الأسوأ ينتظر الفلسطينيين بعد كورونا

الأسوأ بالنسبة للفلسطينيين سيأتي بعد كورونا، وسيكتشفون أن كورونا كانت نعمة أجلت الشروع في تطبيق صفقة القرن على الأرض، وخلطت الأوراق إلى حين، لكن كورونا في المقابل مثلت كذلك فرصة لبعض الأنظمة العربية لتكتسب قدرا من الشرعية التي رممت بها كياناتها المتهالكة قبل الوباء، استعدادا للخطوة القادمة وهي القيام بالدور المطلوب منها في سياق صفقة القرن، ويبدو جليا أن نتنياهو لا يلقي بالا لتهديد عباس ولا لوعيد الأردن أو غيرها من الأنظمة العربية لأن قناعته بأنهم جميعا ليسوا جادين في مواجهة صفقة القرن، وكل طرف منهم يسعى لإنجاز صفقته الخاصة ومقايضتها بالقضية الفلسطينية، لينتهي المراقب للأسف لقناعة مفادها أن الفلسطينيين ينطبق عليهم المثل القائل: كالأيتام على موائد اللئام.

 

ما أتوقعه ولا أرجوه أن تبدأ حملة شرسة ضد الفلسطينيين من كل أطراف الصفقة  لتركيعهم، يزيد لدي عدم التفاؤل الذي انطلق منه أعلاه ما زعمته صحيفة "يسرائيل هيوم"، في تقرير لها الأربعاء بأن دولاً عربية قد لا تعارض خطة ضم المستوطنات وغور الأردن بشكل فعلي، خلافاً لتصريحات القادة السياسيين فيها، وادّعت الصحيفة اعتماداً على تصريحات نسبتها لمصدرين أردني ومصري رفيعي المستوى، أن معارضة قرار إسرائيلي تقدم عليه حكومة الاحتلال لضم أو فرض السيادة والقانون الإسرائيلي على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة ومناطق من غور الأردن، لن تكون فعلية، ولن تؤدي إلى شرخ في العلاقات بين دول مثل الأردن ومصر وإسرائيل، ولن تدفع دولاً عربية في الخليج إلى التحرك ضد مثل هذا القرار.

 

ووفقاً للتقرير المذكور، فإن ما يدور وراء الكواليس مغاير كليا للتصريحات العربية المعلنة، فقد بارك ممثلو هذه الدول في لقاءاتهم في الأشهر الأخيرة بالمفوضين المبعوثين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب  خطة صفقة القرن وفقا لما نشرته الصحيفة، إلا أن  المنطق مازال يقول أن الأردن على سبيل المثال سيكون الخاسر الأكبر من تلك الصفقة إذا ما تم إنجازها، وأن تصريحات مسؤوليه وقيادته بالمقابل حتى هذه اللحظة رافضة للمشروع برمته، بل وتعتبره تهديدا للأمن القومي، لأن تطبيق الصفقة يعني أن يتحول الأردن أوتوماتيكيا لفلسطين، وأن تبدأ مباشرة عملية ترانسفير ممنهجة لمن سيبقى من فلسطيني الضفة مقطعة الأوصال للأردن، وفي هذا السياق وبالعودة للسنوات الماضية فإنه لا يمكن فهم الحصار الخليجي للأردن المستمر منذ 2013 إلا أنه محاولة لتركيعه واكراهه على الموافقة على صفقة القرن وأن يتحول لإسفنجة تمتص ضحايا الترانسفير الجديد من فلسطينيي الضفة.

 

ولو أردنا وضع التفاؤل جانبا فيبدو أننا سنشهد في القريب تطبيقا كاملا لصفقة القرن، إذ لا يمكن فهم هذا السعار العربي وحملات التحريض ضد الفلسطينيين سوى أنها مقدمة للإعلان عن علاقات رسمية مع إسرائيل، فالنظم العربية ومنذ انتفاضات 2011 باتت تكره ثلاثة كلمات : الشعب، الديمقراطية، وفلسطين، فالشعب الذي خرج للشوارع مطالبا بالديمقراطية والحرية، طالب في نفس تلك التظاهرات بتحرير فلسطين، ما جعل تلك النظم  تريد وأد المتلازمة الثلاثية تلك، فهي لا تريد شعبا بل قطيع، وهي نظم ديكتاتورية تناصب ليس فقط الديمقراطية بل كل من مر يوما من جانب نظام ديمقراطي العداء، وبالمحصلة تكره فلسطين لأنها محور الارتكاز في مثلث النهضة والانتفاضة العربية .

 

تلك الأنظمة أيضا وفي سياق سعيها للحفاظ على عروشها تسعى للتقرب لأمريكا عبر البوابة الإسرائيلية، إذ باتت مبكرا على قناعة بأن أقصر الطرق لرضى واشنطن هو طريق تل أبيب، وأن لا رب يعبد إلا سيد البيت الأبيض، ويبدو أن الولايات المتحدة ومنذ شرعت في الانسحاب من المنطقة قد أخبرت الدول العربية بأن وكيلها الحصري عقب الانسحاب سيكون إسرائيل.

 

بالمقابل فإن على تلك الدول أن تدرك أن إسرائيل نفسها لن تكون آمنة، حتى لو قامت بدور شرطي المنطقة، فكما تراجعت أهمية المنطقة ودول عربية كثيرة فيها من على سلم اهتمام الولايات المتحدة، فإن أهمية إسرائيل ستتراجع خلال العقد القادم الذي ستكون فيه أمريكا متفرغة لشيء واحد وهو مواجهة الصين، وعلى العرب أن يتذكروا أن شاه إيران الذي كان شرطي واشنطن وتل أبيب لم يجد عاصمة ليهبط فيها بعد أن قوضت الثورة أركان نظامه.

 

بالعودة لصفقة القرن، ربما تطبق لكن نجاحها ليس قدرا، كما أنها لن تنجح في إلغاء القضية والشعب، لأن 70 أو 80 أو مئة عام ليست شيئا في التاريخ، ولأن لا فلسطينيا على الأقل حتى كتابة هذه السطور أعطى شرعية لتلك العملية المشبوهة، ولأن الله في السماء وليس في البيت الأبيض كما ينص دين بعض القادة الجدد.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة