الثورة السودانية عامٌ من الإحباط والأحلام المسروقة

ذكر جيمس الان سميث في كتابه "سماسرة الأفكار" والذي يدور محوره حول فئة صنّاع القرار السياسي والمتضمن لنبذة عن خطابات الساسة في أمريكا ووعودهم الإنتخابية؛ ذكر فيه أن جاليفر في إحدى رحلاته زار أكاديمية لاجادو بإقليم بالنيباربي حيث كانت المشاريع المعدة للتنفيذ عبارة عن أستخلاص أشعة الشمس من الخيار، وبناء المنازل من السطح إلى أسفل، وتدريب الخنازير على حرث الأرض بأستخدام أنوفها وغيرها من المشاريع بعيد الأحتمال، حينها تساءل كيف يكون هؤلاء الأكاديميين فاقدي الصواب مقربين من السلطة السياسية الحاكمة!.

 

يقول نجيب محفوظ أن الثورات يخطط لها الدهاة وينفذها الشجعان ويجني ثمارها الجبناء، وأُضيف أن الثورات عادة تبدأ كفعل طبيعي مثل رزاز الأمطار شيء من العدم وإلى أن تكاد تبلغ ذروتها وشدتها القصوى يبادرها بالدعم سواء كان مادياً أو معنويا ً الذين يتربصون بها وغالباً هؤلاء هم من يجنون ثمارها بعد النجاح، كل ذلك عبر سماسرة ومتعاونين من الثوار أنفسهم فقط صفتهم أنهم قليلو الطموح كثيرو الصياح، وهؤلاء يطلق عليهم نشطاء الثورة أي الأدوات التي تمهد وتساعد على سرقة الثورة، كل ذلك يحدث عندما يكون الفعل الثوري فعل غير مدرك لواقعه جاهلٌ بتفاصيله مرتبكٌ في أهدافه لا يتأمل ويتدبر ماضيه ولا يحسنُ قراءة مستقبله، حينها تُسرق الأحلام ويخيم الإحباط والحزن على فقدان المجهود والأمل.

 

لم تكن ثورة السودانية التي كللت بإنقلاب اللجنة الأمنية للنظام السابق في أبريل 2019م ثورة سياسية محضة، بما يعني أن الذين خرجوا في الشوارع والطرقات منذ سبتمبر2013م وإلى لحظة إسقاط النظام، كانت أهدافهم وطوحاتهم إقتصاديةٌ بحتة؛ فبداية الشرارة وقوتها كانت في 2013م إبان رفع الدعم الجزئي عن السلع والخدمات، أي بعد عامين من فقدان السودان لأكثر من 90% من إيراداته المالية، العائدة من نفط دولة جنوب السودان، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الأوضاع الإقتصادية تسوء عاماً بعد عام؛ تدهورٌ إقتصادي مريع وغلاءٌ في المعيشة وندرة في السلع وتراجعٌ للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية، مع أرتفاع جنوني في مستوى العام للأسعار.

هذا الوضع خلق أرضية قوية للقوى السياسية المعارضة التي سعت إلى تغيير النظام الحكم، فالدولة أصبحت عاجزة عن تدبير أمرها المعيشي فسياسة "رزق اليوم باليوم" كانت السمة الغالبة لأداء الحكومة كذلك عجزت الدولة عن الحصول على الدعم الخارجي من قبل المؤسسات المالية العالمية بسبب الحظر الإقتصادي من قبل الإدارة الأمريكية، فعملت الأحزاب المعارضة في السودان وجماعات الضغط مثل تجمع المهنيين على تعبئة الشارع ضد النظام القائم بوعود مثل زيادة الأجور وتحسين المعيشة وبناء نظام إقتصادي متقدم ومتطور ومحاربة الفساد والمحسوبية، والتنافس العادل على الوظائف العامة، فتعلقت بها آمال هذا الشعب عسى أن تكون واقعاً حقيقياً بعد نجاح الثورة.

 

بعد سقوط نظام البشير استبشر الشعب السوداني خيراً؛ فالنظام الذي كان يحول بينه وبين تحقيق وعود "قحت" أصبح من الماضي الآفل بفضل تضحياته الجسام، كانت الوعود كبيرة جداً تكاد تشبه مشاريع أكاديمية لاجادو في إقليم بالنيباربي من حيث عدم واقعيتها وتنفيذها وبقدر تلك الوعود كانت هنالك أحلام في كل عقل وقلب شاب وشابة في السودان، كان أملاً بلا حدود شاسعاً كمساحة هذا الوطن صادقاً كصدق نهرالنيل العظيم الذي أقسم أن لا يتوقف أبداً، كان كل مواطن ينظر ويتأمل مستقبله يخطط له ويرسمه على نغم وموسيقى شعارات الثورة، كان الجميع يعتقد أن هؤلاء وجدوا عصا موسى فالوعود لا تأتي من فراغ في هذا الزمان، ولكن وعود قوى الحرية والتغيير"قحت" كسراب بقيعة فمنذ صعودهم على أكتاف شهداء الثورة إلى السلطة لم يجد الشعب عندهم شيئا.

 

ومنذ تشكيل حكومة عبدالله حمدوك لم يطرأ تحسن على الحياة الإقتصادية المتمثلة في ضروريات المواطن بالرغم من الدعم الدولي الذي حظيت به تلك الحكومة، فالإمارات والسعودية دعمت حكومة الثورة بملبغ ثلاثة مليار دولار، 500 مليون دولار كانت عبارة عن وديعة إستثمارية والمتبقي عبارة عن سلع ضرورية ومواد بترولية ودواء، كل ذلك مع توقف أكثر من 70% من مصروفات الدولة على الجهاز الحكومي، بما يعني بأن هذه الأموال من المفترض أن تصبح فائضاً تُدعم به مشاريع التنمية، فالدولة منذ سقوط حكومة البشير أصبحت بلا حكومات ولائية ولا مجالس تشريعية ولائية ولا مجلس وطني ولا مجلس ولايات ولا اتحادات مهنية ولا نقابات عمالية، فالسؤال البديهي أين ذهبت تلك الأموال؟.

 

شواهد العجز واستمرار التدهور الإقتصادي في عهد حكومة الثورة كبيرة جداً بالرغم من مرور ثمانية أشهر على توليها مقاليد الحكم، فأصبح المواطن غير قادر على الحصول على حاجته من الخبز والغاز والوقود خلال اليوم واحد! فمتوسط انتظاره في إحدى الصفوف ما بين ثلاث ساعات إلى أربع وذلك من أجل الحصول على سلعة واحده ضرورية منقوصة المنفعة الحدية، وربما انتظر ذلك الوقت وعاد إلى منزله بخفي حنين، كل ذلك مع إصرار من قبل حكومة حمدوك على رفع الدعم الكامل عن السلع والخدمات الإساسية في البلاد إستجابة لروشتة البنك الدولي، والذي اشترط على الحكومة تطبيق سياسة التحرير الكاملة من أجل توفير الدعم الدولي لها، فبدأت فعلياً بالرفع الجزئي عن الوقود فأصبح للوقود سعرين سعر مدعوم وسعرتجاري وبرغم ذلك لم تبارح الأزمة مكانها فحتى الوقود غير المدعوم لم تستطع الحكومة توفيره.

هذا الوضع أصاب الجميع بالإحباط والتذمر فبعض أيقونات الثورة وأفراد من الشعب اليوم يعقدون مقارنات بين عهد حكومة الثورة وعهد النظام السابق، البعض منهم يؤكد على أفضلية العهد السابق الذي لم تكن فيه الحياة الإقتصادية بتلك الصعوبة والمشقة، وكانت المفارقة الكبرى وقمة الفشل واليأس عندما شكلت حكومة الثورة بقيادة الخبير الإقتصادي حمدوك لجنة إقتصادية معنية بالتصدي للتدهور الإقتصادي وتحسين معاش المواطن والتي أوكلت رئاستها للفريق حميدتي مع آخرين، ذلك الرجل الذي قيل فيه ما قيل من حيث قلة التأهيل والكفاءة ومن حيث إتهامه بمعاداة الثورة والثوار.

 

هذا الوضع المتدهور أفرز غضباً شعبياً كبيراً جداً، فالاحتجاجات الشعبية اندلعت في أكثر من مدينة في السودان مطالبة بتوفير الحد الأدنى من الإحتياجيات اليومية للمواطن متهمة الحكومة بالعجز الكامل عن توفيرها وتحقيق مطالبها الثورية، ومتهمة النخبة والأحزاب السياسية بسرقة الثورة والتمكين لبرامجها السياسية والإيدلوجية وتنفيذ بعض الأجندة الخارجية داخل الوطن، فالفساد في تلك الحكومة بلغى مبلغه؛ تمكينٌ حزبي واضح على مستوى الخدمة المدنية وتعدي على الممتلكات الخاصة والعامة بدون مسوغ قانوني وهو ما يعد خرقاً للوثيقة الدستورية التي كفلت حق التملك الشرعي وغيره، كل ذلك عبر لجنة إزالة التمكين التي ارتكبت أخطاء جسيمة من حيث طريقة عملها المنافية للأعراف القانونية من حيث المصادرة وتوجيه التهم.

 

الحد الأدنى من شعارات الثورة "حرية-سلام-عدالة" لم يحظَ كذلك بإحترام السلطة الحاكمة، فأول ما انتُهِكت على يدها حرية الإعلام والإعلاميين فصودرت الصحف واغلقت القنوات الفضائية في عهد وزير الإعلام الذي ينحدر من السلطة الرابعة نفسها بقوة السلاح، في حين فشلت الفترة الزمنية التي نصت عليها الوثيقة الدستورية بخمسة أشهر في تحقيق السلام الشامل في البلاد، فالحركات المسلحة اتهمت حكومة حمدوك بأنها أسوأ من حكومة البشير التي كانوا يقاتلونها بل بعض منهم هدد بإستخدام السلاح ما لم تستجيب الحكومة الحالية لمطالبهم، أما الشعار الثالث والأخير كان أكثر الشعارات إنتهاكاً فالعدالة ظلت عاجزة تماماً في ملاحقة مرتكبي جريمة فض الإعتصام الشهيرة. كذلك عجزت تلك الحكومة في إسترداد الأموال المنهوبة التي قدرت من قبلهم بمبلغ 164 مليار دولار، كما عجزت عن محاكمة رموز النظام السابق الذين يقبعون في سجونها منذ عامٍ كامل دون أن توجه لهم تهماً أو تقدمهم لمحاكمة قانونية، بل أصبح الشاكي هو النائب العام نفسه بما يعني أنه أصبح القاضي والجلاد.

 

كل شيء لم يكن كما خُطط له من قبل حتى أن شركاء الثورة أنفسهم أقروا بذلك فالوضع أصبح لا يطاق، كل أحلام أمس أصبحت اليوم هباءً منثورا. فهل تنجح الثورة السودانية في إسترداد عافيتها وتصحيح مسارها حتى لو عبر ثورة شعبية أخرى؟ أم أنها سترضح وتستسلم لسارقي الإحلام والمستقبل؟.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة