حالة ارتباك وتوجّس دائم، "الوضع مقلق لا محالة"، تستطرد الدكتورة عثماني، موضّحة أن الجميع يشعر بالخوف من العدوى، ويخاف أيضًا أن يكون سببًا في نقلها لأهله، في مقابل ذلك "لا يتوانى عناصر الجيش الأبيض من أطباء وممرّضين وعاملي نظافة وسائقي سيارات الإسعاف عن تقديم المساعدة، والتسريع في الكشف عن الإصابات، فالأمر ليس هيّنًا، ولكنّه في النهاية مواجهة حتمية مع فيروس أنهك الآلاف في العالم".

رغم تقاعدهم، تطوّع عشرات الأطباء المتقاعدون في المستشفيات والمصحّات، كجنود يعودون إلى جبهات القتال بعد انقطاع طويل، الفرق في وسط هذه الأزمة، أن العدو غير ظاهر يحاربونه بالمنطق والعلاج

في المستشفيات، صار كثير من الأطباء والمستخدمين في قطاع الصحة لا يزورون أهلهم، بسبب تفشي الفيروس، وانحصر وجودهم في قلب الأزمة والمواجهة، كجنود مستعدين لأيّ معطىً جديد. بعضهم اختار معسكر الدفاع عن حياة الآلاف، عبارة يقولها الدكتور محمد بن صفية من مستشفى القطار للأمراض المعدية بالجزائر العاصمة، فليس الأطباء وحدهم من يتكبّدون مشقّة الأزمة الوبائية، هناك أسلاكٌ كثيرة تصارع اليوم الوباء، ومنها من ينتظر تحليلًا بسبب الفيروس الذي لا يفرّق بين طبيب وممرض وسائق سيارة إسعاف وعاملة نظافة.

في المستشفيات عبر مختلف ولايات الوطن، التي باتت اليوم عبارة عن مدن "ميتة روحها" يقول الدكتور بن صفية، في حديث إلى "الترا جزائر"، رغم الحركة التي بدأت تعود تدريجيًا للمدن، مضيفًا أنّه بصفته طبيبًا مختصًّا، يعيش الحالتين حزنًا وفرحًا، "فمن نكتشف أن تحليله سالب يفرح ونفرح معه، ومن نكتشف أن تحليله موجب يحزن ونحزن لأجله".

وراء غرف الإنعاش وجع كبير، أطباء يمسكون بخيط نجاة رفيع لشفاء مرضاهم. أشياء كثيرة تحدث بين لحظة وأخرى، عائلات تنتظر، مخاوف كبيرة لديهم وأفكار سوداوية، "أن تفقد عزيزًا عليك، وأن تكون من بين المفقودين أيضًا، فالفيروس يُعدي بشكلٍ غير واضح" تتحدث المختصّة النفسانية زهيدة برابح من مستشفى فرانس فانون بالبليدة، لـ "الترا جزائر"، وتردف قائلة: "في اليوم الواحد صرت لا أعرف الليل من النهار، خصوصًا و أن كثيرين من أعضاء السلك الطبّي متأهّبون لأيّ ظرف، ويوجدون في حالة يقظة مستمرّة على مرّ الساعات والأيّام"، مذكّرة أن العلاج وحده لا يكفي في تهدئة روع الأهل، وتبديد مخاوفهم من الإصابة بالفيروس، على حدّ قولها.

مخاوف وتضحية

طواقم طبيّة مجنّدة عبر أغلب المستشفيات الجزائرية، وفِرق لقيت احترامًا وتقديرًا من الشّعب الجزائري دون استثناء، باعتبار أن الواجب الإنساني الصحّي أسمى من أيّ واجب آخر، يقول الممرض عبد الرزاق. م، في حديث إلى "الترا جزائر"، مشيرًا إلى أنه وجد صعوبة في الالتحاق بسكنه، ويعلّق قائلًا: "كم هو مؤلم أن تعود لبيتك متخفيًا، فقط لترى أبناءك مرّة في الأسبوع، فالوضع يدفعني للبقاء في المستشفى لمدّة طويلة متواصلة". ممرضون رفعوا التحدي، رفقة الأطباء والأخصائيين والمخبريين، من أجل إنقاذ المرضى، والتخفيف عن المصابين، إذ يلتحق عبد الرزاق بعمله كل صباح على الساعة الثامنة، وبات اليوم يقضي أكبر وقت بين أروقة مستشفى مصطفى باشا الجامعي، وغالبًا ما يُعاني من أرق النوم، ومن التعب المضني، خصوصًا في أوقات الذروة، وتهدئة المصابين من روع اكتشاف الإصابة بالفيروس، وطمأنه الأقارب وخصوصًا الأهل، بينما في لزاوية المقبلة فإن عائلة كل مريض تكون أصابع احتمال الإصابة قائمة، يضيف المتحدّث.

رغم تقاعدهم، تطوّع عشرات الأطباء المتقاعدون في المستشفيات والمصحّات، كجنود يعودون إلى جبهات القتال بعد انقطاع طويل، الفرق في وسط هذه الأزمة، أن العدو غير ظاهر يحاربونه بالمنطق والعلاج الذي مكّن العشرات من التّعافي، حالة الدكتور حاج إبراهيم جمال، المختصّ في الأمراض التنفسية بمستشفى البليدة، فهو الذي قارب سن الثانية والسبعين، إلا أنه رجع إلى مكان شغفه الأوّل، لتقديم الأمل على الحياة للمرضى، ورؤية مريض يتعافى، على حدّ تعبيره. يقف الرجل ذو المئزر الأبيض، بين جدران مستشفى شهد أفراحه وأتراحه، منذ أيام الأزمة الأمنية التي عاشتها الجزائر، يردد قائلًا: "الموت واحد، نحن بشر، نحن لبيوتنا وأولادنا وعائلاتنا، لكن الواجب ينادينا كل يوم هنا أو في أي بقعة في الأرض".

متابعة مستمرة

يقضي الأخصائيون معظم وقتهم في متابعة المرضى بفيروس كورونا، في البليدة التي كانت بؤرة الوباء، منذ نهاية شباط/فبراير الماضي. دورة حياة يومية يقضيها الآلاف من السلك الطبّي في مختلف المؤسّسات الصحّية في الجزائر، على أمل شفاء المرضى وتعافيهم وعودتهم لأهاليهم. لم تكن سمية بومعزة تظنّ أنها ستسلك مسلك التعليم في الشبه الطبّي، وهي اليوم تبلغ 34 سنة، ولها ابنة ذات سنتين، تقول في حديث إلى "الترا جزائر" أنها تركت ابنتها عند أهلها، لخوفها الشديد أن تصاب بالفيروس وتنقله لابنتها، لكنّها في الوقت نفسه، تعلمت أن تشتغل في أصعب الظروف والحالات، على أمل أن ترجع حياة الجزائريين إلى طبيعتها ما قبل فيروس كورونا، كما قالت.

احتواء الوباء

كثيرون اختاروا الالتحاق بمصلحة الإنعاش، على مستوى المستشفيات، وهي المصلحة التي تضمّ الإصابات الخطيرة بفيروس كورونا، إذ كشف كثيرون أن الفرق الطبيّة التي تواجه الوباء، هي أيضًا معرضة لمخاطر الإصابة بالفيروس، خصوصًا إن كانت الحالات المصابة تحتاج إلى تواجد مستمر على مدار الأربع وعشرين ساعة للأطباء والممرّضين. في هذه المصلحة لا يحتاج المريض فقط للعلاج بل إلى عناية خاصّة جدًا، يضيف المختصون في تصريحات متفرقة لـ "الترا جزائر"، خاصة الاعتناء بنظافتهم ومعاينة مدى تعاطيهم مع العلاج الذي قدّم لهم".

لا يُعرف متى ستنتهي أزمة كورونا، لكن الثابت أن الأطباء في الجزائر، كما في كل دول العالم، سيخرجون بثلاث مكاسب على الأقلّ، إضافة إلى التقدير المادي الذي مكّنهم منه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ووعوده بمراجعة أجورهم. ثمّة تقدير اجتماعي كبير واستعادة للحظوة الاجتماعية، وثالثًا توجه الحكومة نحو تحسين البحث العلمي والطبّي، والاهتمام بهذا القطاع الحساس، الذي كشف الوباء عن هشاشته منذ البداية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة